-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هذه هي تقنيات تأليف الكتاب المدرسي

خير الدين هني
  • 279
  • 0
هذه هي تقنيات تأليف الكتاب المدرسي

التأليف المدرسي من أدقّ الأعمال الفنية، وأكثرها خطرا على التكوين النفسي والعقلي والحركي للأجيال الناشئة، ولذلك يخضع لشروط علمية وتربوية ونفسية بالغة الدقة في صرامة الاختيار والتأليف والتصميم والتحقيق والتمحيص والتدقيق، تساوقا مع السيكو بيداغوجيا التي تعتبر الكتاب المدرسي بشروطه الفنية أهمَّ عنصر للجذب التربوي، يستثير اهتمامات المتعلمين، ويحرك دوافعهم ويبعث في نفوسهم الرغبة والقابلية للتعلّم الطوعي، وينمي عواطف الإحساس والميل إلى الطموح والتطلع إلى العتبات المشعّة، بأنوار العلم والمعرفة والأمل والفأل والحياة الواعدة، ويحفزهم على إنماء قدراتهم ومواهبهم ومهاراتهم، ومكتسباتهم وخبراتهم وتجاربهم.
وتكمن القيمة الاعتبارية للكتاب المدرسي بمعاييره الفنية، في كونه وثيقة تربوية جوهرية، تشوِّق المتعلمين وتحفّزهم على مسكه بحبّ ولطف وشوق ورغبة، ويدفعهم إلى الحركة والنشاط والتوثّب، ويبعث في نفوسهم الغبطة والسرور والأريحية، بما يحقّقه من متعة نفسية يشعرون بها عند مسكه، إلى جانب اعتباره مصدرا هاما من مصادر المعرفة، وقواعد السلوك القويم الذي ينمي الشخصية ويجعلها سوية متوازنة في علاقتها العضوية، بين مكوناتها الثلاثة (العقلية والوجدانية والجسدية)، لأنه يشبع فضولهم بالاستمتاع بما يشبه اللعب بالحركات اليدوية والبصرية والسمعية والصوتية، بما يحقق ما ذهبت إليه أشهر النظريات في التعلم باللعب، وحب الاستطلاع والاستكشاف وروح المغامرة، ويتيح لهم ظروف التعلّم الذاتي، الذي يمنحهم فرص التدريب على بناء المعرفة، اعتمادا على قدراتهم الشخصية ومهاراتهم المكتسَبة، وبالتدريب المتواصل على مسكه بالشروط الفنية للسيكو بيداغوجيا، تتعمق خبراتهم وتُصقل مواهبهم، وتنشط الطاقة المبدعة في عقولهم، وفي ذات الوقت يتيح لهم متعة التعلّم التعاوني ضمن فريق العمل.
ومقاربتَا التعلّم الذاتي والتعلّم التعاوني في بناء المعرفة، اللتان يتيحهما الكتابُ المدرسي، هما ما يشكلان بنية تربوية متلاحمة ومتآزرة، تحفّز الدوافع على التعلّم في أشكاله المختلفة، ما يساعد على إنماء القدرات الذهنية، والمهارات الحركية، والإحساسات العاطفية، والمواهب الفطرية، والمكتسبات المعرفية، ورفع كفاءة الأداء إلى عتبات الجودة والإتقان، لأن تقنيات التعلّم بالمعايير البنائية، تقتضي أن تُبنى المعرفة بالتعلّم الذاتي تارة، وبالتعلّم التعاوني تارة أخرى، لأن ذلك يتلاءم مع طبيعة الحياة العملية والوظيفية التي يوجَّه إليها المتعلمون بعد الحياة الدراسية، وهذا ما يتيحه الكتاب المدرسي ضمن الأنشطة المختلفة.
