-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هيبة الدولة من هيبة القانون

محمد بوخطة
  • 984
  • 0
هيبة الدولة من هيبة القانون
أرشيف

جاء في مخرجات مجلس الوزراء تأكيد السيد رئيس الجمهورية على ضرورة العمل على استرجاع “هيبة الدولة”، وهي فكرة مهمة وضرورية من أجل بناء دولة القانون، غير أنها حمّالة لمعانٍ متعددة، ما يستوجب حصرها بالبيان، نظرا إلى التداخل الحاصل في ثقافة المجتمع، بل وفي ثقافة بعض المسؤولين من تداخل بين: مفهوم الدولة ومفهوم السلطة، وبين القانون والمراكز القانونية التي تنشأ بالقانون…

هيبة الدولة في المجتمع الدولي (الخارج ): تعني امتلاكها القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تكسبها الاحترام وتحقق لها معنى الردع الذي يفرض اعتبارها في المجتمع الدولي، ومن ضمن القوة السياسية امتلاك النظام السياسي لقاعدة شعبية حقيقية واحتضانه من قبل شعبه، ذلك يغنيه عن ضغوط خارجية متعددة سيضطر إلى التجاوب معها إذا كان وضعه الداخلي هشا، وقد رأينا كيف كان فقدان المشروعية للحقبة البوتفليقية في نهاياتها لجهات متعددة سببا لكثير من التنازلات من أجل ضمان الاستمرار في السلطة.

هيبة الدولة في المجتمع المحلي (الداخل): وتعني المساواة أمام القانون والتطبيق المنضبط والعادل له بقطع النظر عمن يكون المعني به مواطنا بسيطا أو مسئولا ساميا أو وزيرا أو حتى رئيس الجمهورية، عندما يقتنع أفراد الشعب بأنهم سواسية أمام القانون دون وقوف عند صفاتهم أو مراكزهم القانونية، سيولّد ذلك لديهم شعورا بضرورة احترام القانون والخضوع له خضوعا مجرَّدا غير مرتبط بمن يمثل القانون إلا من حيث كونه ملتزما بالقانون.

 هيبة القانون لا هيبة المركز القانوني: سأتجاوز المعنى الأكاديمي لأُبسط الفهم بالمثال:

عندما تمر بملتقى طرق يقف عنده شرطيٌّ فتحترم الأولية وتلتزم قانون المرور، ولا تمارس ذات الالتزام إذا غاب الشرطي، فأنت هنا لم تتحقق بهيبة القانون المجردة ولكنك احترمت الهيبة أو المركز الذي صنعه القانون للشرطي، بمعنى أن الوازع في التزامك هذا كان هيبتك لمركز الشرطي في المجتمع الذي منحه له القانون وليس هيكل القانون.

 عندما يخرق الشرطي قانون المرور مستغلاً صفته وهو ممثل للدولة فهو هنا أخل بهيبة الدولة التي تعني هيبة القانون..

عندما يستغل القاضي أو الضابط العسكري أو الوزير أو الرئيس بطاقته الوظيفية ويستظهرها ليفلت من تطبيق القانون أو ليحصِّل امتيازا ما ولا يلقى الردع بالقانون، فهو هنا أخلّ بهيبة القانون وأهان الدولة باستغلال المركز القانوني الذي صنعه له القانون.

عندما يعاقب القضاء من أهان ممثلاً للدولة أو رمزاً من رموزها ـ كرئيس الجمهورية مثلاًـ ولا يعاقب نفس القضاء من يدعو إلى الانفصال وتفكيك وحدة الأمة، فهو هنا يفرض هيبة السلطة والمراكز القانونية ولا يفرض هيبة الدولة التي تعني هيبة القانون.

إذا كانت الدولة هي الشعب والأرض والنظام السياسي، فإن الشعب هو المقوم الحيوي في وجود هذه الدولة لا يكون للنظام السياسي ولا للأرض قيمة إلا من حيث كون الأرض ملكاً للشعب وكون النظام السياسي ممثلاً للشعب..

 وحينما يتراجع مدلول السلطة لصالح مدلول الدولة وتتحقق هيبة الدولة التي تعني هيبة القانون المجردة، فإن سلطة الدولة تصير سلطة شعبية بمعنى الكلمة تمارس حياتها مثل الشعب وبين الشعب فيركب الوزير الدراجة الهوائية ويتنقل الوزير الأول بالميترو وسط الشعب آمنا على نفسه محبوباً محترماً لا يشعر بالإهانة ولا حتى بالتواضع ولكن احترام الجميع للقانون يحفظ لكل مكانه واحترامه.. تلك إذن هيبة الدولة.

 من أبسط مظاهر الالتباس بين المفهومين عندما تجد الموظف في أي مؤسسة ترتعد فرائصه إذا حضر من هو أعلى منه رتبة، وفي ذات الوقت لا يكترث لخدمة المواطن حين يقف أمامه ولا يهتم له فتجده ملتفتاً عنه أو منشغلا بهاتفه الخاص أو متحدثاً مع زملائه والويل لمن احتج أو استنكر، مثل هذا الموظف الذي يشعر بأنه فوق المواطن بحكم المركز الذي منحه له القانون بأنه “موظف دولة” فهو هنا يمارس بمنطق “موظف سلطة” لا “موظف دولة”، تلك عقيدة مختلفة تماماً.

أن يركب الناسَ الرعبُ حين يقتربون من موز الدولة ومؤسساتها، فتلك هيبة السلطة ومظهر الدكتاتورية.

حين يشعر الناس بالأمان والاطمئنان إذا اقتربوا من رموز الدولة ومؤسساتها فيحتضنونها ويحافظون عليها، تلك هيبة الدولة ومظهر للديمقراطية والتحضُّر.

 كم نحن في حاجة إلى تكريس ثقافة الدولة لا السلطة والتزام القانون لذاته فقط دون ارتباط بآلية الردع والخوف.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!