الجمعة 23 أوت 2019 م, الموافق لـ 22 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 06:04
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

بقلمالطيب بن إبراهيم

وَصَف الحَراك بـ”الريح في الشبك” فاصطاده “الشبك”

  • ---
  • 3

ح.م

بداية لست هنا منطلقا من موقف الشماتة في الوزير الأول السابق السيد أحمد أويحي، الذي أودع سجن الحراش يوم 12 جوان الحالي، لأن الشماتة ليست من المروءة، ولا من شيمنا، ومن قيمنا الدينية والوطنية والأخلاقية، لكن من جهة أخرى لا يمكن السكوت عن رجل بحجم أويحيى، كان احد ابرز أعمدة الدولة الجزائرية ونظام حكمها ما يقرب من نصف القرن من الزمن، خاصة خلال العقدين الأخيرين التي تردد فيها على رئاسة عدة حكومات، فالموضوع يفرض نفسه على العام والخاص، داخل الوطن وخارجه.

ومن جهة أخرى لا أتحدث هنا عن أي ملف من ملفات استدعائه وعلاقته برجال المال والفساد، ولا عن حجم فساده وممتلكاته وحساباته وعقاراته الداخلية والخارجية، ولا عن قراراته ومواقفه السياسية والاقتصادية التي أضرت بالبلاد والعباد، وهو الذي كان يعطينا دروسا في الوطنية والتضحية، لأن الملفات اليوم في يد العدالة، وهي مطلعة عليها بالتفصيل والدليل والأرقام والشهود والوثائق، وهي الجهة المؤهلة في قانونيتها واحترافيتها، ولكن أتحدث عن جانب مهم آخر، كان محور اهتمام وملاحظة من جل الجزائريين، وهو علاقة الوزير الأول أحمد أويحيى بشعبه ومعاملاته له وردود الفعل المتبادلة بينهما، خاصة خلال العقدين الأخيرين في عهد الرئيس بوتفليقة.

لقد التحق أويحيى لأول مرة بوزارة الخارجية سنة 1975 وهو شابٌّ في الثالثة والعشرين من العمر، وهناك كانت انطلاقتُه المبكرة في الاطلاع على كيفية التعامل مع العالم الخارجي عموما ومع فرنسا خصوصا، وازدادت معرفته ثراء من خلال وجوده بالبعثة الجزائرية في الأمم المتحدة وبعدة سفارات، فكانت انطلاقته الأولى نحو العالم الخارجي، كما عمل في حكم عدة رؤساء للجزائر بداية من الرئيس بومدين والشاذلي رحمهما الله، والرئيس زروال الذي ترأس في عهده أول حكومة له، والرئيس بوتفليقة الذي توالى على رئاسة عدة حكومات في عهده، فهو الأول من حيث عدد الحكومات التي ترأسها في عهد الجزائر المستقلة.

خلال خمسة عقودٍ تقريبا كان الرجل يتحرك بين أروقة نظام الحكم ويطلع على ما يجري في كواليسه، وكان ذلك في مختلف مراحل الرخاء والأزمات التي مرّت بها الجزائر، فكسب خبرة ودهاءً من أجل البقاء في الحكم مع صانعي الرؤساء، لكن على نقيض ذلك لم يكن الرجل يُحسن التعامل مع شعبه، والتقرُّب إليه، بل لم يكن يؤمن بقوة الشعب ولا بإرادته التي لا تُقهر ولا بثورات الشعوب، بل كان الرجل يجهل تاريخ شعبه الثائر. كان أويحيى ابن النظام الذي لم يؤمن بالديمقراطية ولا بالانتخابات ولا بنتائج الصندوق، باستثناء الشاذلي رحمه الله، كان يعلم علم اليقين انه مفروض على الشعب، وأن نتائج كل الانتخابات مزوَّرة إلا ما سمح به النظام، وكان هو نفسه أبرز مهندسي تلك التزويرات.

