-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل المتفوّقون في البكالوريا نوابغ؟

لمباركية نوّار
  • 1049
  • 4
هل المتفوّقون في البكالوريا نوابغ؟

بتعاقب زمني متواتر وثابت، يعود الحديث في إسهاب وإطناب عن النبوغ، وتمتلئ الصحف حسب هواها ورؤاها بهذه الكلمة الساحرة والفاتنة، ويمسي معناها المحرَّف سلعة رائجة، فبمجرد أن تعلن نتائج امتحانات شهادة الباكالوريا في نهاية كل موسم دراسي، تقفز وتصعد كلمة: “النبوغ” كالنجم اللامع صعودا لافتا ومدهشا يستقطب الأنظار، وتطول الأحاديث حولها. وهي أحاديث سطحية فيها من التسليم المجحف أكثر مما فيها من السجال المفيد والنقاش المثري. ويصبح كل من نجح وحصد علامات عالية في الامتحان، بطريقة أو بأخرى، متوجا بلقب: “النابغة”؟. وما يؤلم هو أن هذا الحديث عن “النبوغ” يجري بعيدا عن التقويم القويم وعن النظرة الثاقبة التي تزن الكلام بميزان العقل والعلم الصارمين.

من المغالطات الكبرى التي لا تُغتفر هو اعتبار كل من تحصل على علامات عليا ومعدل مرتفع في امتحان شهادة الباكالوريا، وأظهر تفوّقا مرحليا، اعتباره من “النوابغ”؛ ذلك لأن النبوغ هو صيرورة غير متقطعة وممدودة في الزمن، وليس ومضة خاطفة أو حالة معزولة ومؤقتة يلعب فيها الحظ أحيانا لعبته. ولا يكون النبوغ إلا إذا كان مرفَقا بالابتكار والإبداع، أي الإتيان بالجديد غير المسبوق والمرصع وفق هيئة ونظام لم يُعرفا من قبل. ولو فرضنا أنه تفوّق عندنا مائة متعلم بحصولهم على علامات عالية في امتحان شهادة الباكالوريا في سنة من السنوات، فهل يعني ذلك أن منظومتنا التربوية قد خرّجت لنا مائة نابغة في سنة واحدة؟. وحسابيا، سيظهر من بيننا ألف نابغة في عشر سنوات؟. وهذا ما يخالف طبيعة الخلق؛ لأن عدد النوابغ قليل جدا، وهم نادرون في كل الأزمان. فكم تعاكس هذه القراءة التبسيطية البالية واقع الحال؟.

يعرِّف المخترع المعروف أديسون النبوغ تعريفا أقرب إلى الشرح، فيقول: (في النبوغ واحد بالمائة إلهام، وتسعة وتسعون بالمائة عرق جبين). فهل يتطابق هذا التعريف مع أحوال متعلمينا، وينسحب على الصورة التي تمارسون بها تعلّماتهم؟. السلبية التي تركز على تزويد المتعلم بالمعلومات تزويدا جاهزا ومباشرا ومن دون أدنى جهد من طرفه يستحيل أن ترفعه إلى مقام النابغين؛ لأن النبوغ يعتمد على ترويض القدرات العقلية العليا باستمرار وبلا انقطاع ترويضا متدرجا في التعقيد ومتزايدا في الصعوبة.

كيف يحصل الاعتراف بـ”النبوغ” أمام وضعيات اختبارية يلاحقها الانتقاد من كل جوانبها؟. وكيف نشيد بـ”تفوّق” و”نبوغ” يبرزان من معالجة أسئلة مكرورة ومعادة ومتشابهة على مدار سنوات. وتأتي، أحيانا، مثخنة بالأخطاء؟. وكيف يفسر ظهور هذا “النبوغ” بين طلبة فروع علوم الطبيعة والحياة والرياضيات والتقني الرياضياتي دون سواهم من طلبة بقية الفروع الأخرى؟. ولماذا لا يظهر “نوابغ” في الفروع الأدبية؟. وكيف نقرّ بميلاد “نوابغ” تقدموا في النقاط بـواسطة “الدروس اللصوصية” التي تشبه الاقتتات على المقويات أو تعاطي المنشطات؟. وإذا أصبحت المنشطات ممنوعة وتلاحقها المحاربة في المحافل الرياضية، وتسلط على من يتعاطونها من الرياضيين عقوباتٌ صارمة وقاسية، فكيف نقبل بها في نظامنا التعليمي ونتخذ منها وسيلة لتحقيق التفوّق المغشوش؟. ومن المضحكات المبكيات أن هذه الدروس القميئة التي ساهمت مساهمة كبيرة في إفساد نظامنا التعليمي أصبحت توزِّع الرتب والألقاب حتى على المعلمين والأساتذة الذين لوَّثوا سمعتهم بها، فهناك “عملاق الرياضيات” و”عبقري الفيزياء والكيمياء” و”بطل اللغة العربية” و”محيط التاريخ” و”قطب الفلسفة”!…

