-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تتضمن تاريخ الطبري وروايات شكسبير وكتب علم النفس والرياضيات

هذه هي محتويات مكتبة بن باديس التي بقيت “مخفية” 84 سنة

ب. ع
  • 1002
  • 0
هذه هي محتويات مكتبة بن باديس التي بقيت “مخفية” 84 سنة
ح.م

اكتفى عميد جامع الجزائر وزير الدولة، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني بالقول: “يكفي أنها مكتبة الشيخ العلامة ابن باديس”، ردّا على الذين شدّهم الفضول لمعرفة عناوين الكتب التي كان يقرأها رائد النهضة الجزائرية، ورافقته كخير جليس.
حاولت “الشروق”، مع أطراف عديدة من مؤسسة جمعية العلماء، ومن عائلة الشيخ ومؤسسة ابن باديس، معرفة محتوى هذا الكنز التاريخي والفكري الذي ساهم في صقل فكر العلامة ابن باديس، منذ أن وهب نفسه للعلم، وبالتالي، للجزائر وللإسلام وللعربية، كما قال وهو يسأل نفسه ذات مرة: لمن أعيش؟

كُتب عمرها أكثر من قرن


ولد الشيخ ابن باديس من عائلة عريقة، فوالده الشيخ محمد المصطفى، كان متعلما باللغتين العربية والفرنسية، واشتغل في القضاء وكان حافظا للقرآن الكريم، كما اشتهر أجداده بالعلم والفتوى والخطابة، ومنهم المعز بن باديس. وقد وجد في صغره الكثير من الكتب التي باشر النهل منها، وعندما تنقل للدراسة في جامع الزيتونة بتونس، ولم يكن قد تجاوز التاسعة عشرة سنة، من عمره، في سنة 1908 بدأت قصته مع الكتب، فكان يشتري ما يفيده في الحياة، وفي طريق الدعوة الذي ارتضاه لنفسه.
وسبق للمرحوم عبد الحق بن باديس وأن تحدث عن ذلك لـ”الشروق”، عندما قال بأن في مكتبة الشيخ الكثير من الكتب التي خطّ في أول صفحة منها تاريخ الشراء والمكان، وفي الغالب كان المكان هو تونس، ولكن ثراء مكتبته بدأ في رحلته إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، في سنة 1913، حيث توقف في الكثير من العواصم العربية الثقافية، مثل القاهرة ودمشق والقدس الشريف، فعاد بكنوز علمية وثقافية، كما ربط علاقات علمية مع شيوخ وعلماء، وبقي الكثير منهم يرسلون له الكتب الجديدة وأمهات الكتب، فتكونت مكتبته الثرية التي ضمت، بحسب مصادر “الشروق اليومي”، تاريخ الطبري، وهو أحد كتب التاريخ العربي الإسلامي، ومجلد الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني من 22 جزءا، فيه تاريخ وإبداعات فطاحلة الشعر العربي من العصر الجاهلي إلى العصر العباسي الذي عاش فيه أبو الفرج الأصفهاني في بغداد، والعقد الفريد لمؤلفه ابن عبد ربه أحمد بن محمد.
بقيت مكتبة الشيخ ابن باديس بعد وفاته في نفس المسكن بحي القصبة بقسنطينة من سنة 1940 إلى سنة 2014 لمدة 84 سنة، دون أن يخرج منها كتاب واحد، ماعدا بعض المخطوطات على قلتها، التي كان ينقلها شقيق ابن باديس الأستاذ الراحل عبد الحق، إلى الدكتور عبد العزيز فيلالي في رحلة كتاباته التاريخية عن الشيخ ابن باديس، ويحرص الرجلان على إعادة المخطوط إلى المكتبة بعد الانتهاء من التدوين التاريخي.
وفي أول حوار أجرته الشروق العربي مع شقيق الشيخ بن باديس في سنة 1994 في مسجد العائلة سيدي قموش بقسنطينة، تحدث فيه عن المكتبة وقال بأنه يحلم في أن يكون للشيخ ابن باديس متحف خاص، يجمع أشياءه وأفكاره، ويضع فيه هذه المكتبة الكنز، وتحدث حينها الراحل، عن مصحف أحضره الشيخ ابن باديس من رحلته لأداء فريضة الحج من البقاع المقدسة، وبقي محتفظا به الأستاذ عبد الحق، إلى أن أهداه للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في أول خرجة له بعد انتخابه في أفريل 1999 في قسنطينة ضمن احتفالية يوم العلم.