كان السيد أحمد أويحيى يمثل رجل مصالح الدولة العميقة الإقليمية بامتياز، التي لا تحدّ حدودها بحدود الجزائر، وكان يعرف ذلك، ويُحسب له حسابه، وحتى عندما علَّق على الحراك بعد انطلاقته واصفه بـ”الريح في الشبك”، لم يكن ذلك التعليق موقفا شخصيا، ولكن كان موقف الدولة العميقة، فهو مع القوي الواقف، والغاية عنده تبرر الوسيلة، لذا لم تكن العلاقة ودية يوما ما بين الشعب ورجل المهام “القذرة” أويحيى، وهو من اعترف بهذا الوصف وافتخر به يوما ما، كما عرف أويحيى بالتعالي والتكبُّر واحتقاره للشعب الذي حكمه عقودا، وكان يعرف أن الشعب ليس هو من يقف وراء وصوله للسلطة وبقائه بها، فبرغم طرده من طرف حزبه وخسارته في الانتخابات، وبرغم تزويرها، وبرغم كونه منبوذا، لكنه عاد لرئاسة الحكومة المرة تلو الأخرى رغم أنف الشعب.

لقد ساندت الدولة العميقة رجل المهام القذرة، الذي ضمِن لها مصالحها أكثر مما كانت تتوقع، فهي التي وقفت إلى جانبه وساندته في ترأس عدة حكومات المرة تلو الأخرى، ليس هذا لكفاءته، بورغم أخطائه وخطاياه، وهذا التردد على رئاسة عدة حكومات لم يحظ به غيرُه من رؤساء الأحزاب الذين يفوقونه شعبية ووطنية وكفاءة وتاريخا ونضالا، وعلى رأسهم المرحوم عبد الحميد مهري، زعيم حزب جبهة التحرير الوطني السابق، الذي لم يترأس أي حكومة ولو مرة واحدة في حياته، وهو الوطني المجاهد والمناضل والسياسي الوفي لوطنه منذ عهد الاحتلال ومرحلة الاستقلال إلى غاية وفاته، بل ضايقته وحاصرته الدولة العميقة حتى في وطنه وبين أهله!.

في الوقت الذي كان فيه أويحيى يعبث بالمال العام للجزائر ويبدّد الآلاف من المليارات من العملة الوطنية والأجنبية مع حاشيته وزبانيته، كان في نفس الوقت يقول للشعب الجزائري “الموس وصل للعظم”، ويجب أن يصل التقشف أقصاه، وكان أكثر عباراته شهرة وانتشارا استكثاره على الشعب أكل الزبادي “الياغورت” عندما قال: “ماشي لازم الشعب يأكل الياغورت”، وهي العبارة التي طاردته في الشوارع والمحاكم، وحتى أمام باب سجن الحراش، وأكثر أقواله كانت إيلاما للشعب قوله “جوِّع كلبك يتبعك”، وكان آخر قراراته في إطار سياسة “جوِّع كلبك يتبعك”، وفي إطار مشروع قانون المالية لسنة 2018، اتخذ قرار الرفع من قيمة الضريبة على الوثائق الإدارية المستخرَجة من الإدارة “بطاقة التعريف، جواز السفر، رخصة السياقة…”، والتي تجاوزت قيمة ضريبتها المليوني سنتيم، وقال عنها اويحيى إنها “في متناول الجميع”، وهي التي لاقت معارضة شديدة من قبل الجزائريين قبل أن يتدخل الرئيس بوتفليقة ويلغيها في بداية جوان سنة 2018. هكذا كان الجلاد يفكر في طريقة حكم وقيادة الشعب الجزائري. ولم يُتهم فقط من طرف الشعب، بل طاردته التهم حتى من طرف شركائه، وهو وزير عدل حكومته، الطيب لوح، الذي اتهمه قبل انطلاق الحراك بسجن إطارات جزائرية كانت تعمل في القطاع العام في منتصف التسعينيات، تمت تبرئتهم لاحقا، وبعد الحراك اتهم من قبل اقرب مقربيه بتهم اكبر منها العمالة..!.