ولهذا كان الكتاب المدرسي بشروطه الفنية، أهم وثيقة مدرسية تحقق هذه الغاية، وبما أنه وثيقة مرجعية لكونه أحد أهم مصادر المعرفة، أولاه علماء التربية والنفس أهمية بالغة، لذلك اشترطوا في تأليفه تحقيق مجموعة كبيرة من المزايا السيكو بيداغوجية والفنية والجمالية، من أجل ذلك كان الإخراج الفني لهذه الوثيقة الجوهرية، هو أهم عنصر في تأليفها، ويشمل الإخراج تساوق المضامين مع عمليات التعلّم والأهداف المسطرة في المناهج، وتصميم حجم الكتاب وصفحاته، وتنظيم العناوين والفقرات والهوامش، والأشكال والرموز والصور والرسوم والخرائط والبيانات، والتناسب المعقول بين فراغات العناوين والأسطر والهوامش، وتأثير ذلك على إبراز المعاني والأفكار والأشكال، وما تحققه من تشويق المتعلمين، وتيسير التعلّم لهم.
وقد وضع خبراء التربية لضمان جودة التعليم، معايير دقيقة لجودة الكتاب المدرسي، وأوضحوا أن إجراءات التحسين في تصميم الكتاب المدرسي، أمرٌ ضروري كي يتسم بالجودة والجذب والتشويق، ويكون مرجعا شاملا ومتكاملا في شكله ومحتواه وصوره وألوانه.
معايير تأليف الكتاب المدرسي:
يتم اختيار خبراء بمواصفات معيارية لا يمكن تجاوزُها، وتشكيل فريق من الكتَّاب المحترفين المتمرِّسين على فنيات الكتابة، شكلا ومضمونا وفنيا، كي يكون الكتاب المدرسي مؤلَّفا تأليفا معياريا وخاليا من الهنات اللفظية والمنهجية والفنية، بالاشتراك مع الفنيين والرسامين وفق خطة تراعي التصميم العامّ للكتاب والغلاف والألوان والرسوم والخرائط، وتناسبها مع محتويات التعلّم وأهدافه المسطرة في المنهاج، وخطة التصميم الداخلي للصفحات بما يحفز المتعلّمين على القراءة بشوق وسهولة ويسر، ويحقّق عنصر الترغيب والجذب، وترتب المواضيع حسب ترتيب أهداف التعلّم، وتكون الأفكار والمعاني مرتبطة عضويا ومنطقيا، مع وضوح مادته وربطها بالحياة العملية والتقنية، ويمكّن الاستفادة من الصور والرموز والخرائط والبيانات، وتنتقى نوعية الورق والحجم المناسب بما يرغّب المتعلمين في الاستجابة الطوعية، ويراعى وزن الكتاب والأبعاد بين السطور، بما يناسب المستوى الدراسي، ولغة التعلّم والمستوى العمري، وأساليب التقويم ذات الصلة بنواتج التعلّم، كالمهارات الذهنية والوجدانية والحركية، وضرورة التخطيط المستقبلي لتكنجة التعليم، من ذلك أن يتحول الكتاب المدرسي الورقي إلى لوحات إلكترونية، تُعرض عليها المحتويات والمضامين، والصور والخرائط والبيانات بمعية الدليل الذي يشرح فلسفة المقاربات التي بني عليها الكتاب المدرسي، والمنطلقات الفكرية للسياسة التربوية، وتعليمية الأنشطة المختلفة وفق المقاربة البنائية في إستراتيجية التدريس، وأساليب التعلم الذاتي والتعاوني.
هذه هي الشروط الفنية التي ينبغي مراعاتها في تأليف الكتاب المدرسي، فهل توفرت في كتابنا المدرسي بعد الإصلاح في الجيل الثاني؟ عندما نتصفح هذه الوثيقة في ثوبها الجديد نجدها تتوفر على مزايا تربوية ونفسية وجمالية كثيرة، وثقل الكتاب كما هو عليه الأمر لا مفرَّ منه، لأن الورق شبه المصقول والحجم الكبير للكتاب، إنما كان نتيجة تنفيذ الشروط الفنية في تأليف الكتاب المدرسي، لتضخيم العناوين والخط واحترام البياضات بين العناوين والسطور والصور والخرائط، واعتراض المواطنين على ثقل الكتاب،- -وهو اعتراضٌ وجيه- إنما لأن معظمهم غير ملمّين بشروط تأليف الكتاب المدرسي، وحل مشكلة ثقل الكتاب بيد وزارة التربية، إذ يمكنها تخفيفه بجعله في أجزاء ثلاثة، حتى يسهل على التلميذ حمله دون أن يضرَّ بصحته.
