-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مفكرون ومثقفون وشخصيات ينعون المجاهد عثمان سعدي

وداعًا يا حارس العربية.. وعلى عهدك باقُون

منير ركاب
  • 4742
  • 0
وداعًا يا حارس العربية.. وعلى عهدك باقُون
الشروق
الراحل عثمان سعدي

شيعت، الأربعاء، جنازة المجاهد والدبلوماسي والأكاديمي عثمان سعدي بمقبرة العالية وسط حضور مكثف للشخصيات السياسية والعلمية والإعلامية، وقد انتقل المجاهد عثمان سعدي إلى رحمة الله عن عمر ناهز الـ92 عاما، وسارع عدد كبير من الشخصيات العلمية والوطنية لنعي الفقيد، يتقدمهم وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، الذي تقدم بخالص التعازي والمواساة إلى أسرة المجاهد المرحوم.
وتنقلت الشروق صباح الأربعاء إلى بيت الراحل بحي البناء بدالي إبراهيم، وكانت الساعة تشير إلى 11 صباحا، أين تم استقبالنا من طرف نجله الوحيد محمد وابن أخته جمال، وسط أجواء مهيبة خيّم عليها الحزن، ووجوه شاحبة حزينة ترفض دموعها الانصياع وما أدراك ما دموع الرجال، فما بالك عندما تمطر السماء وتبكي فقيد الجزائر، وتشارك أهله وأقاربه ومحبيه وزملاءه وتلاميذه حزنهم.. هكذا كان أمس حال أسرة رئيس الجمعية الجزائرية لحماية اللغة العربية، علامات الحزن كانت تظهر وتفضح محيا جميع من كان بمنزله، وسط تكبيرات، وصوت القرآن يصدح ببته، في أجواء إيمانية بقضاء الله وقدره، ينتظرون خروج جسده الطاهر من بيته نحو مسجد حمزة الذي لا يبعد عن مقر سكناه إلا بأمتار، ليترجل من هرولوا إلى أسرته لأداء العزاء فور سماع خبر وفاته.
وقد صعب علينا في الوهلة الأولى الحصول على كلمات في حق الرجل الذي ضحى بتقاعده من أجل الوحدة الوطنية واللغة العربية، لكن رمزية المرحوم لم تثن المحزونين على الفقيد بإعطاء كلمات صغيرة في حجمها وكبيرة في معناها، فكان الدكتور عبد الله عثامنية نائبه في النضال في الجمعية منذ 33 سنة، الذي قال إن معرفته بالرجل كانت في ميدان العمل كون الفقيد كان إطارا بوزارة الخارجية، منافحا ومكافحا عن اللغة العربية وله عدة كتب أهمها كتابه الأخير تاريخ الجزائر الذي ألفه بعد تقاعده عن العمل، ليتفرغ بعد ذلك -يقول رفيقه عثامنية- إلى جمعيته للدفاع عن اللغة، التي فتح بيته وقتها لتكون مقرا لها بعد” الاستولاء “على مقرها الصغير بقصر الشعب. وأضاف المتحدث الذي بان عليه الحزن الكبير من خلال نبرات صوته، إن المرحوم عثمان سعدي كان لا يهادن إذا تعلق الأمر باللغة العربية وفي أكبر المستويات، حيث كان يتحدث بشجاعة كبيرة أمام المسؤولين بالجزائر وخارجها، كما كان سببا في تعريب المدرسة الوطنية للإدارة التي تم فرنستها بعد ذلك بمبرر-يقول عثامنية- استقباله لطلاب إفريقيا الفرنسية، أي الدول التي استعمرتها فرنسا.
وأضاف “الراحل أدى دوره كما يجب، بتركه ثروة كبيرة يجب الحفاظ عليها للأجيال، شاكرا في الوقت نفسه مجهودات وزارة المجاهدين التي تكفلت بمراسيم الدفن ونقل جثمان الفقيد إلى مأواه الأخير بمقبرة العالية في العاصمة.
من جهته، ذكر نجله محمد، في كلمته له أن والده قد قال كلمته الأخيرة قبل وفاته بأيام وهي، “الجزائر تحمل في أحشائها الآلاف من عثمان سعدي المدافعين عن لغة القرآن”، فبالرغم من كبر سنه – يقول المتحدث- كان ناشطا ونشيطا لا يعرف الكسل وكأنه في عمر الشباب، كان يطلع على الأحداث والأخبار يوميا، علاوة على كلمته الشهيرة لأولاده وهي “القلب في العشرين” لم نفهمها وقتها لكن بمرور الوقت ولما اشتد عليه المرض قبل شهرين، ومرافقته عرفنا ما كان يقصد، حيث كان يستهدف الشباب بالدرجة الأولى كونها الفئة التي تحتاج إليها الجزائر للنهوض باقتصادها ومكانتها بين الأمم.
وكان الدكتور جمال لعبيدي، قد أدلى بكلمته والدموع تنهمر على وجنتيه، فقال بأنين وحزن “فقدناه.. ترك فراغا كبيرا،.. فقدنا حماسه في النضال، ووطنيته وثقافته الواسعة، كان واعيا وكان له تصور شامل في مسألة اللغة التي جعلها الرقم واحد في خرجاته الإعلامية، مضيفا في الوقت نفسه، بأن الفقيد مهد للطريق التي ربطت بين الهوية والتنمية والتقدم، كان ضد التغريب والتغربيين والهيمنة على الضمير والهوية العربية المسلمة”.
وقال بلعبيدي، إن المرحوم عثمان، قد يفهم جيدا ما كان يعمل عليه، كونه كان ثوريا فكانت وفاته في شهر الثورة. فقدناه وترك فراغا كبيرا، هذه الكلمة التي ختم بها الدكتور كلامه في حق المرحوم عثمان سعدي.
وليس بعيدا عن الأجواء الحزينة، التقينا بابن أخت الراحل، الدكتور جمال سعدي، الذي أكد بدوره أن خاله الفقيد عثمان سعدي كان مجاهدا ومتحكما في الشق السياسي والثوري بحكم أن له مداخلات ومساهمات إبان ثورة التحرير في مجال إدخال السلاح وتعزيز المدد للثورة، استمر في الديبلوماسية فكان سفيرا في دولتي العراق وسوريا لأكثر من 14 سنة دون أن يبتعد عن شقه الثقافي والاجتماعي مع الأمة العربية والإسلامية، لأن هدفه الوحيد اختزله في الحفاظ عن الوحدة الوطنية، له إرادة وعزيمة قوية، ألّف أزيد من 30 كتابا كلها تصب في محور السياسة والنضال الثوري واللغة العربية، مضيفا أن المرحوم حاول معالجة وتقريب وجهات النظر بما يضمن وحدة الشعب.
وأضاف، أن فقيد الجزائر كان قبل أن يشتد عليه المرض لصيقا بحاسوبه، للاطلاع على الأخبار الوطنية والعربية، فحاول أن لا يكون له فراغ، فكان يقول في عديد المرات”الطبيعة لا تقبل الفراغ”، له علاقات مع شخصيات وطنية وسياسية نافذة في الوطن العربي، كما كان مدافعا شرسا عن اللغة العربية.
أما الدكتور فاضلي إدريس، فقال في كلمته في حق المرحوم، إن هرما من أهرامات الجزائر، افتقدناه فكان مقداما ومدافعا عن الوطنية والثوابت الصحيحة، أدى واجبه الثوري وشارك في بناء الدولة الجزائرية ومنذ تقاعده وهو لم يمل عن الدفاع والذود عن اللغة العربية وتصحيحها من كل الشبهات والمخاصمات مع اللهجات الوطنية.
مضيفا بأن المرحوم قد ترك ثروة فكرية يجب الاعتناء بها تمثلت في مجلد للكلمات الشعبية الأمازيغية التي أصلها عربي وهو مرجع جدير بالمطالعة من طرف طلبة الجامعات.
كما نعى الفقيد الدكتور بلقاسم مجاهدي، حيث دون على صفحته الافتراضية الخاصة يقول: فارس اللغة العربية يترجل ويده على الزناد، فقدت الجزائر وكل العالم العربي والإسلامي، عثمان سعدي المجاهد والمفكر والكاتب الصحفي والمؤرخ والدبلوماسي، وفارس اللغة الغربية الذي لم يشق له غبار منذ نعومة أظافره إلى لحظة وفاته”.
ومن جهته، كتب الإعلامي السابق محمد بوعزارة على صفحته الخاصة راثيا الفقيد، وقال “رحيل فارس المواقف.. رحل الدكتور عثمان سعدي عن عالمنا وغادره نهائيا إلى دار البقاء، بفقدانه تفقد العربية، ويفقد النضال الأصيل، وتفقد المروءة والشهامة الجزائرية الصلبة واحدا من فرسانها الذين ما بدلوا المواقف بالمناصب تبديلا، ولا بدلوا الحرف بالمكاسب، شاوي أصيل متمسك بعروبة الوطن وتاريخه وتراثه الإسلامي العربي العريق”.

