الأحد 12 جويلية. 2020 م, الموافق لـ 21 ذو القعدة 1441 هـ آخر تحديث 23:10
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

بقلمسلطان بركاني

هموم أربعة بعد رمضان!

  • ---
  • 0
ح.م

ضيفُنا العزيز قد رحل، ونحن لا ينبغي أن نقول له:رمضان وداعا، إنّما ينبغي أن يكون الهمّ في هذه الأيام التي تعقبه هو همّ قبول الأعمال والقربات، وهمّ مغفرة الذّنوب والخطيئات، وهمّ العتق من النّار دار النّدامات، وهمّ الثّبات على الطّاعات حتّى الممات.. همومأربعةيٌفترض ألا تفارق بال كلّ صائم يرجو الله والدّار الآخرة، في هذه الأيام التي يستحبّ فيها لكلّ صائم أن يكثر من الاستغفار والإلحاح على الله في الدّعاء بأن يجعله من المقبولين.

قَبول الطّاعة، هَمٌّ ينبغي ألا يفارق العبدَ المؤمن في هذه الحياة، لأنّ المتعبّد إذا ردّ الله عليه أعماله، خاب وخسر، وكان ممّن قال الله فيهم: ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا))، وإذا تقبّل منه طاعته، أفلح ونجح في الدّنيا، ونجا –بإذن الله- وفاز في الآخرة، وربّما يحشر في زمرة المتّقين، يقول الله تعالى: ((إنَّمَا يَتَقبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِين)).. ومع أنّ القبول من عدمه، هو من علم الغيب الذي اختصّ الله به، إلاّ أنّ الله بكرمه جعل له علامات يجدها المؤمن في قلبه ونفسه وحاله وسعيه، أهمّها:

أن يَثبُت العبد على طاعة الله، وتصبح الطّاعة التي حرص عليها في رمضان جزءًا من حياته وجزءًا من يومياته، مثل الأكل والشّرب والنّوم، بل أهمّ، بل إنّ من علامات قبول الطّاعة أن يتزوّد منها العبد ويزيد إليها طاعات أخرى، قال الحسَن البصرى رحمه الله: “من جزاءِ الحسَنةالحسَنة بَعْدَها، ومِن عقوبة السيئةِ السيئة بعدها”.

ومن علامات قبول الأعمال الصّالحة في رمضان وفي غير رمضان، أيضا، أن تصبح الآخرة هي الهمّ الأهمّ والأكبر للعبد المؤمن.. يهتمّ بدنياه، ويأخذ حظّه منها، ويستمتع بحلالها من غير إسراف ولا مخيلة، لكنّ قلبه معلّق بالآخرة وبما عند الله، لا يؤثر عليه شيئا من الدّنيا.. يتذكّرموقفِه بين يدي اللهِ تعالى، وسؤاله عمّا قدّم وعمّا أخّر؛ فيحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويعدّ لكلّ سؤال إجابة ما دام في مهلة من عمره؛ فلا يقول قولا إلاّ حاسب نفسه: لماذا قلتُه؟ ولا يعمل عملا، إلاّ حاسب نفسه: لماذا عملته؟

ومن علامات قبول الأعمال الصّالحة، أيضا،أن يتغيّر قلب العبد المؤمن ويلين ويطيب، ويمتلئ بحبّ الله وحبّ طاعته وتقديم مرضاته وإيثار أوامره، ويتخلَّص من أمراضه، ويترك الضّغينة والحسَد والبغضاء والكراهية.. وإذا تغيّر القلب تغيّرت معه كلّ الجوارح، وتحرّكت في طاعة الله، وأحجمت عن معصيته.

هَمُّ مغفرة الذّنوب، همّ آخر مكمّل لهمّ قبول الطّاعة، يجعل العبد المؤمن يتفقّد قلبه إن كان لا يزال مثقلا بآثار الذّنوب مكبّلا بأغلالها، أم إنّه قد أطلق من سجنها فصار خفيفا راغبا في طاعة الله راغبا عن معصيته، ويتفقّد جوارحه، إن كانت سريعة إلى طاعة الله، أم إنّها لا تزال تجد مشقّة الطّاعة وتكابدها، وتهفو إلى المعصية وتتحيّن أجواءها!.. مغفرة الذّنوب منحة ربانية يهبها الله من شاء من عباده، ويختصّ بها من حرص ودعا وتعرّض لنفحاته، ((إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)).

همّالعتق من النّار، همّ آخر ينبغي لكلّ عبد مؤمن أن يحمله في أيام وليالي رمضان، وبعد رمضان، فيتساءل إن كان الله قد أعتق رقبته وفكّ وثاقه، أم إنّه لا يزال مرتهنا لجهنّم، ينتظر فرصا أخرى قد لا تتاح له، وقد تتاح له ولا يجد بين جوانحه ومن جوارحه ما يعينه على اقتناصها.. العبد المؤمن يأمل من ربّه الحنّان المنّان أن يكون قد منّ عليه من فضله وأعتق رقبته في رمضان، لكنّه في المقابل يخشى أن يكون قد أُخّر وأُجّل، لذلك يحمل الهمّ بعد رمضان، ويسأل الله أن يكون في عداد عباده الذين امتنّ عليهم بعتق رقابهم.

الثّبات على الطّاعات، همّ من أهمّ الهموم التي ينبغي لكلّ مؤمن أن يحمله ليس بعد رمضان فحسب، إنّما في حياته كلّها، خاصّة ونحن نعيش زمن الفتن التي تتدفّق من كلّ حدب وصوب، ونكابد أياما الصّابر فيها على دينه كالقابض على الجمر، فيحتاج العبد المؤمن، والحال هذه، لأنّ يحمل هذا الهمّ، ويسأل الله –جلّ وعلا- أن يحبّب إليه الإيمان والطّاعات ويزيّنها في قلبه ويكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ويجعله من الرّاشدين، وإذا ما حظي بإجابة هذا الدّعاء عاش سعادة الدّنيا وظفر بسعادة الآخرة بإذن الله.

أخيرا، وصيتي لنفسي، ولك أخي المؤمن، بأن نحرص على تمحيص قلوبنا وأحوالنا في هذه الأيام والأشهر التي تعقب رمضان، ونبحث عن علامات مغفرة الذّنوب وقبول الأعمال الصّالحة، في قلوبنا وأعمالنا وأحوالنا، ونكثر من الدّعاء والإلحاح على الله بأن يجعلنا عنده من المقبولين، وبأن يكون رمضان قد شهد لنا حين رحل بأنّنا أحسنّا ضيافته، وكنّا فيه أفضل حالا ممّا كنّا عليه قبله، وبأن يوفّقنا ربّنا الكريم –سبحانه- لأن نعيش رمضانًا آخر في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجّة، وفي غيرها من الشّهور، وبأن يعيننا على مغالبة أنفسنا وشياطيننا ونعقد العزم على طاعة الله 11 شهرا من الزّمان؛ نختم القرآن كلّ شهر، ونحافظ على الصّلوات الخمس في أوقاتها، لا نؤخّر صلاة منها عن وقتها. نصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، ونصوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ونقوم من الليل ولو بركعتين، ونحرص على ذكر الله آناء الليل وأطراف النّهار.

مقالات ذات صلة

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close