الإثنين 24 فيفري 2020 م, الموافق لـ 29 جمادى الآخرة 1441 هـ آخر تحديث 22:39
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

بقلممحمد شيدخ

هذه هي قواعد إرساء منظومة صحية وطنية متكاملة

  • ---
  • 1
ح.م

النظام الصحي المعتمد من قبل الدول هو مجموعة الهياكل والتنظيمات والموارد المادية والبشرية المجندة من أجل الحفاظ على صحة الأفراد والجماعات من منطلق توفير العلاجات الطبية المختلفة والوقاية من الأمراض المعدية ومكافحتها إلى جانب ترقية الصحة وتطويرها ومراقبة وتقييم النشاطات الطبية وتحيينها، ويفترض أن يقدّم هذا النظام الصحي علاجات متنوعة وكافية وفق ثلاثة معايير: الشمولية والانسجام والاستمرار. ويدخل في هذا التعريف كل الفاعلين والمؤثرين في الحالة الصحية للمجتمع من مختلف القطاعات والميادين وكذا كل المراكز والمخابر التي تهتم في بحوثها بجوانب تتعلق بصحة الإنسان وسلامته.

ونظرا للتغيرات الكبيرة التي تحدث في المجتمع من الناحية الديموغرافية والوبائية وكذلك الاقتصادية، فإن عمليات التقييم والإصلاح المتعلقة بالنمط الصحي المنتهج تكون دورية ومتسلسلة مواكبة لكل حال، إذ يصفها بعض المتتبعين بالورشات المفتوحة والتي بدورها مرت في السابق بمراحل عديدة كانت في البداية متعلقة بالتنظيم الهيكلي الصحي والاجتماعي، ثم انزلقت إلى مفهوم المعادلة والملاءمة بين المصاريف والمداخيل في قطاع الصحة (التمويل)، ثم استقرت عمليات الإصلاح حول توفير آليات التكفل الجيد بالمريض بيسر وبأقل التكاليف (الجمع بين النوعية ومعقولية التكلفة) بعيدا عن الشؤون الهيكلية والتنظيمية والتي وضعت في خانة الملفات الثانوية في مشروع إرساء منظومة صحية ناجعة.

وعلى كل، فإنه يستحيل على أي نظام صحي في العالم مهما بلغت درجة نوعيته وجودة خدماته أن يقدم في نفس الوقت خدماتٍ صحية كاملة تستجيب لجميع الاحتياجات الصحية للمواطنين بنفس النوعية، ما أجبر غالبية الدول على نهج مقاربات العمل بالمشاريع والأهداف المحددة والمبرمج تحقيقها وفق رزنامة زمنية محددة ثم الانتقال إلى برامج أخرى، والكل يدخل في سياق الأولويات والضرورات الملحَّة، استجابة قهرية لبروز وضعيات صحية طارئة أو خطيرة على الأشخاص والمجتمع، ما يستدعي تجنيد مهنيي الصحة للتصدي وفق استراتيجية محكمة مسطرة لهذه الحالات. وانطلاقا من هذا الواقع، كان لزاما على الفاعلين في ميدان الصحة تحديد كمية العلاجات الواجب توفيرها والتي يحتاجها المواطنون على أساس أنها الفرق بين الواقع الصحي المعاش حاليا في مجتمع ما والحالة الصحية المرجو تحقيقها.

ونظرا لعدم توفر نظامنا الصحي على الرقمنة وأدوات التكنولوجية المعلوماتية في كل الهياكل والمستشفيات، فإن رصد المعلومة ومدى صحتها يبقى ضعيفا وناقصا؛ لأن المعلومات الجيدة والحقيقية تؤسس للقرارات الصائبة لأنها تسمح بادراك واستشعار مشاكل الصحة العمومية ورهاناتها في المجتمع والتدخل مباشرة لإعطاء الحلول ووضع السياسات الراشدة. ويبقى واقع الصحة في بلادنا بائسا لأن منظومتنا الصحية تختنق لبُعدها عن حقيقة الواقع وفشل كل السياسات الترقيعية والظرفية المنتهجة لعدم استفادة القطاع من المعلوماتية والرقمنة الفعلية كخطوة أولى لمعرفة النقائص والاحتياجات الصحية الحقيقية للمواطن ثم الانطلاق في بلورة سياسة ونظام صحي جزائري غير منسوخ عن اي نظام صحي آخر في العالم يستجيب للواقع الصحي في بلادنا.