تطور الصورة في الكتاب المدرسي:
أ- خلوُّ الكتاب المدرسي من الصورة: كانت المرحلة الأولى في تأليف الكتاب المدرسي، مرحلة خالية من الصور والخرائط والبيانات التوضيحية، وقد تزامنت هذه المرحلة مع المدارس التقليدية التي كانت تُعنى بالمادة الدراسية فحسب، من غير عناية بالصورة، لأن البرامج التعليمية –يومئذ- لم تكن مصمَّمة على مبادئ علم النفس الحديث، الذي تحوَّل من علم ممزوج بالمباحث الفلسفية، إلى علم تجريبي على يد (لافونت) في ألمانيا سنة 1779م.
كان التعليم في هذه المرحلة يركز على العلوم اللغوية، كعلوم المعاني والبيان والبديع، والنحو والصرف، والأدب بفنه الشعري والنثري، تقدم إلى المتعلمين بطرق جافة يُعتمد فيها على الإلقاء والتلقين والتحفيظ والاسترجاع، وكان التدريس يتم في الكتاتيب والزوايا والمساجد، ضمن حلقات يتوسطها الشيخ المدرس، وكان هذا الأسلوب في التدريس ساريا في الفترة الاستعمارية، وكانت المتون والحواشي والتعليقات والدواوين والمنظومات النحوية والصرفية، هي المادة الدسمة للبرامج التعليمية، وكانت خالية من الصور والخراط والمخططات، أما المدارس الاستعمارية المنظمة، فكانت الكتبُ فيها تعتمد على الصور السوداء التي تأخذ أشكالا مختلفة، بحسب طبيعة المادة التعليمية.
ب- الصورة السوداء: وبعد الاستقلال، وبعد تنظيم التعليم في مقاربات حديثة، ظهرت الصورة السوداء في الكتب المدرسية، إذ وُضعت المناهج الدراسية على قواعد سيكولوجية، وقد أخذت فلسفتها من المدرسة السلوكية التي تأسست في 1912 بالولايات المتحدة، وكان أمرها غالبا على النظم التربوية في معظم بلدان العالم، وكانت هذه المدرسة تعتمد على معادلة المثير والاستجابة التي جعلت الصورةَ مركزَ اهتمام في استثارة العملية التعليمية التعلّمية، ولذلك أصبح للصورة دورٌ بارز في بناء المناهج والكتاب وطرائق التدريس.
ج- ظهور الصورة الملوَّنة: ورغم أن الصورة الملونة، قد عرفت طريقها إلى المناهج الدراسية في الثمانينيات من القرن الماضي في بعض الدول العربية الغنية، إلا أنها لم تظهر في مناهجنا الدراسية إلا بشكل قليل في المستويات العليا من التعليم.
د- الصورة الرقمية: وهي شكلٌ من أشكال الإبداع التكنولوجي، الذي عرفته تكنولوجيا الحواسيب، وتعميم استعمالها في مختلف الحقول، وشيوع الصور في شبكات الانترنت واستفادة المؤسسات والأفراد والمطبعات من خدماتها، فكان لذلك دورٌ كبير في تطوير الصورة الرقمية التي أخذت أبعادا مثيرة في تنميق الكتاب المدرسي، بالصور والألوان البديعة التي زادتها جمالا وسحرا، وتحفيزا على تنمية القدرات الذهنية والجمالية والخيالية للمتعلمين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!