معن بشور:
أمازيغي حر تعلق قلبه بالعروبة

بعد رحيل قامات كبيرة من الرعيل القومي العربي كأمين عام اتحاد المعلمين العرب الأستاذ هشام مكحل (فلسطين)، ومؤسس جامعة صنعاء الدكتور عبد العزيز المقالح (اليمن)، ووكيل مؤسسي حزب الكرامة الأستاذ أمين اسكندر (مصر)، رحلت عنا قامة جزائرية عروبية عرفها النضال الوطني الجزائري، كما الدبلوماسية والثقافة هو الدكتور عثمان سعدي.
عثمان سعدي كان من الشخصيات العروبية التي جمعت بين تراث نضالي عريق في جبهة التحرير الوطني الجزائرية منذ انطلاقة الثورة عام 1954، حين كان عثمان أميناً عاماً لمكتب جبهة التحرير الوطني في القاهرة أبّان الثورة، وبين عمل دبلوماسي متميّز حين عُيّن سفيرا لبلاده في بغداد ودمشق، حيث لم يكتف بعمله الدبلوماسي التقليدي، بل سعى لعمل قومي من خلال السعي لبناء الجسور بين العاصمتين العربيتين العزيزتين في زمن الخلاف المدمّر الذي حرص كل عربي مخلص على إنهائه، كما سعى لعمل ثقافي مجيد تمثّل بجمع مئات القصائد التي كتبها شعراء من البلدين في ثورة الجزائر بينهم الجواهري والسياب والبياتي من العراق، وعمر أبو ريشة ونزار قباني وسليمان العيسى من سورية.
وحين استقر في الجزائر ركز في عمله الوطني والثقافي على الدفاع عن اللغة العربية التي حاول المستعمر الفرنسي تشويهها خلال الحقبة الاستعمارية الممّتدة لأكثر من 132 عام، وأسس مع ثلّة من أحرار الجزائر الجمعية العربية للدفاع عن اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، وسط شبه حظر رسمي، بل ودعا إلى تعميم هذه المبادرة في كل أقطار الأمّة انطلاقا من إدراكه العميق للعلاقة بين اللغة والهوية والثقافة.
ولقد كان تعلقه بالعروبة، وهو الأمازيغي الحر أصيل النمامشة بولاية تبسة، نابعا من إدراكه أن مخطط الاستعمار يرتكز على الهوية الثقافية الجامعة بين مكونات الجزائر الوطنية، وأن العروبة الحضارية الجامعة عابرة للطوائف والمذاهب والأعراق، بل أنها بنت حضارة عربية إسلامية شارك في صنعها عرب مسلمون وغير مسلمين، ومسلمين عرب وغير عرب متذّكرا دوما قول الشيخ بن باديس “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب”.
لذلك كرّس عثمان سعدي جزءا من جهوده الثقافية لاكتشاف العلاقة الوطيدة بين المفردات الأمازيغية واللغة العربية، متحدثا وبحدّة بعض الأحيان، عن الجذور العربية للأمازيغ في الجزائر والمغرب العربي في الجزائر.
وأذّكر جيدا كما كان فرحه كبيرا حين انعقد المؤتمر القومي العربي الأول في الجزائر عام 2000، بجهود طيّية من صديقه الراحل الكبير الأستاذ عبد الحميد مهري (رحمه الله) ثاني أمين عام للمؤتمر القومي العربي، فقد رأى في هذا الحشد النوعي العربي استمرارا لروح ثورة نوفمبر التحريرية ولجذورها العربية الإسلامية..
ولا أنسى أيضا جهودا بذلها مع أخوة جزائريين وعلى رأسهم الرئيس الراحل أحمد بن بله، والأستاذ عبد الحميد مهري (رحمهما الله)، وأمين عام جبهة التحرير الوطني الجزائري أنذاك الأستاذ عبد العزيز بلخادم (حفظه الله) لكي تستضيف الجزائر الملتقى العربي الدولي لنصرة الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الصهيوني والأمريكي عام 2010، والذي ترأس لجنته التأسيسية المناضل الكبير الراحل عبد العزيز السيد (رحمه الله)، فقد كان ذلك الملتقى تعبيرا عن مكانة فلسطين وثوارها وأسراها في الجزائر التي رأى قادة ثورتها أن استقلالها لا يكتمل إلا باستقلال فلسطين..
ونحن نودع اليوم عثمان سعدي ابن الثانية والتسعين من العمر، والذي لم تغادره روح الشباب يوما واحدا، اذكر كلمة كنت أرددها أمامه كلّما كنا نلتقي: “البراءة لا تشيخ”.. لأقول له اليوم: “سي عثمان العروبة لا تموت وكذلك العربية”…

عبد القادر بن قرينة رئيس حركة البناء:
الراحل حمل الجزائر على كف التضحية والفداء والجهاد


تلقينا بألم كبير رحيل أستاذنا الكبير والمجاهد الفذ الدكتور عثمان سعدي عليه رحمة الله. الرجل الذي حمل الجزائر على كف التضحية والفداء والجهاد.
فجاهد في كل ميادين التحرير والتعمير وخاض معركة الدفاع عن الحرية والهوية واللغة والانتماء في وجه الاستعمار أولا وفي وجه أذياله ثانيا.
عثمان سعدي المجاهد
عثمان سعدي المناضل الوطني
عثمان سعدي حصن العربية
عثمان سعدي السفير الوفي
عثمان سعدي المثقف الحر
عثمان سعدي المترجم
عثمان سعدي المؤرخ المدقق
عثمان سعدي الكاتب المؤلف
عثمان سعدي الحريص على الوطن
عثمان سعدي المربي
عثمان سعدي الجامع الوحدوي
فقيد الجزائر وفقيد الوطنية وفقيد الأمة وفقيد النخبة رحمه الله.
لقد كانت تربطنا به روابط عديدة هي روابط الاسلام ولغة القرآن والدفاع عن الجزائر وانتمائها ومقوماتها المستمرة.
لقد حمل الجزائر إلى النخب العربية حين الثورة ودافع عن العربية وسط النخب الجزائرية التي استهدفها الاستعمار بعد الثورة مثلما ربط بالعلم أواصر الأمازيغية بجذورها وقيمها الوطنية الطاهرة.
لقد عاش للجزائر وهويتها ورحل نقيا وفيا لشعبها وتاريخها يده نظيفة وعقله نظيف.

عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم:
عثمان سعدي.. الأمازيغي المعتز بانتسابه للعروبة

مقري

إنه المجاهد والمناضل الفذ الأمازيغي اللموشي الشاوي التبسي الحر الذي لم يغير ولم يبدل حتى توفاه الله وهو في سن 92 عاما رحمه الله رحمة واسعة، إنه أحد أساتذتنا الكبار الذين ساهموا في وعينا الوطني وفهمنا لطبيعة الصراع الحضاري القائم في بلدنا.
لقد كان ثمرة من ثمار النهضة الجزائرية الباديسية، حيث تخرج من معهد الشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة سنة 1956، وكان ثوريا بتلك الروح التلقائية التي صاحبته طيلة حياته فالتحق بالثورة التحريرية منذ البداية وكان من طلائع جبهة التحرير الوطني منذ تأسيسها وأمينها الدائم في القاهرة أثناء الكفاح المسلح.
لقد أهله مستواه العلمي لأن يكون دفاعه عن الثوابت الوطنية على أساس أكاديمي، مما زاد في مصداقية آرائه وجعل كتبه مراجع مهمة يعتمد عليها الباحثون، ويستند عليها المناضلون أمثاله من أجل أصالة هذا الوطن ومكانة اللغة العربية فيه.
بعد ما خرج عثمان سعدي من مواقع المسؤولية الرسمية واصل نضاله في المجتمع، من خلال الكتاب والمقالة والمحاضرة وحضور المؤتمرات والندوات التي تنظمها الأحزاب والمنظمات المؤمنة بما يؤمن به بشأن الثوابت الوطنية، وكان من أفضل ضيوفنا في فعالياتنا الثقافية والسياسية في حركة مجتمع السلم، وكانت جمعية الدفاع عن اللغة العربية التي أسسها وترأسها هي التي اشتهر بها في ساحات الدفاع عن اللغة العربية.
لقد كان عثمان سعدي أمازيغيا قحا ولكنه آمن بأن العربية والأمازيغية شقيقتان تنتميان إلى وعاء لساني واحد وحضارة واحدة، تماما كما كان يعتقد شيخه عبد الحميد بن باديس الصنهاحي الأمازيغي صاحب مقولة “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب” والأبطال الذي فجروا الثورة، عربيهم وأمازيغيهم، بعد أن حددوا الهدف بأن الدولة التي يقاتل الجزائريون من أجلها في سبيل الله جزائرية ديمقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية، وأن الوحدة الإقليمية المنشودة هي “وحدة شمال افريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي”.
لقد كانت خيبة أمل عثمان سعدي كبيرة حين أدرك حجم الاختراق الاستعماري المتصاعد في أجهزة النظام السياسي وبعض أجهزته الحزبية والجماهيرية، فصار معارضا صلبا لكل سياسات التفريط الرسمية في حق اللغة العربية ومنها تجميد قانون تعميم استعمال اللغة العربية وتحدّث مسؤولين كبار بلغة المستعمر في المناسبات الرسمية ومع شعبهم، وغير ذلك من السياسات المنتهجة لدى اللوبيات الاستعمارية داخل الدولة وفي المجتمع لاستمرار الوصاية الفرنسية على الجزائر. وقد ناله رحمه الله كثير من التضييق والملاحقة من هؤلاء الذين استغلوا الفتن التي أصابت الجزائر لصالحهم، إذ صار لهم نفوذ تجبروا به على كثير من الوطنيين الصادقين من مختلف التيارات.

المؤرخ لحسن زغيدي:
الراحل سعدي.. من جهاد البندقية إلى جهاد القلم

رثى المؤرخ والأستاذ الجامعي، لحسن زغيدي المرحوم عثمان سعدي، بكلمات باكية، واصفا إياه بالكتاب الذي جمع فصولا عديدة طيلة 92 سنة من حياته. وقال بأن سعدي هي في حد ذاته كتاب، “فهو الجزائري الذي عاش الحرمان، إبان الاحتلال الفرنسي، فثار على غرار أجداده في تلك الحقبة، كونه ولد في مئوية الاحتلال الفرنسي، أي في العام 1930، وهي السنة التي تغنت فيها فرنسا، بأن الجزائر أصبحت فرنسية إلى الأبد”.
وأضاف زغيدي، بأن المرحوم، وكغيره من مواليد الجزائر في الفترة الاستعمارية، كان في طليعة المناضلين ومن بين المجاهدين، الذين سيوقعون بدمائهم وبأجسادهم وأرواحهم، شهادة استعادة السيادة ونهاية الاحتلال إلى الأبد، “وهذا فصل من فصول حياته”.
أما الفصل الثاني، حسب محدثنا، فهو أن عثمان سعدي كان ذلك التلميذ ثم الطالب “المكابد المثابر المجد المجتهد، الذي سافر وتنقل من أجل أن يكسب العلم والمعارف”. وفي فصله الثالث، هو ذلك المجاهد الذي شارك مع أهله وأقاربه وأبناء عشيرته ومنطقته، في ركاب الثورة التحريرية، بعدما كان مناضلا في صفوف الحركة الوطنية، ليصبح مجاهدا في صفوف جيش التحرير الوطني، ويواكب مسيرة التحرير إلى نهايتها.
وذكر فيما اعتبره زغيدي فصلا رابعا في حياة المرحوم سعدي، أنه كان ذلك الشخص المساهم في بناء الدولة الجزائرية ودبلوماسيتها “حيث طاف كسفير للدولة الجزائرية، في العديد من البلاد العربية”.
وكان ضمن قيادة حزب جبهة التحرير الوطني، ومن الذين ساهموا في إعداد المشاريع الكبرى التي تبنتها الدولة والحزب.
وفي آخر فصل، يذكر المؤرخ بأن عثمان سعدي “كان ذلك المناضل في حقل اللغة العربية، فهو مؤسس ورئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية. وفي هذا الفصل برز عثمان سعدي الكاتب والأديب واللغوي الفذ والمؤرخ”.
وبذلك يكون عثمان ساهم في النضال وفي التحرير وفي البناء والتعمير، وفي تكوين الأجيال بما تركه لهم من إرث مميز، على حد قول زغيدي. خاتما بعبارة “ولهذا نستطيع أن نقول، أن عثمان واصل الجهاد طوال حياته من جهاد البندقية إلى جهاد القلم، رحمه الله واسكنه فسيح جنانه. خاصة أن موته جاء في شهر نوفمبر العظيم، شهر الثورة والجهاد”.

الدكتور وليد بوعديلة:
كان حريصا على الهوية الجزائرية

عندما تفقد الجزائر الدكتور عثمان سعدي فهي تفقد مناضلا وطنيا ومثقفا كبيرا، وهو الذي جعل من قلمه وسيلة لكتابة الهوية الجزائرية في أبعادها العربية الإسلامية، غير المتنكرة لأمازيغيتها، فقد كان حريصا على كشف الممارسات الفرانكفونية في الجزائر، والقيم والمرجعيات الغربية الاستعمارية التي تحركها، وكتب الكتب والمقالات التي تشكل وعيا عميقا بالقضية الثقافية ودورها في بناء الدولة وحماية الأمة، من خلال “عروبة الجزائر عبر التاريخ” أو “الأمازيغ عرب عاربة”، وغيرهما من الكتب.
وكان العمل الأدبي الكبير للدكتور هو جمع الشعر العراقي حول الثورة الجزائرية، بعمل ميداني أنجزه عندما كان سفيرا في العراق، حيث جمع أكثر من مائة قصيدة تتغنى بجلال الثورة. إنه من المثقفين الراسخين في الوطنية والمرجعية الثقافية، وكأنه كان يقول للأجيال بأن الوطن لا ينهض بالمقاومة الغذائية والطاقوية والتجارية فقط، وإنما بالمقاومة اللغوية والدينية أيضا.. ومن الوفاء له أن لا تكتفي السلطات بخطاب التعزية، بل تفتح الورشات لتجسيد أفكاره ومشاريعه اللغوية، لربط الوطن بلغته العربية، وتحقيق طموح الراحل وطموح ابن باديس والإبراهيمي وطموح كل الجزائريين، بمنح السيادة اللغوية العربية حقها وحضورها في الدولة ومؤسساتها. نتمنى أن تواصل الجزائر طريق الفقيد على درب الاستقلال اللغوي، ومنح اللغة العربية مكانتها في جميع المجالات، وقد كانت كتاباته صرخة في وجه أعداء الوطن داخليا وخارجيا، فما بدل وما غير، بل بقي وفيا لمجد الشهداء والأصالة العربية الأمازيغية، في إطار الوحدة والاتحاد، بعيدا عن أصوات الفتنة والتفرقة”.