وبعد الاستفادة من النظم المعلوماتية وتكنولوجية الإعلام في المؤسسات الصحية، قد ننتقل إلى تطبيب المعلوماتية وجرد الأمراض وعلاجاتها مع وسم كل الأفعال الطبِّية بمعامل خاص استعدادا لإرساء صيغة التعاقد بين مؤسسات الضمان الاجتماعي ومؤسسات الصحة لأجل فوترة حقيقية للأفعال الطبية والتكفل الكامل بالمؤمَّن اجتماعيا وضرورة الإسراع في وضع بطاقية وطنية للمعوزين وعديمي الدخل قصد التكفل بهم من قبل الجهات الوصية لأن المواطن الجزائري سئم من هذه المجانية الكاذبة في منظومتنا الصحية، فجُلّ الأمراض الخطيرة أو التي تحتاج إلى تكفل عن طريق وسائل الكشف والتحاليل الخاصة تُجرى عند الخواص، ما يكرِّس عدم التساوي في العلاج أمام المنظومة الصحية التي لم توفر هذه التجهيزات، لأن الفقير سوف يزداد فقرا في مثل هذه الاحوال لان سياسة التساوي في العلاج ينبغي لها ضمان التكفل والعلاج لمن يحتاج إليه وليس لمن باستطاعته الدفع.

وتكون بعد ذلك إمكانية الاستجابة الصحية المقصودة صوب فئات معينة كإنشاء مصالح خاصة بكبار السن لخصوصية أمراضهم، ومراكز لإعادة تأهيل وإدماج مرضى الأعصاب والانهيارات النفسية الكبيرة وتسطير برامج صحية بكل ما تحتاجه من إمكانات لوجستية لفائدة حديثي الولادة والحوامل وتطوير مصالح الأمومة والطفولة، ولا بأس إن استلهمنا بعض التقنيات والخبرات من بعض الدول البارعة في ذلك، خاصة في مجال التكفل والعلاج قصد التقليل من وفيات الحوامل ولنأخذ من تجربة السويد وفنلندا عساهما تنفعاننا لأنهما رائدتان في مجال حماية الأمومة والطفولة وتتربعان على رأس قائمة افضل الدول الأوروبية في هذا المجال.

لقد أضحت وفيات الحوامل في بلادنا مشكلة صحة عمومية في حد ذاتها لحصدها عديد الأمهات، وكان بالإمكان التقليل منها لو سلكنا سياسة حكيمة في هذا الاتجاه. وللعلم، فإنه ليس من الضروري التوجه نحو الإكثار من الاستثمار في بناء المنشآت الصحية وفق أوامر سياسية أو شعبوية من دون التأكد من الحاجة إليها من قبل العارفين بالشأن الصحي، بل ينبغي لنا التسيير والانتفاع وفق أساليب الحوكمة العالية والمتميزة لما نملكه من مستشفيات وعيادات واستقطاب الكفاءات الطبية الفنية والإدارية من مختلف الولايات قصد المساهمة في بلورة برامج صحية وطنية ملائمة للواقع الجزائري، فنوفر هذه الأموال لبعث مثلا ميدان البحث وإجبار الأطباء خاصة في المستشفيات الجامعية على تقديم بحوث طبية خلال مسارهم، لأنه من كوارث الأمة التي نحتاج لمن يواسينا فيها وجود أطباء برتبة أساتذة ينهون مسارهم الجامعي من دون أن يكتبوا كتابا واحدا، أضف إلى ذلك انقطاع العلاقة بين المستشفيات الجامعية والأطباء داخل الوطن في القطاع العمومي، ما أفقد تكوين الأطباء معناه وأبعده عن مواكبة حقيقة الميدان، فالمستشفى الجامعي لا يعطيه ما يحتاجه بالطريقة التي تجعل منه طبيبا ممارسا مقتدرا بعد التخرج، فمستشفى “لاريبوازيار” بباريس أسِّس سنة 1854، ومستشفى “كوشان” أسِّس سنة 1780، ومستشفى “غاي” في وسط لندن تم بناؤه سنة 1721، وكلهم يقدمون علاجات دقيقة وتقنيات علاجية عالية جدا، فالعبرة ليس في بناء الجديد بقدر ما هي في حسن ضبط منظومة الصحة لإرساء أساليب حديثة في إدارة المستشفيات والقطاع ككل.