تتميز أسئلة الاختبارات في امتحاناتنا الرسمية (والمدرسية كذلك) بصياغاتها المباشرة، وتعتمد الإجابة عن نسبة كبيرة منها على التذكر، أي استرجاع المعارف المخزَّنة في الذاكرة والمحفوظة فيها حفظا رديئا من دون فهم في أغلب الحالات. وتؤشر هذه الحالة على أن القدرة الوحيدة التي تشتغل دوما هي القدرة على الحفظ. وهي قدرة لا تعرف سوى الاستنساخ، ولا يُرى معها العمل الذي يدل على الإنتاج الفردي للمتعلم المعبِّر عن مستوى نضج بقية قدراته العقلية الأخرى، فهل يعقل أن يتفتق النبوغ عن قدرة واحدة مظهرها الاسترجاع، وهي عملية آلية داوم المتعلم على مزاولتها لسنوات عديدة؟. وبسبب إثقال الذاكرة بالمخزونات من غير ترتيب لفترة طويلة وتحميلها أكثر من طاقتها عند بعض المتعلمين تظهر عليهم علامات التعب الذي يصبح معاناة مزمنة، وتتمثل أعراضُه في الإعياء والإرهاق والتوتر والقلق. وهذه الحالة المَرَضية هي من بين الدوافع المشجِّعة على التسرب المدرسي بعد النفور من الدراسة.

لا نعرف كيف يفسَّر تحطم هذا “النبوغ” وتلاشيه بسرعة فائقة عند عتبة السنة الأولى من الدراسة الجامعة عندما يكتشف المتعلم “النابغة” أنه عاجزٌ حتى على متابعة محاضرة في المجال الذي تخصص فيه، وتدوين رؤوس أقلام عنها بعد أن يكتشف قصورا في زاده اللغوي وعجزا في قدرته على تصنيف المعارف وعلى التلخيص؟. فكيف يحصل لمن ألِف السير كالطفل الصغير بمساعدة الآخرين أن يستقل بنفسه بين عشية وضحاها؟. من الصعب عليه أن يعيد الحياة والنشاط إلى قدراته الأخرى الضامرة.

من يقرأ تاريخ العلم، ويتصفح آثاره عبر القرون يقف على حقيقة مؤداها أن عدد النابغين من الرجال يتفوق على عدد النابغات من النساء في كل الأزمان. وهناك دراساتٌ علمية ومخبرية دماغية تشريحية ووظيفية منشورة تفسر هذه الملاحظة يمكن أن يرجع إليها من يستقصي عن الاستزادة ويرغب في معرفة التفاصيل. ولكن الوضع عندنا أقلب هذه الملاحظة رأسا على عقب، فعدد المتعلمات الموشحات بوشاح “النبوغ” في كل عام يتجاوز عدد “النابغين” من الناجحين في امتحان شهادة الباكالوريا، فمن يقدر على تأويل هذا الاستثناء الشاذ الذي نسجل فيه تقدما فريدا مخالفا؟. وتدل هذه الإشارة إلى أن تعريفنا للنبوغ الذي لم يُكتب هو تعريفٌ خاص، ولا يتناسب مع التعريفات الموضوعة له.

لست ضد حفظ القرآن الكريم، ومازلت أتأسف عن تفريطي في حفظه في صغري. ولكن هذا الموقف لا يمنعني من إبداء ملاحظة تخص الربط بين حفظ القرآن الكريم كاملا أو أجزاء منه والتفوق في امتحان الباكالوريا، وهي ملاحظة تدور حول إقامة علاقة بين الطرفين يصعب التأكُّدُ من صحتها. وتفسيري لهذا الأمر أوجزه في القول إنَّ تقوية الذاكرة بفضل حفظ القرآن الكريم يساعد المتعلمين على حفظ دروسهم التي يُختَبرون فيها عن ظهر قلب؛ فالذاكرة الممرنة على الاشتغال على مدار زمني طويل تظل مهيأة لمزيد من التخزين للمعارف التي تُستظهر في لحظة معينة ثم تُنسى. ولعلنا نجد إثباتا آخر لدحض هذه العلاقة نستنبطه من تراجع عدد المتفوقين بين متعلمي الشعب الأدبية، وذلك لأن بعض موادها كالفلسفة والأدب العربي واللغات الأجنبية تتسم الإجابة عن أسئلة اختباراتها بنصيبٍ من الإنتاج الفردي التركيبي في حلية جديدة لا ينفع معها الحفظ وحده، ويصعب مزاولة هذا الإنتاج من طرف المتعلمين لقلة فرص تدريبهم عليه في الأقسام النظامية وأثناء متابعة الدروس اللصوصية. والسياق يجعلني استحضر قول أحد الكتَّاب الذي كتب يقول: (إنّ النابغة عمله كنحلة العسل، وباقي الناس كالنمل، فهو يصنع وينتج بعد ما يجمع، وهم يحافظون على ما يجمعون، فالنابغة يقدّم الشيء الجديد، وباقي الناس يقدّمون ما كان قديما، فهو ذو بصيرةٍ نافذة وحدّة نظر، يرى ما لا يراه غيرُه، فيكشف الستار عن المجهولات في لوحته الغنيّة، وشِعره الموزون وكتابه القيّم، وغير ذلك). وإذا كان متعلمونا لا ينهمكون في التعلم الذاتي، ولا يقدِّمون حتى عُشر الجهد الشخصي المطلوب أثناء التحضير لامتحاناتهم، فكيف يطمحون إلى أن يكونوا نوابغ؟.

