السبت 19 أكتوبر 2019 م, الموافق لـ 19 صفر 1441 هـ آخر تحديث 19:23
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

بقلمسلطان بركاني

هكذا أصبحنا نتحايل لاستباحة الرّبا

  • ---
  • 14
ح.م

واقع مرير أمرّ من العلقم نعيشه في هذا الزّمان، ضيّقت فيه أبواب الحلال وأوصد كثير منها، وفتّحت أبواب الحرام على مصاريعها وزيّنت وبهرجت وأنفقت الأموال الطائلة لتعبيد طرقها وتذليل سبلها؛ ما يكاد العبد المؤمن يخطو خطوة في طريق طلب الرّزق إلا وتتلألأ أمام ناظريه بهارج الحرام التي يزيّنها شياطين الإنس والجنّ، ويجدون لضعاف النّفوس الأعذار والمبرّرات للأخذ بها.

لقد زاد الأمر سوءًا والطّينَ بلّة تساهل بعض المتصدّرين للدّعوة ورضوخهم للواقع، حتى ضَعف اليقين بالله -جلّ وعلا- وبفضله، وتعلّقت القلوب بما تشاهده الأبصار، وكثر المفتونون وتكاثر الواقعون في حبائل الشّيطان، وأصبحت كلمة “حرام” تزعج كثيرًا من الآذان وتنفر منها كثير من القلوب، وغدا المال أعظم فتنة فتن بها وذلّ أمامها كثير منالمسلمين، وصدق الحبيب المصطفى -صلّى الله عليه وآله وسلّم- حينما قال: (إنّ لكل أمّة فتنة، وإنّ فتنة أمّتي المال).

صار الحلال عند بعض المسلمين ما حلّ في اليد ولو كان حرامًا واضحًا لا شبهة فيه، وصار من السّهل على الواحد منهم أن يأخذ الحرام أو يعطي الحرام، ويجد لنفسه مبرّرا قد لا يكون هو في داخلة نفسه مقتنعا به، وصدق فيهم قول النبيّ المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ليأتينّ على النّاس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أ مِن حلال أم من حرام) (رواه البخاريّ).

إشهار وترويج للرّبا في بلاد المسلمين!

منكر وبيل، وجريمة شنعاء، هذه الحملة الضّخمة التي تسخّر في أغلب بلاد المسلمين للتّرويج للرّبا المحرّم؛ وهذا التهافت المحموم من قبل وسائل الإعلام على الإشهار والدّعاية للقروض الرّبويّة المحرّمة، حتى صار الحديث عنها يحتلّ الصّفحات الأولى لليوميات والأسبوعيات، ويحظى بالأولوية في الأخبار والنّشرات؛ قروض موجّهة إلى أرباب العائلات لبناء السّكنات واقتناء السّيارات، وأخرى موجّهة إلى الشّباب عن طريق وكالات التشغيل التي تضطرّهم في صيغها الثلاثية للاستعانة بالبنوك، وأخرى تحوم حولها شبهة الرّبا يُغرى بها الأئمّة لتكميم أفواههم عن محاربة الرّبا والتّحذير منه.

فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ أين نحن من قول الحقّ جلّ وعلا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ – فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون))؟ وأين نحن من قوله سبحانه بعد ذلك: ((وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون))، بمعنى: إن كان المقترض معسرا فالواجب علينا أن نسعفه ونصبر عليه حتى ييسّر الله أمره، لا أن نضطرّه إلى دفع الزيادة مقابل الانتظار والإمهال.