وفي هذا السياق، نذكر أنه ليس من الضروري رصد نسبة كبيرة من الناتج الداخلي الخام لتحسين واقع الصحة في بلادنا، ولكن يجدر بنا التفكير في السعي نحو تحقيق النموذج المأمول للرعاية الصحية الشاملة وإطلاق برنامج اليوم لتحقيق رؤية عشرية قادمة، فالجزائر رصدت سنة 2014 ما نسبته 12 من المائة من الناتج الداخلي الخام للصحة؛ أي قرابة 60 مليار دينار كميزانية قطاعية سنوية وكل المصاريف فاقت 366 مليار دينار في قطاع الصحة، وقابل ذلك بقاء استياء المرضى وتذمر المواطن من الخدمات الهزيلة غالبا.
وللمقارنة مع دول أخرى، نجد خلال نفس السنة أنَّ دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية -وكلها متطوِّرة- قد رصدت ما قيمته 9.3 من نفس الناتج، وتمكنت دولة من داخل المنظمة وهي هولندا من التربُّع على الريادة لخمس سنوات متتالية بين 2012 إلى 2016، أما الولايات المتحدة فقد رصدت 16.9 من المائة وبقي نظامُها الصحي يحتضر إلى اليوم، ويبقى أكبر تحد هو نظام الصحة في اليابان إذ بالرغم من كون إسبانيا قد حازت على صفة أفضل نظام صحي لسنة 2017 حسب تقييم “بلومبارغ” أهمّ مرصد أمريكي للتحاليل الاقتصادية كونها تقدم أفضل العلاجات بأقل التكاليف، يبقى اليابان أفضل في تقديم الخدمات الجيدة بتكاليف تناسب الفقراء. وسوف نكمل جرد المحاور الأساسية والركائز الخاصة بمنظومة صحية عالية الجودة ومتكاملة وندقق أكثر في المرة القادمة، إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

  • عياش يحياوي.. كما عرفتُه

    اخترمتِ المنيّةُ من بيننا، في الأيّام الأخيرة، الشاعرَ المبدع، والباحثَ الْمُؤْتَلِق، والإعلاميَّ البارع، عياش يحياوي. اخترمتْه بعنف وقسوة واغْتفاصٍ، وهو بأبو ظبي، عاصمةِ الإمارات العربيّة…

    • 43
    • 0
  • المال ينبغي أن يكون عبدا لا سيّدا

    اعتدنا في حياتنا على أن ننظر إلى المال بأنّه أهمّ مصدر للسّعادة والرّاحة، ولذلك جعلنا تحصيله وجمعه هدفنا الأوّل، وجعله كثير منّا هدفه الأوّل والأخير..…

    • 46
    • 0
600

1 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • جزائري حر

    من يقرأ باه يولي طبيب غني لا يصلح لمهنة الطب هدا يروح يعمل تجارة ويهنينا

close
close