الناقد المبدع يوسف وغليسي
وداعا سفير الضاد

نعى الناقد والأكاديمي المبدع يوسف وغليسي فقيد الجزائر الدكتور عثمان سعدي (1930 – 2022)، حيث كتب منشورا على حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي فايسبوك جاء فيه: “إلى جنات النعيم أيها الأمازيغي الذي عرّبه الإسلام، وجعل منه سفيرا للضاد وقلعةً للدفاع عن (عروبة الجزائر عبر التاريخ)، وعن (العربية وتحدياتها المستقبلية)، ومؤرخا عالما يبحث عن (الجذور العربية للكلمات الأمازيغية)، ويؤاخي بين العرب، والأمازيغ الذين هم في تصوره (عرب عاربة)!…”، مضيفا بالقول: “لقد دافع عن الهوية العربية للجزائر وثورتها بلا هوادة؛ عبر (الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية)، وعبر أعمال علمية وأدبية أخرى؛ فقد جمع التراث الشعري للثورة الجزائرية في قلعتين شعريتين قوميتين حصينتين (العراق وسوريا)؛ إذ جمع 255 قصيدة لمائة وسبعة شعراء عراقيين، حين كان سفيرا في بغداد (1971 /1974)، كما جمع 198 قصيدة لأربعة وستين شاعرا سوريا، حين كان سفيرا في دمشق (1974 /1977). وقد رأى في ذلك التراث “الدليل الحي على عروبة المغرب العربي وعروبة الجزائر وعروبة ثورتها” (الثورة الجزائرية في الشعر العراقي، ج 1، ص 08)”. وختم منشوره بالقول: “سلام عليك في الخالدين أيها الجبل (العربري) الشامخ الشاهق!”

عبد القادر فضيل:
بوفاته فقدت اللغة العربية ركيزة من الركائز

عدّد الخبير التربوي، وإطار وزارة التربية السابق، عبد القادر فضيل في اتصال مع “الشروق”، خصال ومناقب المرحوم عثمان سعدي، فذكر أنه كان المسؤول الأول عن لجنة حول الدفاع عن اللغة العربية، وكان عضوا في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني.
وقال فضيل، والذي يُعتبر بدوره من المدافعين وبقوة عن تمكين اللغة العربية بالجزائر، بأن عثمان سعدي كان رفقة عضو اللجنة المركزية، المرحوم عبد القادر حجار من “أشرس المدافعين عن قضايا اللغة العربية”، وهو ما جعله يصف وفاته “بأن اللغة العربية بموت سعدي، فقدت ركنا من أركانها المهمة”.
ويتذكر محدثنا، موقفا له مع الفقيد عثمان سعدي، فقال “كنت ألتقيه في جميع المناسبات خاصة التكريمات، وفي إحدى المرّات حضر إلى مناسبة تكريمي من طرف مجمع الشروق، وأثناءها تكلم عن أهمية المدرسة الأساسية، والتي كانت محل انتقادات وقتها من طرف بعض الأطراف، وذكر بأنّ بناته تعلمن في المدرسة الأساسية، وتخرجن بتفوق، وهن الآن بمناصب مرموقة خارج الوطن”. وترحم فضيل على عثمان سعدي، طالبا له الرحمة
والمغفرة، من المولى سبحانه عز وجل، وأن يكون من عباده الصالحين.

الدكتور جمال مسرحي لـ”الشروق”:
عثمان سعدي بقي ثابتا على مبادئه السامية


أوضح الدكتور جمال مسرحي من قسم التاريخ بجامعة باتنة1 بأن المرحوم الدكتور المجاهد عثمان سعدي مناضل صنديد، وهو من الرجال القلائل الذين ثبتوا على مبادئهم السامية، والذين يصدق فيهم قوله تعالى: “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”، مضيفا أن الرجل جاهد وناضل من أجل استقلال البلاد في إطار انخراطه في السلك الطلابي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وذلك ما رسخ في شخصيته المبادئ السامية للانتماء إلى العمق الحضاري العربي الاسلامي للشعب الجزائري، وذلك ما شكل حسب محدثنا إحدى أهم المقومات الشخصية الجزائريه التي حاولت فرنسا الاستعمارية القضاء عليها.
ولم يكتف الراحل بالجهاد الأصغر، بل نجده ينخرط ثانية في معارك الجهاد الأكبر تارة في ميدان البحث الأكاديمي من خلال الدراسات التي أنجزها حول الثورة الجزائريه وتواردها في الشعر العربي الحديث في سوريا والعراق على الخصوص، ثم تناوله بالبحث والتدقيق في الانتماء العربي للجزائر منذ القديم من خلال العديد من الأبحاث والدراسات التاريخية الانثروبولوجيه التي حاول من خلالها الغوص في المكنون التاريخي القديم للمغرب العربي مقاربا بين اللهجات المحلية لاسيما الشاوية واللغة العربية القديمة على وجه التحديد.
كما يشهد له الواقع التاريخي معاركه الثابتة بعد تقاعده من العمل الدبلوماسي ضد الفرانكوفيليه في الجزائر من خلال انشائه الجمعية الجزائريه للدفاع عن اللغة العربية بالتعاون مع رفاقه في النضال لاسيما الدكتور أحمد بن نعمان، وقال الدكتور جمال مسرحي في سياق حديثه مع الشروق “كما لا يفوتني هنا أن أذكر بما سمعته شخصيا من الدكتور محي الدين عميمور بخصوص استخدام مصطلح الأمازيغية بدلا من البربريه، حيث روى لي الدكتور عميمور أن الرئيس الشاذلي بن جديد طلب منه باعتباره مستشارا إعلاميا لدى الرئاسة أن ينظر في أمر استخدام وسائل الإعلام لمصطلح البربريه أثناء أحداث 1980، حيث أن الرئيس الشاذلي رأى في ذلك شيئا مشينا للجزائريين.. فما كان من مستشاره إلا ان قام بتشكيل لجنة من المختصين للنظر في الأمر وتشكلت اللجنة من الدكتور موسى لقبال والدكتور عبد المجيد مزيان، ثم الدكتور عثمان سعدي. وهذه اللجنة هي التي أقرت استخدام الأمازيغية بدلا عن البربريه وهو ما اعتمده الرئيس الشاذلي بن جديد وأمر بنشره في وسائل الإعلام انذاك.. وعليه فنقول أن المرحوم كان من وراء الاستخدام الواسع لمصطلح الأمازيغية والعهدة على الراوي”.

الأستاذ الهادي زغينة:
كان مجاهدا مخلصا لعهد الشهداء


ترجّل الفارس المغوار ورحل المجاهد الكبير عثمان سعدي إلى جوار ربه الكريم.. كان مجاهدا مخلصا وفيا لعهد الشهداء، مات على ما ماتوا في الدفاع عن الوطن والهوية الوطنية، كان فارسا من فرسان الجزائر والعربية. فكريا كان مدافعا عن اللغة العربية، هو شهيد اللغة العربية وقف ضد “اللوبي الفرانكفو بربريست” الذي كان وراء تجميد قانون استعمال اللغة العربية، وقد كان رئيسا للجمعية الجزائرية لحماية اللغة العربية. ترك أثرا وإرثا طيبا، بدليل أعماله البارزة مثل “معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية”، وكتاب “عروبة الجزائر عبر التاريخ”، وكتاب “الأمازيغ عرب عاربة”، وكذلك “قضية التعريب في الجزائر”، و”كفاح شعب ضد الهيمنة الفرنكفونية”.

