-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" في دورية نحو مراكز الاقتراع بالأحياء الشعبية والراقية

هذا ما ينتظره الجزائريون من المجالس البلديّة

نوارة باشوش
  • 1088
  • 0
هذا ما ينتظره الجزائريون من المجالس البلديّة
أرشيف

عاشت الجزائر السبت 27 نوفمبر حدثا هاما في مشوارها السياسي الديمقراطي، يتعلق بالانتخابات المحلية، آخر محطات رحلة “التغيير” بالبلاد، باعتبار أن البلدية هي النواة الأولى لبناء هياكل الدولة، فالمنتخب الوافد إلى مبنى البلدية، مطالب بتجسيد الالتزامات وتنفيذ الوعود التي قطعها للمواطنين طيلة أيام الحملة الانتخابية، من خلال توزيع السكنات الجاهزة والإفراج عن قوائم جديدة، وحل أزمة المياه التي أرّقت العائلات، فيما مرت الانتخابات بردا وسلاما على البلاد، تحت شعار “تريد التغيير أبصم وأتمم البناء المؤسساتي”.

رغم الطقس البارد والأمطار والظرف الصحي الصعب، توافد المواطنون صبيحة أمس، على مكاتب الاقتراع منذ الساعات الأولى لبداية العملية الانتخابية بالجزائر العاصمة، وسط إجراءات احترازية مشدّدة خوفا من “فيروس كورونا”، وكلهم أمل في أن تجد مطالبهم هذه المرة آذانا صاغية لدى رئيس المجلس الشعبي البلدي الجديد.
وكانت الساعة تشير إلى الثامنة و20 دقيقة عندما، انطلقنا في جولتنا نحو عدد من أحياء العاصمة لتغطية “الحدث”، حيث سجلنا شوارع خالية، اللهم إلا بعض السيارات والمارة، إلا أن العاصمة اكتست “الحلة الزرقاء” بانتشار عناصر الشرطة ومدرعات مكافحة الشغب في كل حدب وصوب، ناهيك عن الحزام الأخضر لرجال الدرك الوطني الذين عززوا تواجدهم عبر مداخل ومخارج إقليم عاصمة البلاد، مما جعلنا نتخيل أن مكاتب ومراكز الاقتراع تكون على نفس الشاكلة خالية هي أيضا، خاصة وأن الطريق الرابط بين القبة، حسين داي، وسط الجزائر، كان يوحي بذلك لقلة الحركة، إلا أن ذلك بدأ يتلاشى رويدا رويدا، عندما بدأنا نلج إلى شوارع أعرق أحياء عاصمة البلاد، وهو حي الحراش، وبالضبط سوق بومعطي، أين لاحظنا جموعا غفيرة من المواطنين يتسوقون، وآخرين يبيعون ويشترون، شبابا وشيوخا، نساء وأطفالا يصولون ويجولون، كأن الأمر لا يعنيهم تماما وهو ما تبين بعد ذلك من خلال دردشتنا مع أحدهم قائلا “على واش نفوطي.. أنا لا أثق في “المير”، فأنا ضائع لا سكن.. لا خدمة.. لا زواج”.
وصلنا إلى أول مركز اقتراع وسط الحراش “ابتدائية الأمير عبد القادر”، أين سجلنا إقبالا محتشما للمواطنين، وهي العادة الراسخة عند الجزائريين في صبيحة كل موعد انتخابي، وفي هذا المنبر قال لنا العشريني “عبد القادر.ش”، مواطن من بلدية الحراش، توجه صبيحة أمس لتأدية واجبه الانتخابي لأوّل مرة، أملا في التغيير وبحثا عن الأفضل لمنطقته، مضيفا “نتمنى رفع التجميد عن المشاريع المتوقفة وترميم العمارات وتهيئة الطرقات وتشييد المساحات الخضراء وبناء المدارس والمؤسسات التربوية وتحسين وضعية المستوصفات”.
أما “خديجة.ب” ـ 42 سنة ـ ومقيمة بنفس البلدية، التقيناها بمركز “عيسات إيدير” بنفس البلدية، فقد اختارت الإدلاء بصوتها في أول محليات بعد الحراك الشعبي، إيمانا منها بأن التغيير لن يكون إلا إذا شارك فيه كافة أفراد المجتمع وأبناء الشعب الجزائري، مصرحة لـ”الشروق”: “لا خيار أمامنا اليوم، إلا الاقتراع”، وأردفت قائلة “فضّلت منح صوتي لمن رأيت أنه الأقدر على تحسين أوضاعنا بالحي الشعبي العريق الذي أقطن به”، مضيفة “توزيع السكنات وتسوية وضعية المحرومين أهم الأولويات التي يتوجّب على رئيس البلدية الفصل فيها بعد اعتلائه الكرسي”، وختمت قائلة “نتمنى أن لا يتنصل هؤلاء من وعودهم مثل ما فعل سابقوهم”.
واصلنا جولتنا عبر مراكز الاقتراع، وفي مقر ابتدائية على عمار برايس حميدو “لابونت”، تأسفت الخالة خضراء، أم لـ3 ضباط من رجال الشرطة، على حال ابنتها التي تسكن في أعالي لابوانت، وفوقها توجد صخرة كبيرة، وقالت لنا “ابنتي في خطر يمكن أن تسقط الحجرة في أي وقت..؟.. وعلى هذا الأساس “جئت أنتخب، علنا نجد آذانا صاغية عند رئيس البلدية الجديد وينقذ ابنتي وعائلتها من الموت المحتوم”.
أما العمة خديجة التي بلغت من العمر عتيا، إلى درجة أنها ما زالت تعيش في ذكريات الماضي وعهد الرئيس الراحل هواري بومدين، فقالت لنا “أنا أنتخب منذ زمن هواري بومدين، الله يرحمه، فأنا ما نخونش الأمانة ولم يبق من عمري إلا القليل.. القليل”.
ومن جهته، فإن عمر”46 سنة”، قد حسم أمره ولن يتوجه إلى مكتب الاقتراع وليست هذه المرة الأولى التي يمتنع فيها عن التصويت، بل هو لم يصوت أبدا في حياته، يقول هذا المواطن، الذي أخفى المعاناة التي تظهر على وجهه وجسمه النحيف، لـ”الشروق”، “مستحيل أن أصوت، لا أستطيع أن أضيع ولو خمس دقائق من حياتي من أجل التصويت، وأنا حقي في هذا لبلاد ضاع”.

