-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الثورة الجزائرية أسقطت "الجمهورية الرابعة" و6 حكومات

هذا ما تكبدته فرنسا قبل الهزيمة.. والاعتذار في الطريق

محمد مسلم
  • 4059
  • 0
هذا ما تكبدته فرنسا قبل الهزيمة.. والاعتذار في الطريق
أرشيف

تتشابه مواقف الرؤساء الفرنسيين خلال العقدين الأخيرين، وهي الفترة التي ارتفعت فيها أصوات الجزائريين، مطالبين بالاعتذار عن جرائم الماضي الاستعماري، مع حالة التخبط التي طبعت السلطات الفرنسية خلال الحقبة الثورية الجزائرية (1954/1962).
وخلال العقدين الأخيرين، عاشت العلاقات الجزائرية الفرنسية واحدة من أكبر الصدامات المتعلقة بالذاكرة، تمثلت في سن قانون 23 فبراير 2005، الممجد لممارسات الاستعمار الفرنسي، الذي تزامن مع بداية توهج نجم الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولا ساركوزي رئيس حرب الاتحاد من أجل حركة شعبية، الذي دشن أولى انحرافات “التيار الديغولي”، بالاقتراب أكثر نحو اليمين المتطرف، في ظل رئاسة آخر الرؤساء الديغوليين جاك شيراك، الذي تدخل في إطار صلاحياته الدستورية لمراجعة قانون الفتنة الممجد للاستعمار، لتهدئة خواطر السلطات الجزائرية.

تلكؤ ومناورات..
ومع بداية فترة حكم الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي (2007/2012) وإلى غاية حكم الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون (2017/ …)، مرورا بفترة حكم الرئيس السابق، فرانسوا هولاند (2012/2017)، كانت قضية تجريم الاستعمار ومطالب اعتذار باريس، حاضرة دوما على الطاولة، ومع ذلك كان هؤلاء الثلاثة يحومون حول الموقف الذي ينتظره الجزائريون، غير أنهم عجزوا عن اجتياز الحواجز النفسية، التي هزمتهم إلى حد الآن.
كل ما استطاع ساركوزي القيام به، لم يتعدّ وصف الاستعمار بأنه “نظام غير عادل (ظالم)”، وهي عبارة لم ترق للجزائريين، فقد اعتُبرت تهربا مما كان منتظرا من الدولة الفرنسية باعتبارها وريثة فرنسا الاستعمارية، وهي الحقيقة التي رفض ساكوزي التسليم بها عندما قال، إن “الأبناء لا يمكنهم الاعتذار عما فعله الآباء”.
وحتى خليفته، فرانسوا هولاند، الذي استبشر البعض خيرا بتربعه على قصر الإيليزي، باعتبار خلفيته اليسارية (الحزب الاشتراكي)، إلا أنه بقي رهينة المواقف الفرنسية التقليدية سجينة “العقدة الجزائرية”، إذ لم يتمكن سوى من وصف الاستعمار بأنه “نظام ظالم ووحشي”، وذلك خلال زيارته إلى الجزائر: “هذا النظام له اسم هو الاستعمار وأنا اعترف هنا بالمعاناة التي سببها الاستعمار الفرنسي للشعب الجزائري.. من واجبنا أن نقول الحقيقة حول العنف والظلم والمجازر والتعذيب”.

الخطوط الحمراء..
الخطوة الجريئة الوحيدة هي تلك التي صدرت عن الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون، لكن عندما كان مجرد مشروع مرشح للانتخابات الرئاسية في عام 2017، وفيها وصف الاستعمار بأنه “جريمة ضد الإنسانية” خلال زيارة له إلى الجزائر، غير أنه لم يلبث أن تراجع عنها بمجرد عودته إلى بلاده، تحت ضغط اليمين المتطرف وفلول الأقدام السوداء و”الكولون”، غلاة “الجزائر فرنسية”، حتى وهو لم يصرح بما كان ينتظره الجزائريون والمتمثل في “الاعتذار عن الجرائم الاستعمارية”.
موقف الرئيس الفرنسي الحالي المتردد فيما يخص التعاطي مع المطالب الجزائرية المشروعة، يبدو أنه يمثل أقصى ما يمكن أن يقدمه أي مسؤول في باريس في مستواه، ما يؤشر على وجود خطوط حمراء مرسومة من قبل الدولة العميقة في فرنسا، التي لم تتمكن بعد ستين سنة من هزيمتها في الجزائر، من تجاوز معادلة “مساواة الضحية بالجلاد”، التي لا تزال تسيطر على مخيلة الساسة في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط.
وحتى في عز الاحتفال الخاص بستينية الاستقلال في الجزائر، لم يتمكن الفرنسيون من مجاراة التوجه العام ومسايرته ولو ظرفيا، فالرسالة التي بعث بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء، إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبّون، مهنئا، تضمنت ما يزعج من خلال إشارتها إلى وضع إكليل من الزهور باسم ماكرون على “النُصب التذكاري الوطني لحرب الجزائر والمعارك في المغرب وتونس” في رصيف برانلي في باريس إحياءً لذكرى ضحايا من وصفتهم وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس براس) “ضحايا مجزرة” وهران من الأقدام السوداء.

