-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نوّري يا الغابة

عمار يزلي
  • 1045
  • 0
نوّري يا الغابة

حرائق الغابات التي أحرقت قلوب وأفئدة الشعب الجزائري برمته، وراح ضحيتها العشرات من الشهداء والمصابين المدنيين والعسكريين، لا يمكن أن يقبل الشعب الجزائري إلا بلجنة تحقيق مستقلة، لا تُبقي طي الكتمان نتائجَها كما تعوَّدنا منذ عهود؛ فالشعب يريد الحقيقة ويريد القصاص من الفعلة إن وُجدوا، وتحميل المسؤولية لمن تخاذل وتهاون أو تواطأ.. فالسكوت عن الجريمة جرمٌ لا يُغتفر.

هذه الحرائق التي أزهقت الأرواح وأتلفت ممتلكات الجزائريين وخرّبت رئة تنفّسهم في عز ضيق التنفس وأزمة الأوكسجين الناجمة عن جائحة كورونا المزمن.. لا يمكن أن يتصور جزائريٌّ حرّ، وطني، محبٌّ لبلاده أنها قد تكون من فعل إنسان.. بفعل فاعل، وإن كنا نعتقد أنها كذلك، وهذا في انتظار التحقيقات والقبض على الجناة ومدبري الجرائم في الداخل والخارج إن كان ذلك هو ما حدث. هذه الحرائق، لا يمكن أن تكون، إن حدث هذا فعلا، إلا على يد خائن للوطن، ذيل للاستعمار، مجرم في حق شعبه وأمَّته ووطنه، الذي يتبرأ منه براء الذئب من دم يوسف.

تذكِّرني الصورة الصادمة والمفجعة لأهالينا في تيزي وزو وبجاية والوسط والشرق الجزائري، وغربه وفي كافة ربوع الوطن قبل أشهر وفي شهر رمضان.. بما فعله الاحتلال أثناء الثورة التحريرية، وحالة الصدمة والرثاء لحال ما وصلت إليه غاباتُنا التي أحرقتها أيادي التدمير الشامل، والتي لا تزال أياديها وأذرعُها الإجرامية، ماضية في “إنهاء الأحفاد ما بدأه الأجداد”.

أتذكَّر صورة النساء وهن يرثين الغابة عبر أهازيج غنائية بقي صداها يرن حتى ما بعد الاستقلال.. وإلى اليوم في بعض مناطق الغرب الجزائري: “بويا قاع الجبال تعرَّات// الجيش المحرّر وين راه يبات”. وأتذكر جيدا، أهازيج أخرى عن الغابة التي سقتها دماء الشهداء فأنجبت شجيرات جديدة بعد الإحراق بالنابالم: “الله يرحم الشهدا// اللي دمهم لقح الغابة”. والكل فينا، حتى الشباب اليوم، يسمعون بأغنية الراحلة الشيخة الريمتي، وعديد ممن رددوا وأعادوا ترديد أغنية “نوري يالغابة نوري// نوري درقي لي ذاك الوليد// الغابة حنينة ربات المجاهدين// نوري يالغابة نوري”

هذه الصور، وردود الفعل المستنكِرة، تعود اليوم من جديد ضد أحفاد “لاليجو” وشياطين الإنس و”الحركة” (غير الوطنية)، التي تعمل على تخريب ما تعتزم الجزائر إنجازه بدونهم ورغم أنوفهم الموروث عن أنف ديغول، التي تقول عنه الأهزوجة النسوية الساخرة: “ديغول ما نتاع الهمة// نيفو طويل مليح للشمة”.. والتي صدحت رافضة لكل أشكال الاستعمار: “جابتك الحملة ودَّاك الواد// يا فرنسا ما عندك بلاد”، أو هذه الأهزوجة التي تمثل فصل الخطاب: “روح يالرومي بركاك// هاذي بلادنا مش بلاد أبّاك”.

أتصور أنه لو عاد بنا الزمن للوراء، لرأينا بأم أعيننا، نسوة اليوم في كل مناطق الجزائر، يبكين غابات تيزي وزر وبجاية وقبلها الشرق والغرب، ويلعن الأيادي الآثمة التي فعلتها، لأغراض سياسية أو مصلحية أنانية إجرامية، فالكل سواء.. لرأينا هؤلاء النسوة، يبكين من جديد الغابات المحروقة والجبال المخنوفة، والأرواح المزهوقة، ويرثين الضحايا من الشجر والبشر، ويتضرَّعن إلى الله العلي القدير أن يحمي الجزائر وغاباتها وأشجارها وسهولها ووديانها وبرَّها وبحرها وجوها، وأن يُحرق قلوب من أحرقوا البلد وأحرقوا الأكباد وخنقوا الأنعام.. ونكلوا بحياة الأطفال والشيوخ من العباد البسطاء الزهاد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!