منذ سنوات، ومع اقتراب نهاية الموسم الدراسي عاد ابني الذي كان يتهيأ لاجتياز امتحان الانتقال إلى المرحلة المتوسطة، عاد إلى البيت ومعه رزمة من الأوراق تحمل نصوصا تختلف في عدد أسطرها، وكُتبت بخط أحرف رقيقة، وفيها أخطاء إملائية ونحوية. ولما رآني، جاءني يستنجد بي شاكيا، وأبصرت علامات الضجر على وجهه الصغير. وخاطبني بكلمات قليلة قائلا لي: “لقد سلم لنا المعلم هذه النصوص، وطلب منا حفظها حتى نواجه بها سؤال الوضعية الإدماجية في اختبار مادة اللغة العربية”، فنهرته في الحين عن حفظها، ونزعت الأوراق من بين يديه شفقة عليه، وأخفيتها. وحاولت في الأيام التي بقيت تفصله عن موعد إجراء الامتحان تدريبه على إنتاج نصوص كتابية، ووجدت عنده تجاوبا وتفاعلا وانشراحا. وبادر هو بنفسه إلى كتابة عدة نصوص اعتمادا على موارده اللغوية والتعبيرية القليلة. وأذكر أنه سألني ذات مرة كمن يكتشف طريقة جديدة في التعلم استحسنها: “لماذا لا نتعلم في القسم بهذه الطريقة؟”.

يستحيل أن تصنع لنا الممارسات التعليمية العجاف التي يفرضها المعلمون والأساتذة على متعلمينا في كل مراحل تعليمهم نوابغ؛ فإذا كان المتعلم لا يعتمد سوى على قدرة الحفظ في الكتّاب القرآني وفي المدرسة النظامية وفي مقار الدروس اللصوصية، فكيف له أن يرتقي إلى مصفّ النوابغ؟. وأكررها إن النبوغ لا يتحقق بتقوية قدرة واحدة تقع في أسفل هرم ترتيب القدرات، وهي القدرة على الحفظ.

إكراما للنوابغ العظام الذين خدموا مختلف العلوم وقدَّموا خدمات جليلة للإنسانية، لا تستعملوا كلمة: “نابغة” استعمالا هيّنا ومسرفا حتى لا تظلموهم ظلما يشبه الإهانة والاستخفاف.       

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • مراد

    النبوغ معناه الابداع والاختراع والابتكار وليس التقليد والحفظ والسرد .

  • قل الحق

    في الصميم و المتعارف عليه عالميا ان النوابغ لا يجهدون انفسهم في الدراسة و يحصلون على نقاط محترمة بابسط الجهود، مسابقات النوابغ تعتمد على اختبارات بسيكو تقنية و مشكلات واقعية للحل و هذا الاسلوب مستعمل حتى في مسابقات التوظيف العالمية و ليس على تمارين و اسئلة لطالما تكررت منذ عقود.

  • هشام

    مقال رائع يشفي الغليل لولا ما يشوبه من تعريجك على حفظ القرآن الكريم بهذه الصورة الظاهرية السطحية ويا ليتك لم تجازف! ألم تعلم يا أستاذ أن حفظ القرآن الكريم فيه بركة في تنمية القدرات العقلية (( كتابٌ مباركٌ أنزلناه )) فهو مبارك حتى في حفظه. ولا تنس أنه كلام الله فليس من يحفظ كلام الله كمن يحفظ كلام المخلوق .

  • محمد

    شكرا شكرا شكرا ولكن مشكل التلقين و التحفيظ انتقل للجامعة انها طامتنا العظمى