-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل المشكلة سياسية حقًّا؟

هل المشكلة سياسية حقًّا؟

أظن أن كفاءة النظم السياسية اليوم لم تَعد بالضرورة مُرتبِطة بطابعها السياسي. هناك نظم يصفها الغربُ بـ”الشمولية” كروسيا والصين أكثرُ استقرارا وأكثر قوة من النظم الديمقراطية الليبرالية مثل الولايات المتحدة وفرنسا، بما يعني أنّ علينا الكفّ عن تحميل السياسة (بمفهوم طبيعة النظام السياسي) كلَّ عبء الإصلاح أو التغيير القادم، وأن نناقش بموضوعية مسألة كِدنا نعتبرها مُسلَّمة غير قابلة للنقاش وهي أن “المشكلة هي بالأساس سياسية”، بل أصبحت العبارة شعارا يرفعه الجميع.

إننا لا ننفي دور العامل السياسي في التأثير، ولكن المشكلة ليست بالضرورة وبالأساس سياسية، إنها مرتبِطة بمنظومة ثقافية وتاريخية ونفسية لكل مجتمع، لا يمكن فكُّ شفرتها فقط من خلال حقل العلوم السياسية، إنما علينا الاستعانة بحقول معرفية أخرى عادة ما نتجاهلها.

إنه من السهل علينا تحميل الأنظمة السياسية المتعاقبة كل العيوب التي نعرفها اليوم، ولكن من الصعب جدا افتراض انبثاق نظام سياسي صالح من مجتمع غير صالح؟

ما العمل إذن؟

ينبغي في تقديري أن نَكفَّ عن توهّم هذا الدور السحري للسياسة الصالحة، وأن نَكفَّ عن انتظار تغيير جوهري في حياتنا فقط بإجراء انتخابات شفافة ونزيهة، إن مثل هذه الانتخابات يمكنها أن تحل مشكلة شرعية السلطة، ولكنها لن تعالج أبدا أمراض المجتمع إذا لم يُغيِّر هذا المجتمع ما بنفسه من خلال آليات يبتكرها بإرادة السلطة أو بغير إرادتها.

هل ابتكاراتُ الفلاح الصحراوي في بسكرة أو أدرار أو واد سوف أو ورقلة أو بشار هي من صنيع النظام السياسي؟ هل نجاحات الصناعات المحلية الجزائرية في وادي ميزاب أو سطيف وبرج بوعريريج أو في الشرق والغرب هي من صنيع النظام السياسي؟ هل النجاحات المُحقّقة في مجال التربية والتعليم العالي والرياضة وحفظ القرآن الكريم وبروز نوابغ هنا وهناك هي من صنيع النظام السياسي؟ وقس على ذلك بقيّة قصص النجاح المحقَّقة في أكثر من قطاع، لماذا ننسبها عادة إلى جهود فرد أو جهود أسرة أو فئة في المجتمع؟ إلى روح تسود منطقة أو قطاع أو أسرة أو فرد؟ إلى عبقرية شعب في إيجاد حلول لمشكلاته؟

يبدو لي أننا بحاجة إلى التفكر في ذلك ومراجعة تلك العبارة التي تقول “إن المشكلة هي بالأساس سياسية”، أو على الأقلّ لا نحمّلها كل العيوب التي نعرف.

إن مثل هذه العبارة عادة ما يطلقها غير القادرين على الابتكار، غير القادرين على العمل، غير القادرين على العطاء، هؤلاء بحق مشكلتهم سياسية، لأنهم بلا سياسة لا وجود لهم ولن يعيشوا. أما بقية المجتمع، فإنه يستطيع العودة إلى إحياء تقاليده إلى ذاته، يستطيع أن يجد البديل الذي يُمكِّنه من تجاوز هذه الحلقة المُفرَغة التي أُقحِم فيها إقحاما..