الرّبا لعنة في الدّنيا والآخرة

إنّ التّعامل بالرّبا –أخذا وإعطاءً- ليس بالأمر الهيّن، بل هو لعنة في الدّنيا وخسران في الآخرة، لعنة في الدّنيا تلحق آكله وموكله وكاتبه وشاهديه والمروّج له، فيبتلى آخذه ومعطيه بالإفلاس أو بالأمراض والهموم والغموم والمصائب التي يتمنّى معها لو يبذل أموال الدّنيا بأسرها لتزول عنه، ويحمّل من الأوزار ما يعادل أوزار الزّناة وأصحاب الفواحش والمنكرات. يقول الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم: (درهم ربا يأكله الرجل -وهو يعلم- أشدّ عند الله من ستّ وثلاثين زنية).. فلا إله إلا الله، درهم ربا أشدّ عند الله من 36 زنية، فكيف بمن يكسب الملايين عن طريق المعاملات الربويّة المحرّمة؟، وكيف بمن يعطي الملايين للبنوك الربويّة فوائدَ للقروض التي يأخذها والنبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- لعن آكل الرّبا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء. رواه مسلم.

نداء إلى الشّباب

ألا فتنبّهوا إخواني الشّباب واحذروا التّهافت على القروض التي تُطلب معها الفوائد ولو كانت هذه الفوائد 1 %، فالحرام حرام ولو كان قليلا، ولا يصير حلالا بكثرة المروّجين له والدّاعين إليه، ولا بكثرة المتهافتين والمقبلين عليه؛ وسيظلّ حراما إلى يوم القيامة، وإن سمّي بغير اسمه؛ الخمر هي الخمر وإن تعدّدت أسماؤها، والرّشوة هي الرّشوة وإن تفنّن المتفنّنون فيها، والقمار هو القمار وإن تطوّرت أساليبه، والرّبا هو الرّبا وإن تعدّدت طرقه، وسمّي فوائد أو عمولات أو معاملات.

إنّ الحرام لا يجوز أخذه ولا إعطاؤه إلا في حال الضّرورة، والضّرورة كما يعرّفها العلماء هي المشقّة الشّديدة التي يخشى معها العبد المؤمن الضّرر الذي لا يستطيع دفعه إلا الحرام، والعبد المؤمن إذا وجد ما يسدّ به رمقه ويستر به سوأته ووجد مأوى يقيه الحرّ والبرد ولو كان بيتا يمكنه كراؤه، فإنّه لا يجوز له أبدا أن يأخذ قرضا من البنك لأجل أن يبني له بيتا، أو يودع ملفا للسّكن التّساهميّ الذي يضطرّ معه لأخذ قرض من البنك، ومن باب أولى أن نقول إنّه لا يجوز لمسلم أن يشتري سيارة عن طريق البنك، أو عن طريق المؤسّسة التي يعمل فيها إذا كانت تضطرّه لدفع قيمة من المال زائدة عن ثمن السيارة التي تشتريها له من غير أن تتملّكها.

فيا إخواني الشّباب، اتّقوا الله ولا تستعجلوا أرزاقكم فيما حرّم الله، إنّ كسرة يابسة وجرعة ماء من حلال الله، خير من لذائذ شتّى تأتي ممّا حرّم الله. إنّ جوعا يورث خشوعا وتذلّلا لله خير من شبع يورث غفلة عن الله. خبز يابس وماء يعيش معهما العبد المؤمن آمنًا مطمئنًا، تستجاب دعوته ويُقبل عمله ويحسّ برقّة في قلبه وينجو من نار تلظّى، خير له وأشرف من مسكن واسع وسيارة فارهة مع ذل وَهَمٍّ وغمّ، مع قلب قاس غافل، ودعاء لا يستجاب، وعمل لا يرفع.

اتّقوا يا شباب ولا تغترّوا بكثرة المتهافتين على القروض الربويّة المحرّمة، وتذكّروا دائما وأبدا أنّ من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه. يقول أبيّ بن كعب رضي الله عنه: “ما من عبد ترك شيئاً لله إلا أبدله الله به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون به عبد فأخذ من حيث لا يصلح إلا أتاه الله بما هو أشدّ عليه”. ويقول قتادة بن دعامة السدوسي عليه رحمة الله: “لا يقْدِرُ رَجلٌ على حَرَامٍ ثم يَدَعه ليس به إلا مخافة الله -عزّ وجل- إلا أبْدَله في عاجل الدّنيا قبل الآخرة ما هو خيرٌ له من ذلك”.

