-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

.. وبدأت “معركة المولد” المقدّسة!

سلطان بركاني
  • 1647
  • 0
.. وبدأت “معركة المولد” المقدّسة!

وأنا أتصفّح آخر المنشورات على صفحة من صفحات إخواننا السلفيين متخصّصة في نشر فتاوى وإصدارات وكلمات أحد الدّعاة الجزائريين، وجدت المشرف يبشّر الأتباع والمتابعين بأنّ أحد “الإخوة” تبرّع بـ100 نسخة من رسالة هذا الدّاعية المبرّز في حكم الاحتفال بالمولد النبويّ الشّريف، مثمّنا سعي هذا “الأخ”، داعيا له بأن يجزيه الله ويجزي مؤلّف الرسالة وناشرها خير الجزاء.

من يقرأ المنشور المشار إليه يخيّل إليه أنّ الرّسالة المحتفى بها كفيلة بإنقاذ المسلمين الجزائريين من مقارفة عمل محرّم من المهلكات أو إنّها ستشحذ هممهم لخوض معركة من المعارك المصيرية المفروضة عليهم وعلى إخوانهم المسلمين في هذا الزّمان. لكنّها في الحقيقة -شأنها شأن كثير من الرّسائل والكتيّبات- تؤجّج معركة أخرى -ربّما تكون مقدّسة عند مؤجّجيها- ضدّ المحتفلين بالمولد والمحتفين به، على اختلاف طرق احتفالهم واحتفائهم..

لو أنّ صاحب الرّسالة اكتفى بإعلان النّكير على بعض مظاهر الاحتفال الغريبة عن الدّين التي ترافق إحياء المولد، خاصّة عند أتباع بعض الطّرق، لكان سعيه مشكورا، لكنّه أجلب على كلّ صور الاحتفال، ولو كانت دروسا تلقى ومسابقات تنظّم وقصائد تسمع! ولو كانت توسعة في عشاء ليلة المولد!

ولو كانت حلوى ومكسّرات يقتنيها رب الأسرة أو شموعا يلعب بها الأطفال في الشوارع! فتخصيص ليلة المولد أو يومه بأيّ مظهر من مظاهر الفرح أو بأيّ عمل صالح، هو في ميزان ها الدّاعية بدعة محرّمة! مع أنّ الإنصاف يقتضي أن ينظر في الدّافع إلى الاحتفال والحامل عليه وإلى وسيلته، وقبله إلى واقع النّاس وغربة الدّين في زمانهم، فهذا ابن تيمية مثلا مع أنّه عاش في زمن لم يزل فيه شرع الله هو الحاكم والنّاس في عمومهم متمسّكون بدينهم، إلا أنّه نظر إلى الاحتفاء بالمولد نظرة إنصاف في حقّ كثير من المحتفلين، فقال -رحمه الله- كما في “اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم”: “فتعظيم المولد واتخاذه موسما، قد يفعله بعض النّاس، ويكون له فيه أجر عظيم؛ لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما قدمته لك أنّه قد يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدّد”.

وهذه العبارة في آخر كلام ابن تيمية قاعدة مهمّة من قواعد الإنصاف، قلّما يتنبّه إليها إخواننا السلفيون الذين يحاكمون الواقع إلى الواجب والمطلوب دون مراعاة للمتاح!

إخواننا هؤلاء يرون كيف يطلب الملوك والأمراء والحكام التعظيم من النّاس ويبذلون في ذلك من أموال الأمّة شيئا ليس بالقليل، وكيف يتدافع المعتاشون على فتات الموائد على إقامة الحفلات والمهرجانات ونظم الأشعار والأبيات في تمجيد القادة المظفّرين! ويرون كيف تُحيا المناسبات الوطنية في كلّ بلاد الإسلام، ويرون -في مقابل كلّ هذا- شباب الأمّة كيف تحوّلت بوصلةُ القدوة عندهم نحو اللاعبين وأبطال السينما والفنانين، ونسوا حبيبهم المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- وزهدوا في سنته وسيرته، بل كيف أصبح بعض الشّباب يُرخون أسماعهم لمن يشكّكهم في نبوة الحبيب -صلّى الله عليه وآله وسلّم- بل ولمن يشكّكهم في وجوده التاريخيّ.. يرون هذا وغيره، ومع ذلك يصرّون على مواجهة الواقع ومصادمته في كلّ جزئياته صغيرها وكبيرها بنفس الحدّة والضّراوة.

لو كانت الأمّة متحمّسة لدينها معتزة بشرائعه وشعائره، وكانت مهيبة الجانب مبسوطة الجناح، وكانت شريعة الله قائمة ودينه معزّر، لربّما كان التحمّس لبعض المسائل الجزئية مفهوما ومقبولا، لكن والحال أنّ الأمّة تفتن بما لا قبل لها به، فيفترض في الدّعاة أن يرتّبوا معاركهم حسب الأولوية ويراجعوا أساليبهم في كلّ معركة يخوضونها.