وزير الدولة السابق أبو جرة سلطاني:
وداعا عملاق اللغة العربية وفارس ميدانها


ودعنا الأخ الفاضل والصديق الناصح د. عثمان سعدي عن عمر يدب نحو 92 عاما قضاها منافحا عن الوطن وعن اللغة وعن القضية الفلسطينية.. وحاز قصب السبق في إتقان اللغتين (العربية الأكاديمية، والأمازيغية القديمة في جذرها الشاوي).
ودعنا عملاق اللغة العربية وفارس ميدانها وحارس عرينها الرجل الثوابتي حتى النخاع بشهادة خصومه الذين كانوا يخشون مصاولته بذريعة أنه “بعثي متطرف”!! وهو في حقيقة الأمر مجاهد فذ خاض غمار الثورتين: ثورة التحرير المباركة وثورة التعريب المستمرة.
حياته مليئة بالطرائف، زاخرة بالمعارك من أجل تثبيت هوية الأمة وإبراز عروبتها وتوكيد انتمائها وأصالة وجودها وواجب انفصالها عن مستعمر الأمس.
عاش عثمان سعدي حياته ثائرا لا يداهن ولا يهادن مع أنه مثقف من طراز رفيع احتك بأشهر شعراء العربية فأفاد منهم وأصدر كتابين عن ثورة الجزائر، الأول الثورة في الشعر العراقي (لما كان سفيرا بالعراق 71/74) والثاني ثورة الجزائر في الشعر السوري (لما كان سفيرا بسوريا 74/77).
تبوأ عضوية مجمع اللغة في ليبيا وترأس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية..
عندما تجلس اليه كأنك في مكتبة مسموعة ينتقل بك من أدب الرحلات إلى واحات الشعر إلى أعماق التاريخ إلى صحبة الكبار ويتوقف بك طويلا في أسرار المقاومة الوطنية وثورة التحرير.. وله شبكة علاقات ممتدة من هافانا إلى طنجة.
تميز عن غيره بثلاث قلّما تجتمع في رجل واحد:
– جمع بين الثورة والدبلوماسية والثقافة الموسوعية وفصاحة اللسان والشجاعة الأدبية في الدفاع عن الحق وعن القضايا العادلة..
– جمع بين فصاحة اللغة والشعر الملحون (يحفظ التراث الشعبي من المجدوب إلى عيسى الجرموني..) ويتحدث باللسانين معا.
– جمع بين الشعر الحديث وقدرة فائقة على تتبع جذر كل كلمة في اللهجات الجزائرية بألسنتها الخمسة.
رحمك الله يا صديقي عثمان كنت أزورك لأجدد ثقتي بالثوابت. وأجالسك لأدقق معلوماتي حول الثورة. واستفزك أحيانا لتكشف لي عن أسرار لا يعرفها سوى صاحب رواية “وشم على الصدر”… الموت حق ولكن رحيل الرجال أسيف.

الروائي والأكاديمي عز الدين جلاوجي:
عثمان سعدي حامل قضية كبرى وعلينا الوقوف على منجزه


لم يمت عثمان سعدي ولن يموت، وكيف يموت حامل القضية الكبرى؟ حامل راية الدفاع عن العربية، أعظم وأشرف اللغات، كيف يموت من كان في طليعة الزحف مع الأوفياء الذين أدركوا أن حرية الجزائر لا تتوقف عند تحرير الأرض التي افتكها إخوانهم وآباؤهم الصيد من براثن أشرس استعمار، وآمنوا أن المعركة يجب أن تستمر لتحرير اللسان، والقلوب والوجدان، لأن الشعب الجزائري ما كان يوما فرنسيا، ولن يكون كذلك رغم الندوب التي تركها الاستعمار البغيض، ورغم أفاعيله الشنعاء ليجعل من الجزائر أرضا فرنسية، وليجعل من الشعب الجزائر سائمة دون هوية ولا انتماء.
لم يكن عثمان سعدي قوالا ولا حالما، بل كان فارسا فعالا، مثقفا حركيا عضويا، لم يركن يوما لراحة، بل قضى عمره كله في حياته العامة وفي حياته الدبلوماسية وفي حياته الثقافية مجاهدا لا تلين عريكته، في محاضراته وفي مناظراته، وفي كتبه التي ستبقى نبراسا يشع أبد الآبدين، وفي الجيل الذي رباه فحمل معه القضية لتتلقف الأجيال دوما مشعل الدفاع عنها والاستمرار على ذات الدرب.
حري بنا اليوم أن نقف عند منجزه قراءة ودراسة، ونقف عند مشروعه الذي أسس له لنقيمه صرحا في قلوبنا أبد الآبدبن، ويقينا هو صرح تجلى فيما أنجزته الجزائر، حيث منارات مئات الآلاف من المدارس والمتوسطات والثانويات والجامعات ومراكز العلم والفن والثقافة، وحيث الملايين من أبناء هذا الوطن يحملون راية العربية خفاقة، وشتان الوضع بين زمن ما قبل التحرر، بل وأبعده بسنوات وزمننا هذا، وحتما سيكون مستقبلنا شامخا عملاقا، يجعل الجزائر في طليعة الشعوب العربية، وقد انطلقت الآن وما علينا جميعا إلا أن نكون جنودا أوفياء مخلصين لنحقق حلم الآباء والأجداد.

المفكر أحمد بن نعمان ينعي الراحل سعدي

لا أملك في هذه اللحظات الحزينة الثقيلة بالألم والمليئة بآلاف الذكريات التي جمعتني بفقيد الأمة والوطن الصديق العزيز الدكتور عثمان سعدي رفيق الدرب الطويل في مواجهة كل تقلبات الاستحلال بعد نكبات وأهوال الاحتلال الذي قضى عليه الشعب في سبع سنين ليجد نفسه أمام الاستحلال الأخطر الذي استفحل في غفلة من الرجال وتواطؤ المتوارثين للخيانة مع العدو الظاهر والباطن الغائب الحاضر بقوة بعد السن الخمسين!
لا يسعني الا ان اعبر بهذه الكلمات النثرية الشبيهة بالشعرية وما أنا بشاعر!
ولكن أن خانتني العبارات لوصف ألم الحزن عن فراق الشخص المناسب في الظرف غير المناسب فإن عزائي للجزائر والعائلة السعدية الصغرى والعائلة الوطنية الكبرى هو صدق المشاعر والجود بالموجود الحاضر إلى أن نفرد له ما يستحقه من ذكر لأبرز مناقبه الجهادية المتعددة في الداخل والخارج دفاعا عن هوية الجزائر وأمجادها عبر التاريخ في الماضي والحاضر…
لقد عرفت الفقيد منذ الستينيات في جامعة الجزائر هو الأستاذ النشيط والمحاضر وأنا الطالب المجتهد الخارج من جيش التحرير المهتم بمواصلة الجهاد ضد الاستحلال في الحاضر!
وقد وجدت نفسي وإياه على خط دفاعي وطني واحد مستقيم منذ الفاتحين الأولين إلى فاتح نوفمبر في القرن العشرين وبقينا سائرين على نهجهم في السراء والضراء ومجابهة الأعداء في كل النكسات المتعاقبة على الثوابت الوطنية وجوهر الهوية عبر التاريخ مع مجموعة من الأصدقاء والزملاء والرفقاء الراحلين منهم والأحياء المنتظرين…
فنبنا عن الدولة المغيبة حينذاك عن تطبيق المادة الثالثة من الدستور بتأسيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية وكان هو رئيسها بالانتخاب وكنت نائبه منذ ذلك التأسيس وبقيت معه إلى الآن دون انقلاب!
وقد كان لنا دور مشهود مع كل الوطنيين الشرفاء في صدور اول قانون للغة العربية عندنا على غرار قانون اللغة الفرنسية الصادر في فرنسا السيدة على أرضها اعتقادا منا بأننا مستقلون مثلها!
ورغم كل المناورات والعراقيل التي واجهت القانون، إلا أن عزيمة الرجال الأوفياء اوصلته إلى مرحلة التصديق عليه بالإجماع في البرلمان ولكن الأعداء إن فشلوا في عرقلة التصديق والصدور على الورق في الجريدة الرسمية فقد نجحوا في تأجيل تطبيقه إلى ما بعد سنتين بعد الصدور فتأخر موقعه في الجريدة الرسمية عن قطع الذّنَبِ (كما قال حينها رحمه الله في خطاب رسمي: ضربنا الاستعمار لرأسه حرك ذَنَبَه!) فذهب به الذّنَبُ وما كسب بعد سنتين وبقي الحال على ما هو عليه حتى الآن بدون إلغاء القانون نفسه ودون تطبيقه في الميدان بعد الثلاثين من تقلبات السنين؟
ولكن الفقيد ظل ينافح عن قانون الشعب بكل إخلاص حاضرا وغائبا بدون توقف لنشاطه الى آخر لحظة من حياته في صبيحة هذا اليوم!!
وقد رحل عنا وفي نفسه شيء كثير منه يشفع له عن وفائه وإخلاصه لشعبه ووطنه وصدقه عند ربه!
واننا نقول له بأن الحق مهما غطاه غمام الباطل المزيف فلا بد أن يظهر ويسطع مثل الهلال بعد أكثر من 130 سنة من ظلام الاحتلال وان شمس الحقيقة لا تلبث أن تظهر إلى العيان مهما غمت على مجموعة من العميان؟
والتاريخ ينصف المجتهدين العاملين الصادقين غير الخاطئين، وقد يغفر للجاهلين ولكنه لا يرحم ولا يغفر أبدا للخائنين!
والتاريخ الوطني مبسوط أمامنا كالحصيرة لكل ذي بصر وبصيرة وهبه الله القدرة على التفريق والتمييز بين الوطنية والبَطَنِيّة وبين الشرف والعلف وبين الجنسية والهوية والغاية والوسيلة والأمة والقبيلة وبين الاحتلال العسكري المباشر والاستقلال المبطن بالاستحلال الثقافي الظاهر الذي يعكس الحقائق ويقلب المفاهيم ليصير الهزائم غنائم
و الانتصارات أوهام وهزائم في قاموس الأعداء، ولكن هيهات أن ينقلب الدخيل إلى أصيل والخيانة إلى أمانة!
وإن الخبر اليقين عند شعب الشهداء الذي قرر مصيره بكل إرادته مرتين وسيكررها كلما أتيحت له الفرصة في أي حين!
وفقيدنا هو من أبناء هذا الشعب الأصيل الذي لا ينساه في أبنائه الأوفياء الراحلين الأحياء الخالدين في وجدانه إلى يوم الدين!