مقالات ذات صلة

  • أصلح نفسك ما دمت في مهل

    لا تزال أيامنا تمضي وأعمارنا تنقضي وأعمالنا تحصيها ملائكة لا تغفل ولا تنام، في صحف لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا حوتها بالتّمام.. أيامنا جميعا…

    • 50
    • 0
600

14 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • رضا

    مقال جيد جدا فضيلة الشيخ ، جزاك الله خيرا ، لكن أود لفت انتباهك لى اساس الربا اليوم والمتمثل في العملات الورقية ، فعلى العلماء اعادة الاجتهاد في حكمها ، فأصل العملات ان تكون من ذهب وفضة ( لاطلاع اكثر تابع الفليم الوثائقي حركة الدينار)

  • أنور

    بارك الله فيك. نعم ماقلت.

  • عبدو

    ما احوجنا الى مثل هذه النصيحه جعلها الله في ميزان حسناتك .
    كنت اتمنى لو توسعت بالضروره لان كثير من الناس اصبحت حجه له في هذا الحرام خاصه و ان عقوبه الربا افضع من كل الكبائر قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}
    وروى مسلم عن ابن مسعود: “لعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – آكل الربا ومؤكله”، قال: “قلت: وكاتبه وشاهدَيه”.
    و باختصار شديد جعل العلماء الضروره للمقترض دون القارض هذا اولا
    اما المقترض فالضروره قدرت بالهلاك كمثل ان بجري عمليه و دونها يموت او ان عليه مال ان لم يسدده فدونه السجن و ان يكون من يقدر الضروره عالم يخاف الله

  • عبد الحكيم بسكرة

    و هل القرض عن طريق الوكالة الوطنية للقرض المصغر (angem) حلال بحكم الاقتراض من الوكالة بدون بنك و بدون فوائد ؟ ارجوا الجواب من كاتب المقال و من القراء و شكرا

  • بلاد النفاق

    قبل سنوات كان الجزائريين الذين يكتنزون أموالهم في البيوت يبررون ذلك بالتهرب من ادخارها في البنوك نتيجة الربا وفي 2015 قامت الدولة بسن قانون حول ما يسمى المعاملات الاسلامية أي المرابحة . لكن وبعد 4 سنوات لا تزال الأمور تراوح مكانها ولا تزال تلك الأموال لم تدخل البنوك وهذا ما يدل على أننا مجتمع منافق بامتياز الكل يتظاهر وكأنه ملاك لكن الكل يجري وراء الربح السريع وبأي وسيلة كانت .الجميع ينتقد ويشتم فرنسا ويمسحفيها كل مصائبا لكن الكل يسعى للعلاج وللدراسة وللاستقرار… بها . الكل يدافع عن العربية وينصحنا بتدريسها لكن الكل يسعى من أجل ارسال ابنائه الى باريس ولندن… منافقين

  • TADAZ TABRAZ

    يساهم القطاع المالي في اقتصاد بريطانيا بحوالي 160 ملياردولار سنويا أي ما يوفره البترول الجزائر خلال 5 سنوات وأنت لا تزال تحدثنا عن خزعبلات عمرها الاف السنين
    الجزائري يقول لنا أن الفوائد البنكية ولو بنسبة 1 % حرام لكنه :
    يبيع 1 أورو ب 200 دينار في السكوار ولا يقول أن ذلك حرام .
    يطارد بنات الناس عبر وسائط التواصل ولا يقول أن ذلك حرام .
    يغش في الميزان ان كان تاجرا ولا يقول أن ذلك حرام
    يغش في الباك أو ينصح ابنه على الغش والمهم النجاح ولا يقول أن ذلك حرام … وينافق ولا يقول أن ذلك حرام في مجتمع رضع من حليب النفاق حتى الثمالة

  • جزائري كغيره من الجزائريين

    الجزائر يتفنن في الظهور وكأنه ملاكا فهو مسلم أكثر من كل المسلمين وعربي اكثر من كل العرب ووطني أكثر من الوطنية ذاتها ………… لكن حقيقته شيء مغاير تماما وباختصار الجزائري تتغير الونه كالحرباء وبالتالي فلا نريد دروسا من أي كان وليقدم كل منا دروس لنفسه والسلام

