إدارة الموقع

هل مازالت هناك ديمقراطية؟

هل مازالت هناك ديمقراطية؟
ح.م

يتصور بعض المُنشَغلين بالحقل السياسي اليوم أن الديمقراطية قد بلغت مرحلة من التقدم فاقت بدايتها الأولى في القرن الثامن عشر أو ما يُعرَف بعصر التنوير عند الأوروبيين، سواء تعلق الأمر بالفصل بين السلطات أو السيادة الشعبية، أو مكانة الدستور، أو ممارسة الحق في الانتخاب أو غيرها من الحقوق، في حين أن العكس هو الصحيح…

الديمقراطية اليوم تقهقرت عَمَّا كانت عليه قبل ثلاثة قرون، بل وانقلبت على مبادئها الأساسية في عقر دارها، وإن أبْقَت على الشكل يحاول تبريرَ وجودها. لم يعد بالإمكان في واقع الأمر تحقيق فصل حقيقي بين السلطات إلا من حيث الشكل، ولا سيادة شعبية حقيقية، ولا حرية تعبير بمعنى الكلمة ولا تمكين الناس من مختلف الحقوق…

لقد أصبحت هناك سلطة خفية تُحرِّك العمل السياسي والباقي شبه ديكور مُفَصَّلٍ على المقاس، الدساتير، القوانين، السياسات، الحريات… لا أظن أن عبارة “مونتسكيو” الشهيرة بأن “السلطة توقف السلطة” أصبح اليوم لها نفس المعنى. حقيقة السلطة توقف السلطة ولكن من قبل من يملك المال والإعلام ومن يتحكم في سلوك الناس من حيث لا يشعرون… وليس من قبل إحدى السلطات الثلاث: التشريعية التنفيذية القضائية.

في أعرق الديمقراطيات الحديثة اليوم، هناك حديث عن وهم الديمقراطية.

في فرنسا كتب “خوان برونكو” مؤلفا بعنوان “الغسق” Crépuscule أو كيف تَحكُم الأوليغارشيا الفرنسية نظام الرئيس ماكرون، وبيَّن بالأسماء هؤلاء ومصادر أموالهم وشبكاتهم خارج جميع السلطات الدستورية أو الأحزاب والطبقة السياسية… مُستنتجا أن الديمقراطية في هذا البلد وهم من الأوهام.

وفي أمريكا لاحظنا كيف أن قوة اللوبيهات المالية تضع مَن تشاء في الحكم، ويتم في آخر المطاف إخراج ذلك وكأنه لعبة ديمقراطية.. وما قصة “بايدن” و”ترامب” والتزوير ببعيدة عَنَّا…

لذلك ليس من السهل علينا اليوم الحديث عن الديمقراطية في بلداننا بمصطلحات بدايتها الأولى. بل علينا أن نتساءل ما إذا كُنا بالفعل نستطيع إقامة مثل هذا النظام اليوم، وقد عجزت عن ذلك البلاد التي أنشأته؟ وهل نستطيع التخلص من هيمنة القوى التي تحكم العالم ماليا وإعلاميا وسياسيا، لنقيمه؟ وكيف؟

يبدو لي أن السؤال المطروح اليوم ليس هل نقيم نظاما ديمقراطيا أم لا؟ إنما هل يوجد في العالم نظام ديمقراطي كما كان يتصور آباء الديمقراطية (جون لوك، جيمس هارينتون، جون جاك روسو… الخ)، لكي نقيمه؟ وهل يُمكن اعتبار ما نسميه ديمقراطيات عريقة اليوم حقولا إرشادية (أنموذجية) لنا وقد أصبحنا نعرف ما تعانيه من هيمنة القوى الخفية؟ وما الذي علينا طرحه كفكر سياسي لنظام غير استبدادي نَتطلع إليه؟ ومن يقوم بذلك؟ هل تراثنا السياسي كاف لتحديد ملامح نظام جديد؟ أم أننا نسير باتجاه حلٍّ نعرف مسبقا أنه بدأ يتلاشى ويدخل مرحلة الغسق عند أصحابه؟

لعلها اسئلة جوهرية ينبغي أن نطرحها اليوم، وبعضنا يعتبر أنه بالإمكان بناء نظام ديمقراطي على النموذج الغربي، بل مِنّا مَن يعتبر ذلك حلما بعيد المنال.. أليس من واجبنا أن نقارب هذا الموضوع بواقعية أكبر حتى نستبق الأمور ولا نُصاب بخيبة أمل ديمقراطية أخرى؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • ALMANZOR