لو كان أكثر المسلمين يحتفون بسنّة النبيّ وسيرته في كلّ أيام السّنة، وكانت القلّة هي من تحيي الاحتفال بالمولد في يوم محدّد، لكان لخوض معركة المولد وجه ومبرّر، لكنّ الواقع أنّ الدعاة إلى الله أصبحوا يتحينون كلّ بادرة يرون فيها إقبال القلوب والأسماع على الدّين ليذكّروا إخوانهم المسلمين بواجبهم تجاه نبّيّهم وبحقّه عليهم ويذكّروهم بما بذله وكابده ليبلّغ رسالة ربّه؛ فهل يضير الدّعاة أن يستغلّوا إقبال كثير من المسلمين على الاحتفاء بمولد الحبيب ليعلّموهم كيف يكتمل الحبّ الحقيقيّ وكيف يُترجم في الواقع ويثمر خيرا كثيرا؟

بسبب ثقل الدّنيا على القلوب، أصبح كثير من النّاس يعجبهم أن يرتبط الدّين ببعض المآرب الدنيوية العاجلة ولو كانت طعاما أو ترويحا، فما الذي يضير الدّعاة لو شاركوا النّاس فيما هو مباح ممّا ذكر؟ وماذا يضرّ دينَ الله أن يحيي المسلمون ليلة المولد بالدّروس والمحاضرات والمسابقات والأهازيج الهادفة؟ لو كان الدّعاة والأئمّة يقرّون بعض المسلمين على اعتقادهم أنّ حقّ الحبيب المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- يتوقّف عند حدّ إحياء ليلة مولده بعشاء دسم أو بحضور درس في الجامع أو بالمشاركة في مسابقة تنظّم في أيام المولد، لكان من العدل لوم هؤلاء الدّعاة والأئمّة، لكنّ واقع الأمر أنّ جلّ من يشاركون في احتفالات المولد من العلماء والدّعاة والأئمّة يثمّنون اهتمام المسلمين بإحياء مولد نبيّهم، ويذكّرونهم مع ذلك بالطّريقة المثلى للاحتفال.

حينما هاجر النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- إلى المدينة ووجد اليهود يصومون عاشوراء فرحا بنجاة نبيّ الله موسى -عليه السّلام- ومن معه، لم يسارع إلى إثبات براءة موسى من اليهود ومن فعلهم، بل اختار أن يتألّفهم ويشاركهم الاحتفال بما هو مشروع في دين الإسلام، فهل يضير الدّاعية إلى الله أن يتألّف المسلمين الموحّدين ويشاركهم احتفالهم بالمولد ويدعوهم مع ذلك إلى توسيع دائرة الاحتفاء والاحتفال بالنبيّ وسنّته في كلّ أيام السّنة؟

كنّا وسنظلّ نتمنّى ونرجو لإخواننا السلفيين أن يحسنوا التعامل مع الواقع ويجعلوا في حسبانهم أنّ الكلمات التي دبجها العلماء الأعلام في قرون مضت في الانتصار للسنّة والتّحذير من البدعة، كانت في وقت الدّين فيه قائم والسنّة هي الظّاهرة في غالب الأحوال؛ تلك الكلمات تحفظ ويستأنس بها لكنّها لا تستخدم سلاحا لمواجهة واقع مختلف فتحت فيه الأبواب على مصاريعها للإلحاد وعبادة الشيطان ولمذاهب ودعوات مستجدّة لا قبل للأمّة بها ولم يسمع عنها علماء الأمّة المتقدّمون.. شباب الأمّة في أمسّ الحاجة لأن يجنّدوا لمواجهة الأخطار الكبرى وخوض المعارك الحاسمة التي تتهدّد الأمّة، والمسلمون في حاجة لأن تسخّر أموالهم في نصرة قضايا الأمّة الكبيرة وليس في طباعة ونشر كتيبات تحرّم كلّ أشكال الاحتفاء بالمولد وتعلن النّفير ضدّ عصا المنبر ودرس الجمعة وتكبيرات العيدين جماعة.

العجيب في أمر إخواننا هؤلاء أنّ الواحد منهم إذا دعي -مثلا- إلى الإنفاق لبناء بيوت الله وتوسعتها وإعلائها وصيانتها، ربّما تعلّل بأنّ من يعتلون منابر تلك المساجد هم من المبتدعة أو سيكونون من أهل البدع من الأشاعرة والإخوان! وربّما تعلّل بأنّ الجمعيات الدينية ستنفق تلك الأموال في زخرفة المساجد! لكنّ الأمر عندما يتعلّق بمعارك هامشية كمعركة المولد النبويّ والردود على الردود، فإنّهم ينفقون بسخاء، وحجتهم في ذلك نصرة السنة وقمع البدعة!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!