عبد القادر سمّاري:
كان منارة ومرجعا ومعلما للجزائر والأمة العربية والإسلامية


استفاض الوزير الأسبق وممثل الجزائر في البرلمان العربي، الدكتور عبد القادر سماري، في ذكر مآثر المرحوم عثمان سعدي، فقال بأن الجزائر أنجبت العديد من الرجال، كانوا بمثابة منارات ومراجع ومعالم للجزائر في مراحلها المختلفة، سواء قبل الثورة وبعدها الثورة وبعد الاستقلال.
وأضاف “أستاذنا الكبير والرجل الفاضل، والشاعر والمؤرخ والدبلوماسي، عثمان سعدي.. حياته كلها كانت نضالا، بدأها بانخراطه في حزب الشعب، ثم في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والذي سجل فيه سنوات الخمسينات بمعهد ابن باديس”.
وذكر، بأن سعدي كان من أوائل الملتحقين بالثورة، داخل الوطن وخارجه، وبالخصوص بالقاهرة. والذي استمر في عطاءاته لم يكل أو يمل. ثم سفيرا بعد الاستقلال في عدة دول عربية.
ووصفه، بالمحاضر “المُفوّه، المنتمي لقبيلة النمامشة العريقة بولاية تبسة.. فأبلى بلاء حسنا.. وحقيقة تنطبق عليه عبارة شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب”.
ويؤكد محدثنا، بأن سعدي كان من أوائل المدافعين عن اللغة العربية، سواء كتابة أو نطقا أو تدوينا وتأليفا، أو عن طريق المحاضرات. وذكر بشأنه “وقف كالطود الشامخ، ضد فرنسة الجزائر، وضدّ أي صراع بين العرب والأمازيغ. وكان اللحمة التي تجمع بين هذين المكونين للشعب الجزائري”.
فالمرحوم أدّى ما عليه، والتحق بزملائه عبد القادر حجار، ومحفوط نحناح، والشيخ بوسليماني، عبد الحميد مهري.. حسبما ذكر سماري، والذي تمنى ولادة جيل يحمل هذه الأمانة والإرث الكبير. “وسنكون على عهده سائرون، حاملين لواء اللغة العربية، التي كان يتغنى بها المرحوم ويعشقها ويجاهد في سبيل إعلائها”.
وكشف المتحدث، الذي كان قريبا من عثمان سعدي، بالقول “حيثما حللت في القاهرة أو دمشق أو الأردن وبيروت.. وجدتُ للأستاذ سعدي أثرا طيبا، مثلما كان سابقوه الشيخ الورتلاني ومالك بن نبي والبشير الإبراهيمي…” وهو ما يجعله، اسما جزائريا بارزا، لم يترك أثرا في بلاده فقط، بل امتدت إنجازاته للأمة العربية والإسلامية.
وختم “عرفتُ الرجل عن قرب وفي كثير من المحطات، فرصدت قلقه حين تُمس اللغة العربية والجزائر، فكان سمحا في أموره الشخصية، لكنه يغضب لله وللوطن واللغة”.

عمار طالبي:
كان ثابتا ومناضلا ومكافحا على المبدأ الذي يؤمن به


ورثت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الرجل، الذي انخرط في صفوفها منذ سنوات الخمسينات، أي إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر، وكان مدافعا شرسا عن مقومات الشعب الجزائري ومبادئه.
وفي هذا الصدد، أشار عمار طالبي عبر “الشروق”، طالبي، إلى أنه بفقدان المرحوم عثمان سعدي، فقد فقدنا مجاهدا، كان يناضل من أجل اللغة العربية، والتي هي لغة القرآن، وكان يكافح ويكتب. واعتبر طالبي المرحوم، مضطلعا أيضا في الشؤون السياسية لبلاده، بعد تقلد منصب سفير في كثير من الدول العربية، مدافعا عن مصالح بلده.
وقال “عثمان سعدي، كان ينوب عن الشعب الجزائري، في الدفاع عن قيمه ومبادئه. ونحسبه قدم عملا صالحا يدخله إن شاء الله سبحانه وتعالى جنة الخلد”، ليدعو طالبي لفقيد اللغة العربية، بالرحمة والمغفرة، وبالصبر والسلوان لعائلته وللشعب الجزائري أجمع “بعدما فقدنا رجلا شجاعا شهما، كرس حياته لإعلاء اللغة العربية.. ورغم أنه كان له أعداء يناوئونه، ويتصدون لمسيرته، فإنه ثبت وناضل وكافح على المبدأ الذي يؤمن به.. فكان بحق رجلا مناضلا وعالما أديبا”.

الأديب جمال فوغالي يرثي الراحل سعدي


كانَ الراحل عثمان سعدي مريضا منذُ مدة، وانتهى بهِ المرضُ إلى وحدةٍ عارفة، لعلَّها كانتْ شاقة ضنْكا على مثلِهِ منَ الرجالِ الذين أحبُّوا الوطنَ ودافعوا عنْ خياراتِهِ التي منْ أجلها استشهدَ الأجدادُ والآباء بكل ما أوتيَ منْ صبرٍ وأناةٍ وصلابة، وحيثما كانَ في القربِ منَ الوطنِ والبعدِ عنهُ سيَّان، وفي جميع تحولاتِهِ وأقداره، وما أكثرها وأشدَّ وقعها عبر التاريخِ وفي الأعوام الأخيرة، وأينما اعتلى المناصب، وكان حقيقا بها وكانَ أهلاً لها، وظلَّ منغرسا في التاريخِ يتمحَّصُهُ ويدارسُهُ مراجعا ومفنِّدا للمتحاملين عليهِ والمسيئين إليهِ جهلا واستعداءً، وكانتِ اللغةُ العربيةُ سيدةَ الاتجاهِ وكانَ الدفاعُ عنها الاسطرلابَ الذي يقودهُ للحقيقةِ التي أرادَ بعضهمْ تغييبها والاعتداءَ عليها جهارا نهارا وبالأساليبِ الملتويةِ والخفيَّة، وكان يملكُ منَ الإقدامِ ما قدْ هيَّأَ نفسَهُ لذلكَ ليقولَ الحقيقة ويبرهنَ عليها، ويرى في ذلكَ مدعاةً للفخرِ والاعتزاز، وقدْ كانَ مناضلاً في البدءِ منْ حياتهِ والمنتهى منها، وكانَ قاصًّا وكتبَ الرواية، واستعادَ الشعرَ العراقيَّ الذي مجَّد الثورةَ التحريريةَ المظفرَّة، وها، فدلَّ على مكانتها التي أبى إلاَّ أنْ يظهرها للعالمين…
وهلْ رحل؟
وهل يمكنُ أنْ يرحلَ الألى يشعُّونَ في التاريخِ الذي أبداً لن ينسى رجالهُ العاملين، والذين كانوا سدًّا منيعا للمنبتِّين، والألى اعتصموا بالدَّمِ الشهيدِ في الآبدين…
“أتموتُ؟
تاريخُ الرجولةِ فريةٌ كبرى ووضاءة الأمجاد…”