“السكن” هاجس يؤرق مضجع الجزائريين

وإلى ذلك، فإن الشيء الذي سجلناه خلال جولتنا على مراكز الاقتراع على غرار إبتدائيات محمد زكال وأحمد سيكوتوري بساحة أول ماي، مرورا بمتوسطة محمد خليفة بشارع محمد بلوزداد، هو التقاء جميع من تحدثنا معهم حول هاجس السكن الذي أصبح يؤرق مضاجعهم، فالكل يحلم ببيت يأويه ولو كان في “عين المكان” كما صرحوا لنا.
وما لفت انتباهنا خلال تجولنا طيلة نهار الانتخاب بشوارع الجزائر وبين مراكز الانتخاب، من الحراش، إلى باش جراح، إلى شارع باستور بالجزائر الوسطى، مرورا بساحة أول ماي وبلوزداد وحسين داي وصولا إلى باب الوادي ورايس حميدو “لابونت”، وغيرها من أحياء العاصمة، هو تقسيم فترات الانتخاب حسب الفئات العمرية للناخبين، حيث كان الشيوخ والمسنون هم أول من افتتح عملية الاقتراع، حيث توافد المسنون ومعظمهم من الرجال على صناديق الاقتراع، وفضلوا عدم التأخر عن الانتخاب، وبعدها التفرغ للواجبات اليومية كالتسوق، أما ربات البيوت والشابات فيفضلن فترة ما بعد الظهر بعد الانتهاء من الواجبات المنزلية وإعداد وجبة الغداء، من أجل الخروج لأداء الانتخاب، فيما يختار الشباب الفترة المسائية أو ساعات قليلة قبل غلق مراكز ومكاتب الاقتراع بشكل جماعي وفردي، للإدلاء بصوتهم.

شنقريحة خارج الثكنة.. ورئيس المحكمة الدستورية في أول تحد

وفي حدود الساعة التاسعة والنصف، انطلقنا صوب متوسطة أحمد باي في واد قريش بالعاصمة، حيث أدى الفريق السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، واجبه الانتخابي خارج الثكنة العسكرية، مرتديا بذلته الكلاسيكية ومعطفه الأسود مع التزامه بالبروتوكول الصحي من خلال وضعه كمامة، قبل أن يضع ورقته في صندوق الاقتراع ويبصم ليبتسم مع المشرفين على العملية الانتخابية قبل أن يغادر المكان.
ولأن الجزائر بلد الجميع، فضلنا أن نقيس مدى اهتمام سكان الأحياء الراقية بهذا الحدث، ولم ننتظر طويلا، حتى تجلت لنا الحقيقة كاملة، حيث كانت وجهتنا في حدود الساعة العاشرة والنصف منطقة حيدرة، أين تزامن تواجدنا بمدرسة الإخوة عباد، مع إدلاء رئيس المحكمة الدستورية، عمر بلحاج، بصوته على عجالة، كيف لا وهو من تنتظره مهمة ثقيلة لأول مره في هذه الانتخابات.
والشيء المسجل في مراكز الاقتراع بالأحياء الراقية على شاكلة بلديات حيدرة، دالي إبراهيم، سطاولي، هو توافد الشباب عبر سيارات فاخرة وبعضهم عبر دراجات نارية يركنونها بالقرب من المركز، ويدخل بعضهم للإدلاء بصوته، ويقول أحد المواطنين هناك “جئت اليوم للانتخاب على صديقي المترشح للمجالس الولائية، وهذا حال الكثير ممن أدلوا بأصواتهم اليوم، فالشاب ينتخب على صديقه، والمرأة تصوّت للمرأة والعائلة لإبنها وهكذا”.
والملحوظ عند مواطني الأحياء الراقية، أن هؤلاء لا يطمحون لا لإصلاح الطرقات ولا لمنحهم السكن أو منصب شغل بسيط، وإنما يفكر الكثير منهم في تحسين مستوى الحريات ورفع القيود على عدد من الممارسات، والظفر بمناصب عمل مرموقة، ذات أجور عالية، أو تمكينهم من الاستثمار وتأسيس شركتهم الخاصة بعيدا عن البيروقراطية وما يسمونه بالعراقيل الإدارية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!