    ليس هناك ديمقراطية واحدة بل ديمقراطيات مختلفة عن بعضها تمام الاختلاف، فأنت يا سيدي لم تذكر ديمقراطيات مثل سويسرا و الدول الاسكندنافية التي لم "تتقهقر" فيها الديمقراطية أبدا والتي يمارس فيها الشعب حقه الديمقراطي بطريقة مباشرة. كل من يريد انتقاد الديمقراطية يوجه نظره مباشرة لأمريكا و كأنه لا توجد ديمقراطية سواها، ليصوروا لنا الديمقراطية و كأنها شر دائما مستبشرين بما وقع بين ترامب و بايدن. كفاكم هذه النظرة الأحادية وكونوا عادلين في حكمكم..

  • علي عبد الله الجزائري

    لو نتحدث عن حكم الشورى وتحقيق العدالة بين الحاكم والمحكوم ممكن
    اما دمقراطية فقد جيء بهذا المصطلح القديم ليوظف لخداع الشعوب انها تختار حاكمها
    بطبيعة الحال لوبيات المال والاعلام " الاوليغارشية السياسية " مثلا في الولايات المتحدة الامريكية
    تختار " حمار و فيل " من الحزبين وتقدمهم للراي العام ليختار احدهم
    لكن بالاخير احد هؤلاء الذين اختارهم الشعب هو حقيقة مفروضة ممن اختاروه وعرضوه على الشعب
    يعني من الاوليغارشية

  • طبوري

    أحيانا تحدثوننا عن الديموقراطية بمفهومها العالمي أي حكم الشعب ومشاركتهم في تسيير شؤون البلاد باختيار حكامهم وممثليهم الذين يشرعون قوانين تكون ملزمة للأمة ولو كانت مخالفة للدين ... وأحيانا تطالبون بتطبيق الشريعة المعروف عنها أنها نقيض الديمقراطية بكل ما تحمله الكلمة من معنى باعتبارها كلام الخالق وليس كلام الحكام و ممثلي الشعب ... الخ فمتى تتوقفون عن تغيير الوانكم حسب الحاجة بل ومتى تتوقفون عن النفاق وتسمون الأشياء بمسمياتها : أ ي بناء ديموقراطية أو دولة ثيوقراطية .

  • طابوري

    أحيانا تحدثوننا عن الديموقراطية بمفهومها العالمي أي حكم الشعب ومشاركتهم في تسيير شؤون البلاد باختيار حكامهم وممثليهم الذين يشرعون قوانين تكون ملزمة للأمة ولو كانت مخالفة للدين ... وأحيانا تطالبون بتطبيق الشريعة المعروف عنها أنها نقيض الديمقراطية بكل ما تحمله الكلمة من معنى باعتبارها كلام الخالق وليس كلام الحكام و ممثلي الشعب ... الخ فمتى تتوقفون عن تغيير الوانكم حسب الحاجة بل ومتى تتوقفون عن النفاق وتسمون الأشياء بمسمياتها : أ ي بناء ديموقراطية أو دولة ثيوقراطية .

  • عبد الله

    للمعلق رقم 1, الأستاذ لم يقل أبدا انه يريد نظام استبدادي, المشكل هو رؤية العالم بثنائية الديموقراطية او الاستبداد و هذا تصور خاطئ. النظام السياسي الذي قامت عليه الاسلام هو افضل نظام يحقق العدل.

  • جبريل اللمعي

    الديمقراطية، كالكثير من الأشياء ذات القيمة الحقيقية (العلم، الثقافة، اللغة، الذائقة الشِّعريّة، الفضيلة) داست عليها الغوغائية التي سهَّلتْها وسائط التواصل الاجتماعي. أصبح المواطن ينتخِبُ اليوم ويتظاهر بعد أسبوع إن لم يرَ تحقُّق ما يشتهيه. أنانيةٌ وجهلٌ وتسرُّعٌ مخلوطان بنظرية المؤامرة. يتظاهر ألفُ شخصٍ ضد إرادة مليون شخص. ديمقراطيةُ الحناجِرِ الزَّاعقة.

  • ابن الجزائر

    و الله كلما اقرا لك مقالا اصاب بالاحباط.اذا كان راي استاذ جامعي محسوب على النخبة التي ابتلينا بها هو تفضيل الاستبداد على االديمقراطية فعلى بلادي السلام. اتقوا الله فينا.