المؤرخ محند أرزقي فراد:
أدعو وزارة التربية لإدراج نصوص الراحل في البرامج


لقد شارك في تحرير الجزائر من نير الاستعمار الفرنسي أثناء الثورة، ووقف جهوده الفكرية بعد الاستقلال من أجل تحريرها من هيمنة الثقافية الفرنسية، عن طريق الدعوة إلى إيلاء أهمية قصوى للغة العربية في مجالات السيادة. لقد أثرى الدكتور عثمان سعدي المكتبة الجزائرية بعدد من المؤلفات المهمة، ولا شك أنها ستصنع له بعد رحيله عمرا ثانيا لا يفنى.
رغم اختلاف رؤانا في المسألة الامازيغية، فقد ساد بيننا احترام متبادل، وكان معجبا بمقاربتي المطروحة في إطار تكاملي مع المكون العربي الإسلامي.
أكيد أن رحيله سيترك فراغا في الساحة الثقافية، ورجاؤنا أن تفكر وزارة التربية في إدراج بعض فقرات كتبه، ضمن البرامج التعليمية.

الأستاذ محمد سعدي:
كان لا يهمه في كلمة الحق لومة لائم

أكد الأستاذ محمد سعدي بأن المجاهد الدكتور عثمان سعدي رحمه الله لم يمت، لأن غيابه جسديا لا يمحو فكره ومواقفه ومسيرته الجهادية والنضالية بداية من الخمسينات إلى آخر يوم في حياته وهو في فراش المرض، فهو حسب محدثنا رجل كألف عاش من اجل الجزائر النوفمبرية الباديسية، متحديا كل تشرذم وطني ثوابتي، مضيفا بالقول: “تحضرني في هذه الظروف الأليمة مواقفه الثابتة والصلبة في التسعينيات وما تعرض له من مضايقات بلغت ذروتها لوقوفه كالطود مع اللغة العربية في وجه التشرذم اللغوي الذي ظهر وقتها، وتوصل الأمر بالشواذ لغويا إلى تحطيم سيارته الشخصية ومقاضاته أمام المحاكم على موقفه الثوابتي من طرف الفئة الضالة لغويا وفكريا، وكان يومها يوما مشهودا ونال المرحوم حكم البراءة.
وقال محدثنا في سياق حديثه للشروق “عثمان سعدي رحمه الله قلم من الأقلام الصادقة والنادرة في زمن الانبطاح، وفارس مغوار لا يشق له غبار في ميدان الوطنية الباديسية النوفمبرية، لا يداهن ولا يتملق ولا يرتزق وهو كان صرخة مدوية في كل الميادين من اجل الجزائر الثوابتية، ولا يهمه في كلمة الحق لومة لائم”.

الدكتور السبتي سلطاني:
عاش منافحا عن الانتماء الحضاري العربي والإسلامي للجزائر
أكد الدكتور السبتي سلطاني في تصريح خص به الشروق بأن الساحة الفكرية والثقافية الجزائرية فقدت معلما بارزا من معالم الدفاع عن الهوية الثقافية العربية والإسلامية للأمة الجزائرية، إنه الرجل الرمز عثمان سعدي، كان المجاهد والمسرح والمثقف صاحب نبرة صوت متميزة لا يهادن أبدا فيما يراه من تصرفات ويعتقده من آراء، مضيفا أن المرحوم عاش منافحا عن عروبة الجزائر، مدافعا عن الانتماء الحضاري العربي والإسلامي للجزائر عبر العديد من المؤلفات منها على سبيل المثال لا الحصر: قضية التعريب في الجزائر، كفاح شعب ضد الهيمنة الفرنكفونية في الجزائر. كما راح يلتمس صدى الثورة الجزائرية في الشعر العربي من خلال البحث في مدونات الشعر العراقي والشعر السوري عبر دراسات أكاديمية رصينة تجلى ذلك في كتابي: “الثورة الجزائرية في الشعر السوري” و”الجزائر والثورة الجزائرية في الشعر العراقي”. وقال الدكتور السبتي سلطاني بأن حياة عثمان سعدي التي امتدت على مدار 92 عاما لم تكن إلا حياة رجل يدرك مكامن العظمة التي تسعى إليها النفوس العظيمة.

وزير الثقافة والاتصال السابق محيي الدين عميمور:
الراحل كان عروبيا عميق الإيمان


وفاة الرفيق عثمان سعدي خسارة كبرى للغة العربية وللديبلوماسية الجزائرية، فقد كان مثقفا واسع الاطلاع، وعروبيا عميق الإيمان بوطنيته المستمدة من بيان ثورة أول نوفمبر ومبادئ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كان واحدا من طلائع بعثتها إلى القاهرة. جسدت تصرفات عثمان وممارساته الاعتزاز بالعمق التاريخي الأمازيغي والتمسك بالانتماء العربي الإسلامي، وكان عضوا في المجموعة التي اقترحت على الرئيس الشاذلي بن جديد استبدال تعبير الأمازيغية بتعبير البربرية، لكن أهم ما يسجل له دفاعه الصلب عن اللغة الوطنية، حيث خاض من أجلها صراعات كثيرة وتحمل الكثير من المصاعب، بل والاعتداءات في سبيل دفاعه عنها ومناداته بأن تكون لها مكانتها المستحقة.
وكان الراحل سفيرا متميزا للجزائر في كل من العراق وسوريا وحظي بثقة الرئيس بومدين في التعامل النضالي الذكي مع بلدين برغم ما كان بينهما من التناقضات المعروفة.

الكاتب بشير فريك:
عثمان سعدي ظاهرة فكرية حضارية متميرة


الفقيد المجاهد الدكتور الدبلوماسي عثمان سعدي الشاوي العروبي يبقى ظاهرة فكرية حضارية متميزة فقدته الجزائر بإسلامها وعروبتها وأمازيغيتها، ومن الصعوبة أن يعوض في حقل الدفاع عن الهوية الوطنية في بعدها العربي.
كان باحثا وكاتبا أكاديميا كرس حياته بعد مشاركته في حرب استرجاع السيادة والهوية الوطنية في تأكيد الأصول العربية للأمازيغية من خلال البحث والدراسة والتحليل بمنهجية علمية وأسلوب بيداغوجي مقنع حتى لغلاة الفرنكو بربريست الرافضين لعروبة الجزائر وحتى إسلامها.
كان رحمه الله قلعة صامدة في الدفاع عن اللغة العربية في الجزائر، حيث كانت كتاباته ومؤلفاته ومداخلاته في مختلف المناسبات والمنتديات تثير دائما مناقشات وردود أفعال حادة من خصوم اللغة العربية وبقدر ذلك كان حادا شديد المراس في الرد على الخصوم. ومهما يكن وإن فقدت الجزائر بوفاته واحدا ومن أعمدة الهوية الوطنية فإن ما تركه من مؤلفات وكتب ستبقى بالتأكيد مراجع قوية على مر الأجيال للطلبة والباحثين.