  • Mohamed

    أوافقك الرأي، فالحرام حرام و هو واضح وضوح الشمس، لكن يا حبذا لو ذلّلت مقالك بأفكار و آليات واقعية تُفيد الشباب و تُعينهم على الإسترزاق بطرق حلال، فالوعظ المُجرّد لا يُشبع من جوع و لا يروي من عطش

  • ثداز ثبراز

    يساهم القطاع المالي في اقتصاد بريطانيا بحوالي 160 ملياردولار سنويا أي ما يوفره البترول الجزائري خلال 5 سنوات وأنت لا تزال تحدثنا عن خزعبلات عمرها الاف السنين
    الجزائري يقول لنا أن الفوائد البنكية ولو بنسبة 1 % حرام لكنه :
    يبيع 1 أورو ب 200 دينار في السكوار ولا يقول أن ذلك حرام .
    يطارد بنات الناس عبر وسائط التواصل ولا يقول أن ذلك حرام .
    يغش في الميزان ان كان تاجرا ولا يقول أن ذلك حرام
    يغش في الباك أو ينصح ابنه على الغش والمهم النجاح ولا يقول أن ذلك حرام … وينافق ولا يقول أن ذلك حرام في مجتمع رضع من حليب النفاق حتى الثمالة

  • جزائري

    المشكلة أكثر تعقيدا. لم يعد أحد يثق في من يسمون برجال الدين اللذين اصبحوا يوظفون الدين لمصلحة المفسدين في الأرض من السياسيين. كيف نثق في المفتي اللذي يبرر الولاء للكفار ويبرر استباحة اراضي الاسلام للكفار ويقدم ايات ويغيب ايات اخرى عن عمد معتمدا على جهل الناس بمفاهيم القرآن. اليهود اشد عداوة للذين امنوا لكن رجال الدين يقولون من السعودية ان اليهود ليسوا أعداء للمؤمنين مجاراة للملك اللذي يوالي اليهود. هل نثق في هؤلاء.

  • Bassem

    جزاك الله خيرا

  • عمر

    الربا حرام وهذا معروف لدى عامة الناس، والأئمة والدعاة ينبهون الشباب، ولكن ما حكم دولة مسلمة تسير على نهج علماني وبنوكها ومعاملاتها الاقتصادية دوليا ومحليا تمشي أو قائمة على الربا؟ حتى البنوك الإسلامية قروضها بها شبهات مثل اللف والدوران، والصراحة هي غير إسلامية وشاقة على المقترض!
    ما أصبوا إليه هو أننا نخاطب الشباب المسلم ليبتعد عن الربا ولكن لا يوجد بديل غير الربا، فهل نطالب مليار مسلم بالصبر والمفروض دول غنية لديها نفط مثل الجزائر تستطيع منح أراض مجانا للبناء مادام البلاد كبيرة وفارغة؟
    هل نلوم الشباب أم النظام؟ إذا وجب على الأئمة والدعاة توجيه خطاباتهم لولاة الأمر فهذا أقرب وانجع!

  • عبد الله المهاجر

    بسم الله
    – من الربا الدي أحله الناس – زيادة ثمن السلعة عندما يشتريها الفقير بالتقسيط
    ترى الغني أو المقتدر يدهب يشتري مثلا ثلاجة بسعر محدد يدفع ثمنه كاملا ,,ويأتي الفقير أو الضعيف يشتري نفس الثلاجة من نفس المحل يقولون له نبيعك بالتقسيط ولكن عليك أن تدفع أكثر من سعرها
    فهدا ربا محرم ,كالدي يقترض دينار ويرده دينارين ,,,
    يأخدون أموال الناس الفقراء بالباطل يستغلون فقرهم و عوزهم ,,

  • فهيم

    قال صلي الله عليه.وسلم….. لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء …….اخرجه مسلم رقم (1598)
    ومن هدا الحديث لا يجوز حتي العمل في الينوك لانه تعاون علي الاثم و العدوان

close
close