المكتبة جزء من تاريخ الجزائر


قيمة مكتبة الشيخ ابن باديس التي سافر منها 808 كتاب، إلى جامع العاصمة مؤخرا، في كونها لا تحتوي على الكتب فقط، فهي أرشيف قائم بذاته، فيها دراسات وشهادات ورسائل وتشريفات كانت تصله، من مختلف أقطار العالم ومخطوطات بقلم الشيخ ابن باديس، ومراسلات كانت تأتيه من اتحاد الكتاب العرب، وقد قالت أنيسة حفيدة الشيخ عبد الحق بن باديس بأنها دهشت لكمية ونوعية هذه الكتب، التي تثير الإعجاب والرهبة معا، وتجعلك تفتخر بشخصية رائد النهضة الجزائرية المعاصرة.
وستكون مكتبة الشيخ ابن باديس في المكتبة الكبرى بجامع الجزائر العاصمة وهي صرح ثقافي عالمي، التي من المفروض أن تضم ما لا يقل عن مليون ومئتي ألف عنوان، كما هو مبرمج لها، كما أن اختيار المرحوم عبد الحق لمسجد، دون الجامعات ودور الثقافة، حتى يضم مكتبة العلامة الشخصية، هو ربما لأن شقيقه عبد الحميد أو “سيدي حامد”، كما كان يسميه، كان يقضي معظم وقته في المساجد من جامع الكبير إلى سيدي لخضر إلى سيدي قموش، في التعلّم والتعليم، وهذا بحسب حفيدة الشيخ العلامة.
ولأن غالبية الكتب اشتراها واكتسبها الشيخ عبد الحميد بن باديس في عشرينيات القرن الماضي، فإن وضعها، يحتاج إلى المعالجة والترميم، خاصة أن غالبيتها من الورق الأصفر، بحسب الدكتور عبد العزيز فيلالي رئيس مؤسسة الشيخ ابن باديس، وأكيد أن مكتبة الجامع الأعظم بالعاصمة، ستضم اختصاصيين في المحافظة على الكتب وفي ترميم المخطوطات والمؤلفات القديمة أو التي طالها بعض التلف.
وكان المرحوم عبد الحق قد قال لنا في حديث سابق، بأن كتب الشيخ كانت متفرقة في ما بين إخوته وحتى تلامذته ولدى بعض شيوخ جمعية العلماء المسلمين، وبعد فترة من وفاته قام المرحوم عبد الحق، بجمعها من أشقاء ابن باديس وهم السيدة بتول الشقيقة الوحيدة للشيخ ابن باديس، التي توفيت عام 1999 إضافة إلى شقيقه المولود، الذي كان مديرا لدار الأيتام بحي سيدي مبروك، وتوفي عام 1960 وهو والد الدكتور الشهيد عبد السلام لخضر بن باديس، المسمى باسمه المستشفى الجامعي بقسنطينة، ومات شهيدا، وكان يقرأ الكتب العربية التي يهديها إياه العلامة ابن باديس، بالرغم من أنه كان طبيبا مختصا في أمراض العيون، والأشقاء الآخرون وهم محمد العربي وعبد المليك ومحمود وسليم، وطبعا أصغرهم عبد الحق الذي ولد عام 1920 وتوفي في السنة الماضية فقط.