لقد كنتُ أنتقد نفسي وأنا في عمق النشاط السياسي، أجول بعيني بين مَن أعرف ومَن لا أعرف: ماذا لو اهتمّ كلٌّ مِنَّا بعمله، أليس ذلك أفضل؟ إلا أني كثيرا ما كنتُ انتبه وأصحح سؤالي: وهل يعيش أغلب من حولي، واغلب من ينشطون سياسيا، من كدِّ عملهم؟ أم من ممارسة السياسة؟

عندها كنت دائما أريد أن أتوقف عن النشاط السياسي لأطرح هذا السؤل: هل المشكلة سياسية حقَّأ؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • عيسى اللموشي

    الشعب التائه الذي جُرد من هويته وأصوله وجعلوه يكره تاريخ أسلافه رغم نصاعته لا يمكن له أن يكون مبدعا، هو يفلح فقط في تعليق فشله على شماعة النظام السياسي و الاستعمار والصهيونية العالمية وما إلى ذلك من شماعات يبدع في تثبيتها على جدران فشله ...

  • sohbi

    هذه هي الحقيقة المرة التي لا يستطيع سماعها كثير من الناس سواء كانوا احزاب او مجتمع ،وعلاج هذا الداء العضال :1- إن الله لا يغير مابقوم ......... 2-منهم من اغرقنا ،منهم من خسفنا بهم الارض ،منهم من ارسلنا عليهم حاصبا ،منهم من اخذتهم الصيحة ،يبدلهم الله بقوم آخرين :عزل من به فيروس معدي وضار.

  • جزاءري

    اوافقك الراي 100% . اسطع مثال الصين . الثقافة والارث الحضاري هما المحرك. حتى النظام السياسي لا يصمد امام المد الثقافي الحضاري لكل المجتمع سواء كان هذا المد ايجابيات او سلبيا. عندما تقام إنتخابات ويقوم الناخب باختيار فرد من عرشه بل بالضغط لترشيحه ليس لأنه كفؤ بل لأنه من عشيرته فما اللذي يستطيع فعله النظام السياسي اللذي صوغه اشخاص بنفس الثقافة ونفس العقلية . مؤخرا قرات خبرة مفاده وجود 38 الف ممهل عشواءي على الطرقات الجزاءرية. هل تسمح ثقافة الألماني او الياباني لاي كان في السلطة او في المجتمع ان يحدث مثل هذا . لكن الثقافة الجزاءرية سمحت بذلك سلطة ومجتمعا . هل تنفع الديمقراطية حرية التعبير او الحراك ان يغيرو ذلك ما لم تتغير الثقافة

  • لزهر

    نعم المشكلة هي (سياسية) و نوعية الجيل الحالي يجهل الكثير أن السياسة تنطبق على كل المجلات و معناه الحقيقي في اللغة على الإطلاق هو الترتيب و التنظيم عندما ننهمك في شيء لا بد من تنظيم و ترتيب لتصل إلى المبتغى و إلا إختلطت عليك الأمور لا تسطيع بناء عمارة بدون أسس صحيحة النجاح في مشروع سياسي بدون دراسة دقيقة من المستحيل. إن لم تنتهج سياسة معينة في أي مجال كان فلن تنجح. بعض الشعوب نراها منظمة إطلاقاً من الشارع أين تكون الحركة منظمة لأن الرصيف و إشارات المرور و العبور و الأضواء الكشافة وضعت بطرق صحيحة و علمية فننبهر و نتساءل عند رؤية هذه المشاهد. علينا بإتقان العمل أولاً للوصول إلى نتائج وليس أقوال بدون أفعال و إتكال. الجيل الذي يبلغ فيه الترف حداً يصبح فيه الناس عالة على الدولة و يفقدون عصبيتهم أي أن الجيل الثالث هو مؤشر لزوال الدولة و إنقراضها من وجه نظر إبن خلدون المسؤولية مسألة الجميع و كل منا لنا طرف فيها معالجة الأزمات تكون على حسب المكان و الزمان الذي نعيش فيه و بطرق علمية وليس ما يقوله أشخاص يعتقدون أنهم يمتلكون خاتم سليمان.