ترنح الجمهورية الفرنسية الرابعة..
سياسة المناورات ومحاولات الالتفاف والهروب إلى الأمام التي مارسها الرؤساء الفرنسيون المتعاقبون خلال العقدين الأخيرين، لمواجهة تصاعد المطالب الجزائرية باعتذار الدولة الفرنسية عن جرائمها الاستعمارية، تلتقي إلى حد بعيد مع السياسات التي ناور بها مسؤولو فرنسا الاستعمارية منذ البدايات الأولى للثورة التحريرية.
فالرئيس الفرنسي، روني كوتيي، الذي اصطدم باندلاع الثورة التحريرية المظفرة، وهو لم يمض على تربعه على قصر الإيليزي سوى أقل من 11 شهرا، استعمل كل الأساليب بما فيها سياسة الحديد والنار لإخماد لهيب الثورة، بعد أن استهان بها في البداية، مركزا جهوده على الحرب في الهند الصينية.
غير أن تلك السياسة لم تفلح مع إصرار الجزائريين على نفض الغبار عنهم واستعادة زمام المبادرة من نظام استعماري عنصري استيطاني ليس فيه سوى ما يسيء إلى قيم الجمهورية الفرنسية التي تساقطت على مذبح الحرية في الجزائر. وهكذا سقطت أولى الحكومات في باريس، بعد نحو ثلاثة أشهر فقط من اندلاع الثورة، وهي تلك التي كان يقودها، بيار منداس فرانس، والتي لم يمض على تنصيبها إلا سبعة أشهر فقط.

الثورة تسقط الحكومة تلو الأخرى..
ترك بيار منداس فرانس “قصر الماتينيون” تحت ضربات الثورة، ورغم محاولات الجيش الفرنسي احتواء الوضع في الجزائر بكل السبل، ولم يتمكن رئيس الوزراء الفرنسي الجديد، إدغار فور، من البقاء في قصر الحكومة (الماتينيون) سوى أقل من سنة واحدة (من 23 مارس 1955 إلى 24 جانفي 1956)، ليخلفه رئيس وزراء جديد هو “غي موللي”، الذي لم يتمكن بدوره من المكوث مطولا في الحكومة، إذ لم تتعد رئاسته سنة وبضعة أشهر فقط (13 جانفي 1956 إلى 21 ماي 1957)، والسبب دائما غياب الاستقرار السياسي الناتج عن الضربات الموجعة التي كانت يومها تتلقاها السلطات الفرنسية في الجزائر.
عدم اعتراف باريس بحقيقة مفادها أن الجزائر ليست فرنسية ولا يمكن أن تكون فرنسية، تواصلت ملقية بظلالها على استقرار الحكم في الضفة الشمالية للبحر المتوسط، تجلت من خلال الإطاحة بـإدغار فور (23 مارس 1955 إلى 24 جانفي 1956)، ليخلفة موريس بورجاس مونوري، الذي لم يمكث في قصر الماتينيون سوى ثلاثة أشهر فقط (من 12 جوان 1957 إلى 30 سبتمبر 1957)، تعبيرا عن أخطر أزمة سياسية في فرنسا لم تشهدها باريس منذ الحرب العالمية الثانية، بعد استيلاء النازيين عليها.
هكذا وفي مدة لم تتجاوز الثلاث سنوات، سقطت الحكومة الرابعة وحلت محلها الحكومة الخامسة، برئاسة فيليكس غايار، التي لم تعمر سوى أقل من خمسة أشهر (من 06 نوفمبر 1957 إلى 15 أفريل 1958)، ثم جاءت الحكومة السادسة في ظرف أقل من أربع سنوات، برئاسة بيار بفليملين، التي لم يتعد عمرها سوى أسبوعين فقط (من 13 ماس 1958 إلى 28 ماس من نفس السنة)، وهي ربما أقصر مدة لحكومة فرنسا على مدار التاريخ، وكان ذلك إيذانا بسقوط الجمهورية الفرنسية الرابعة، برئاسة روني كوتيي، لتحل محلها الجمهورية الخامسة، بعد الاستنجاد بالجنرال شارل ديغول، في ماي 1958، لإنقاذ فرنسا من التفكك.
ورغم الإصرار الذي تحلى به الرئيس كوتيي وحكوماته الست المتعاقبة في ظرف أربع 4 سنوات فقط، أملا في كسر إرادة الجزائريين، ورغم تقلد جنرال متمرس مثل ديغول مقاليد السلطة، وإصراره على هزيمة جيش وجبهة التحرير ومن ورائهم الجزائريين، إلا أن السلطات الفرنسية استسلمت في الأخير، وسلمت بالأمر مكرهة في الخامس من جويلية 1962..
المساران متشابهان، وقد تحقق الاستقلال مع ما كابدته باريس من خسائر، وسيأتي اليوم الذي تجنح فيه إلى الاعتذار عن جرائمها في الجزائر، كما سلم قادتها السابقون بأن الجزائر ليست فرنسية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!