أحمد خياط كاتب وأديب
شهادة لله في حقّ المرحوم عثمان سعدي

دُعِيتُ من قِبَل اتّحاد الكتّاب الجزائريين لحضور أشغال المؤتمر 22 “للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب” الذي انعقد بالجزائر العاصمة من 20 إلى 27 ديسمبر 2003. وفي يوم الافتتاح، ألقى رئيس الجمهورية آنذاك، الراحل عبد العزيز بوتفليقة، كلمة عن دور الثقافة، ثمّ انتقل إلى “العشرية السوداء” التي مرّت بها الجزائر، وأخذ يلوم الحضور الذي فاق عددهم 300، ومعظمهم كتّاب وشعراء أجانب ضيوف، أتوا من كافة الأقطار العربية، ثمّ راح يدقّ على الطاولة ويقول بانفعال شديد : “أين كنتم؟ أين كنتم؟ أين كنتم؟ – كرّرها ثلاث مرّات تقاطعها ضربات عنيفة – فإذا بصوت يدوي في أقصى القاعة: “كُنّا حيثُ كُنتَ أنت!”
خيّم الصمتُ على القاعة، فبدا الرئيس مضطربا، ولعلّه لم يكن ينتظر مثل هذا التعقيب، وهذه الصراحة، ثم استرجع هدوءه واستأنف الخطاب، وقد غيّر الموضوع…
سألتُ بعد ذلك عن الرّجل الذي تجرّأ في الردّ على الرئيس بكلّ عفوية وصراحة، فإذا هو المجاهد والكاتب…عثمان سعدي، الرجل الشهم الذي فقدته الجزائر حاليا، فرحمه الله برحمته الواسعة وحشره – وإيّانا – مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

الشاعر محمد جربوعة يرثي الفقيد بقصيدة:


بَكَرَتْ تعزّيني، تقول عُمانُ… صبرْا، ولكن مَن تُرى عثمانُ؟
(كنّا..)- أقول لها أحاولُ شرحَهُ…صوتينِ لم تفهمهما الآذانُ
عثمان هذا يا عمانُ قضيةٌ…أخرى لنا، كبرى، هي العنوانُ
عثمان شيخ لا قميص له ولا…من يحملون قميصه إن هانوا
عثمان عمّي في الطريق، أخو أبي…عمّي..وأعمام الفتى أعوانُ
عثمانُ حارس قلعة الضاد الذي…حفظ الهوى في قلةٍ ما خانوا
هذا الممدّدُ في غيابي صاحبي…ببياضها كم تؤلمُ الأكفانُ
جذع يُشيّع يابسا في حزنه…أترى ستفهم حزنَه الأغصانُ؟
أنا لو حضرتُ، لكنتُ حاملَ نعشه…ولما سوايَ حثا الثرى دفّانُ
لكنّ لي عذري، وقد حكمت بنا…أقدارنا، وتباعدت بلدانُ
قالت: (ترجّلَ)؟ قلتُ: في أقوامنا…في الموت لا يترجل الفرسانُ
يمضون نحو القبر ملء أكُفّهِم…لُجُمُ الجياد الدُّهمِ والأرسانُ
ويُشَيَّعون بخيلهم لقبورهم…فوق السروج كما عليها كانوا
عثمان هذا يا عمانُ محاربٌ…ممن قست في حقه الأوطانُ
هو نخلة أخرى تخرّ حزينةً…كم كسّرتْ نخلاتِنا الأحزانُ

عثمان سعدي.. ومضات في المسيرة
من مواليد 1930 بقرية ثازبنت ولاية تبسة، ناضل منذ شبابه المبكر في حزب الشعب الجزائري، وانخرط في صفوف جبهة التحرير الوطني منذ تأسيسها وعمل في ممثليها بالمشرق العربي، متخرج من معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة عام 1951، حاصل على الإجازة في الآداب من جامعة القاهرة سنة 1956 والماجستير من جامعة بغداد سنة 1979 والدكتوراه من جامعة الجزائر سنة 1986، مناضل في جبهة التحرير الوطني منذ تأسيسها، أمين دائم لمكتب جيش التحرير الوطني بالقاهرة في أثناء الثورة المسلحة، رئيس البعثة الديبلوماسية بالكويت 1963 ـ 1964، قائم بالأعمال بالقاهرة 1968 ـ 1971، سفير في بغداد 1971 ـ 1974، سفير في دمشق 1974 ـ 1977، عضو مجمع اللغة العربية الليبي في طرابلس بليبيا، عضو المجلس الشعبي الوطني من 1977 إلى 1982، عضو باللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني من 1979 إلى 1989، رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية منذ عام 1990، رئيس لجنة الإشراف العلمي على إعداد المعجم العربي الحديث، الذي تبنى إصداره الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بالثمانينيات، ولم يكتب له الصدور، حاصل على جائزة مؤسسة الفكر العربي سنة 2005.
مؤلفاته:
ـ تحت الجسر المعلق (مجموعة قصصية 1973)، هي أحداث حقيقية بالثورة الجزائرية صيغت في قالب قصصي.
ـ دمعة على أم البنين (رواية)، مرثية زوجة المؤلف.
ـ “قضية التعريب في الجزائر”، بيروت 1967، القاهرة 1968: دراسة نبهت، مباشرة بعد استقلال الجزائر، إلى خطورة الإبقاء على هيمنة اللغة الفرنسية على إدارة الدولة الجزائرية المستقلة.
ـ “عروبة الجزائر عبر التاريخ”: دراسة تاريخية تثبت عروبة الجزائر والمغرب العربي منذ التاريخ القديم.
ـ “الثورة الجزائرية في الشعر العراقي”: طبع في بغداد 1981، الجزائر 1985 و2001، عمل ميداني قام به المؤلف عندما كان سفيرا في بغداد، فجمع 107 شاعر وشاعرة من العراق، نظموا 255 قصيدة في الثورة الجزائرية، منهم شعراء كبار كمحمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونازك الملائكة، وغيرهم.
ـ “قضية التعريب في الجزائر: كفاح شعب ضد الهيمنة الفرنكفونية”، طبع في الجزائر 1993، دراسة بخصوص هيمنة اللغة الفرنسية على إدارة الدولة الجزائرية، وتهديدها للسيادة الوطنية ولاستقلال البلاد.
ـ “الأمازيغ عرب عاربة”، طبع في الجزائر 1996، طرابلس ليبيا 1998، كتاب يؤكد عروبة الأمازيغ البربر، ويبين أن التشكيك في ذلك هو مناورة للاستعمار الفرنسي الجديد بهدف شق الوحدة الوطنية، واستمرار سيطرة الفرنكفونية على الجزائر وبلدان المغرب العربي الثلاثة: تونس، الجزائر، المغرب، وموريتانيا من خلال هيمنه اللغة الفرنسية على دولها.
ـ “الثورة الجزائرية في الشعر السوري”: طبع في الجزائر2005، وهو عمل ميداني قام به المؤلف عندما كان سفيرا بدمشق في السبعينيات من القرن الماضي، جمع خلاله 199 قصيدة قالها 64 شاعرا وشاعرة في الثورة الجزائرية، ويضم شعراء كبارا من أمثال سليمان العيسى، ونزار قباني وغيرهم.
ـ وشم على الصدر (رواية)، الجزائر 2006
ـ “معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية”، طبع في الجزائر 2007 ونشره مجمع اللغة العربية في طرابلس ليبيا، يبين أن الأمازيغية ـ البربرية هي لهجة منحدرة من العربية الأم منذ آلاف السنين كالآشورية والبابلية والكنعانية والآرامية، وغيرها، مؤكدا أن تسعين في المائة من كلماتها عربية عاربة أو مستعربة. بجمع تسعة آلاف كلمة.
ـ “في ظلال قيرطا قسنطينة”، رواية.
ـ “الجزائر في التاريخ”، كتاب حول تاريخ منذ القدم مرورا بكل مراحلها إلى دخول الاحتلال الفرنسي.
ـ مئات المحاضرات والمقالات الصحفية والأوراق التي ساهم بها في ندوات عربية وعالمية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!