الثلاثاء 16 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 14 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 17:49
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

في مسلسل وحشي مروّع، صحت الجزائر، خلال أسبوع واحد، على ثلاث جرائم فجيعة، فقد طُعن ضيفها الزمبامبوي، طالب العلم بعنابة، ثمّ ذُبح في العاصمة طبيبها “أصيل” من الوريد إلى الوريد كما تُنحر الشاة، قبل بقْر الشرطي قلور عبد الحكيم والغدر به في قسنطينة، لتعلو بذلك مجدّدا المطالب الشعبيّة الواسعة بتطبيق حكم القصاص في حقّ هؤلاء السفاحين الذين تجرّدوا من كل المشاعر الآدميّة، بل أضحوا وحوشًا أقسى من كلّ المخلوقات التي أودعها ربّك على وجه الأرض.
قبل أن نردّ على دعاوى الرافضين لتنفيذ حكم الإعدام في حق القتلة، وجب أن نسجّل بكلّ وضوح، دون لفّ ولا دوران، أنّ حكم القصاص هو حدّ شرعي ثابت في الإسلام، بنصّ قرآني قطعي الدلالة، لا يحتمل التأويل ولا التفسير، إذ لا اجتهادَ مع النص، كما يقرّر علماء الأصول في الشريعة والقانون الوضعي على السواء، وبذلك يصبح كلّ تجاوز لإنفاذ القصاص في مجتمع مسلم هو تعدّ على حدود الله بالدرجة الأولى.
ثمّ إنّ الدولة الجزائريّة عبر دساتيرها المتعاقبة منذ 1962، وقبلها البيان التاريخي لأول نوفمبر، تقرّ بأنّ الإسلام دينُها، وقد تأسست في إطار مبادئه العليا، وعليه يصبح وجوبًا من مصادر التشريع الأساسيّة لها، وكلّ دعوة إلى إلغاء حكم الإعدام، في حالة القصاص على وجه الخصوص، هي امتهانٌ للدستور واستخفاف بقواعده السامية.
لا نفهم بأي حقّ يرفع دعاة تعطيل القصاص شعارات حقوق الإنسان لإسناد دعاويهم الباطلة، وكأنّ المجني عليهم ليسوا من بني الإنسان؟ وقد يجادل بعضهم فيزعم أن الضحيّة قد أفضى إلى بارئه، ولا يُقبَل أن نُزهق روحًا بشريّة أخرى لتصحيح الخطإ، وهنا وجب التأكيد أن حدّ القصاص في الإسلام حكمٌ تنفذه الدولة نعم، لكنه حقّ أصليّ لوليّ القتيل، لا يجوز للسلطة العامّة التصرّف فيه بأيّ شكل، وإنْ حبّب الإسلام في العفو غير أنه جعله رهين القبول من ذوي الضحيّة دون سواهم، ومن ثمّ فإنّ إلغاء حكم الإعدام ظلمٌ بيّنٌ واعتداء على حقوق هؤلاء المكلومين في فقدان قريبهم، فكيف نزيدهم جرحًا وإيذاءً بمصادرة حقّهم في القصاص لجبر خاطرهم؟
سيجد دعاة “العقلانيّة” حجة برّاقة بقولهم إنّ مصلحة المجتمع مقدَّمة على حقوق الفرد، أي إنّ الأوْلى هو صيانة أرواح المُجرمين على حساب إنصاف ذوي الضحيّة، ونحن أمام هذه الدعوة الواهية نصدّق الوحي الإلهي الذي وجّهنا مؤكدا “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”، ما يعني أنّ حماية النفس البشريّة، وهي على رأس المقاصد التي جاءت الشريعة الإسلامية بحفظها، منوطة بتطبيق حدّ القصاص حتى نصون حياة الأفراد بردع المجرمين عن التمادي في القتل دون وازع.
وإذ نشدّد على ضرورة الأخذ بحكم القصاص، فإنّه لا يغيب عن أذهاننا الهاجسُ الذي يعتري البعض بشأن الأحكام القضائيّة غير العادلة التي قد تطال الأبرياء في سياقات سياسيّة أو صراعيّة ماديّة محدّدة، وهو ما أدّى قبل 10 سنوات إلى خلاف علني بل سجال إعلامي، بين المرحومين عبد الحميد مهري وعبد الرحمان شيبان حول قضية الإعدام في الجزائر، فإنّنا نؤكد أنّ دعوتنا إلى تنفيذ حكم القصاص تقتصر على حالات القتل العمدي الصريح، في إطار عدالة مستقلّة تضمن نزاهة القضاء، فضلاً عن مقاربة إشكاليّة العنف المجتمعي بشكل جذري وشامل.

https://goo.gl/Ju6ENm
0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close