37 عنوانا من المجلات كانت تصل العلامة وفرنسا تراقبها


أما المؤرخ الدكتور عبد العزيز فيلالي، فعاد في حديثه لـ”الشروق اليومي”، إلى سفريات الشيخ ابن باديس، إلى جامع الزيتونة ومصر والحجاز، حيث عقد صداقات مع الكثير من العلماء، فكانت تأتيه الكتب من المشرق والخليج العربي ومن تونس باستمرار عبر البريد، ونبهنا إلى أن تقارير الشرطة الفرنسية التي كانت تتابع تحركاته ذكرت، أن الشيخ كان يصله 37 عنوانا لمجلات من كل أنحاء العالم من سان باولو البرازيلية إلى شمال القارة الأمريكية.
وقال الدكتور فيلالي بأن الشرطة كانت تحجز مجلتين، تراهما خطرا على تواجدها في الجزائر، كما حجزت كتبا جاءته من عدة بلدان، وأكد تقرير الشرطة الفرنسية، بأن كل ما كان يأتي من كتب ومجلات للشيخ ابن باديس عبر البريد، لا يتم تسليمها إياه، إلا بعد أن تمر على فريق مراقبة، ومنها حتى كتب كانت تنبه لمخاطر الصهيونية وتأتيه من باريس ومن مونتريال، وهذا قبل نكبة 1948 بعقدين.
وعلمنا بأن المرحوم عبد الحق بن باديس كلف في السنوات الأخيرة شابا من مؤسسة الشيخ ابن باديس، دخل البيت العائلي، وقام بتنظيف وتصفيف وترميم بعض الكتب النفيسة التي كانت في المكتبة، ومن المخطوطات النادرة، وهي بالتأكيد جزء من تاريخ الجزائر، لأنها تعني شخصية نادرة في العالم الإسلامي وأحد أهم الرموز الوطنية في تاريخ الجزائر.

كليلة ودمنة والمعلقات السبع وروائع شكسبير
من بين الكتب النفيسة التي تزخر بها مكتبة الشيخ ابن باديس، روائع شكسبير، وكتب عن الطب وكيفية تربية الأبناء وعلم النفس والرياضيات والجغرافيا، ما يدل على الثقافة المتنوعة والعميقة للشيخ عبد الحميد بن باديس كما توجد كتب باللغة الفرنسية، وبحسب شقيقه المرحوم، فإن الشيخ عبد الحميد كان يتقن اللغة الفرنسية، وسافر مرة واحدة إلى العاصمة الفرنسية باريس عبر الباخرة إلى مارسيليا وأكمل عبر القطار، ومكث هناك أقل من أسبوع، وكان إخوته وحتى والده المصطفى، يتقنون اللغة الفرنسية، ولكنه كان يرفض أن ينطق كلمة واحدة بها، وحتى عندما يتحدث مع رجال الأمن الفرنسيين يجبرهم على إحضار مترجم أو يستعين هو بالطبيب بن جلول.
وفي مكتبة الشيخ أيضا، رائعة كليل ودمنة، ودواوين شعر مثل المعلقات السبع التي تعود لشعراء الجاهلية ودواوين شعراء العصر العباسي من أمثال المتنبي والبحتري وأبو تمام وأبو فراس الحمداني، وروائع الفرزدق والحطيئة، وعلى الرغم من قلة شعر الشيخ ابن باديس، فقد كان في مقالاته في الشهاب، يستشهد حتى بروائع المحدثين من الشعراء، ومنهم أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، من الذين عاصرهم.
وتقول آمال قنادز، وهي روائية ومختصة في أدب الطفل وعضو في مؤسسة الشيخ ابن باديس، بأنها كانت تمنّي النفس بأن تجد المكتبة الباديسية في المركز الثقافي الإسلامي العملاق الذي سيدشن قربيا في المدينة الجديدة علي منجلي بولاية قسنطينة ويحمل اسم العلامة ابن باديس، ولكن المكتبة التي كانت تحلم بقراءة كتبها، سافرت إلى العاصمة وهي بالتأكيد بين أيد أمينة، وبالتأكيد سيتم طبع الكثير من كتبها تعميما للفائدة.
وكانت الجزائر قد شهدت في أكتوبر من سنة 2006 حدثا مماثلا، عندما تم تدشين فضاء الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي بالمكتبة الوطنية بالحامة بالعاصمة، وذلك عندما قام الدكتور الإبراهيمي بإهداء 10 آلاف كتاب، وهي محتويات مكتبته الخاصة، لمكتبة الحامة، وصارت محتويات المكتبة التي احتفظ بها الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، ومنها كتب والده العلامة البشير الإبراهيمي تحت تصرف الطلبة والباحثين، على مدار اليوم والسنة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!