وعلى نقيض ذلك التشدُّد والحسم والاحتقار مع الجزائريين، كان الغزل والتودُّد والتقرُّب اتجاه فرنسا متواصلا، ومحاولات كسب ودِّها وإرضائها تتم في أي مناسبة أو بدونها، وعلى سبيل المثال، وعندما هاجم الرئيس التركي اردوغان فرنسا سنة 2012، بسبب جرائمها في الجزائر، دافع عنها اويحيى متهما تركيا بـ”المتاجرة بدماء الجزائريين”. ومن مسلسل استفزازاته للشعب الجزائري، وأحفاد ثورة المليون ونصف المليون شهيد، تصريحاته الصيف الماضي “جوان 2018” لشركائه في الفساد المالي من رجال الأعمال القابعين معه في سجن الحراش، ومطالبته لهم بالتعاون مع “الأقدام السُّوداء” الفرنسيين، في الدفع بحركة الصادرات الجزائرية للخارج.

أما القطرة التي أفاضت الكأس، فقد تمّت قبل الحَراك بثلاثة أشهر فقط بفرنسا، وذلك بمناسبة مشاركة رجل المهام القذرة في احتفالات مائوية الحرب العالمية الأولى التي احتضنتها فرنسا شهر نوفمبر سنة 2018، حضرها أويحيى ممثلا للجزائر، وفي كلمة له وصف المليون ونصف المليون شهيد بـ”القتلى”، وهذا في شهر نوفمبر، شهر الثورة المباركة التي حررت الجزائر بعد 132 سنة من الاحتلال الفرنسي، ومن أرض فرنسا المحتلة، وصف الثورة وفي شهرها بأنها مجرد “حرب”، هكذا، وبعد أن كان اويحيى يتطاول على الأحياء بلغ به المقام التطاول على الشهداء والتاريخ، وكان ذلك استرضاءً لفرنسا لدعمه كرئيس مرتقب للجزائر، ولم يكن ذلك التصريح خطأ أو زلّة لسان لرجل متمرِّس في بعثة بلاده بالأمم المتحدة وسفيرا لبلاده، ورئيسا لعدة حكومات، وأخيرا سقطة وصفه للحراك بـ”الريح في الشبك”، كانت آخر خرجاته قبل أن يضطرَّه الحراك إلى تقديم استقالته يوم 11 مارس 2019.

لم يكن أويحيى كغيره من وزرائه الفاسدين الذين لازم صمتُهم فسادَهم، بل كان عدوانيا وهجوميا واستعلائيا على الشعب، والحقيقة أن رجل المهام القذرة كانت كل تعاليقه و”خرجاته” صادمة، وعباراته جارحة للشعب الجزائري، ومواقفه الصادمة اتجاه الشعب الجزائري لا تُعدُّ ولا تُحصى، ولا تُغتفر، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا، ليس هذا فقط بل جنَّد وزراء من طينته، وكونوا عصابة للقيام بـ”المهام القذرة”، ولم يكن الشعب الجزائري لا يعرف إلا رجلا واحدا للمهام “القذرة” لكن بعد إعصار الحراك، سقط القناع وافتضح أمر كل من اشترى وباع، وأصيب الشعب المسكين بالذهول وعدم التصديق، عصابة ارتهنت دولة الشهداء، واستحوذت على ثرواتها وأتلفت مقوماتها، وتم نهب المال العام، ونهب للعقار بآلاف الهكتارات، وشوّهت القيم والمبادئ…

لا أعتقد أن ما قام به رجل المهام القذرة مجرد خطأ يرتكبه أي كان، كأخطاء بقية شركائه من الوزراء، الذين كانت أخطاؤهم مرتبطة بحدود قطاعهم وحدود فترة استوزراهم، بل ما قام به كان يتجاوز الخطأ إلى الخطايا المتعمَّدة والمتكررة والتي كانت تمثل برنامجا متبعا وخطا سياسيا انعكس على المنظومة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية للدولة الجزائرية، وكأنه كان يمثل طرفا معاديا للجزائر يعمل على إنهاكها في تلك المجالات.

وفي المقابل، لم يكن الشعب وحده رافضا وغير راض بذلك الفساد السياسي، والتسيُّب في المال والثروات، فالجزائر أرض الجهاد والثوار والأحرار، أرض المليون ونصف المليون شهيد، لا تعدم من العظماء والخيّرين، وان تسلطت عليها عصابة من داخل الوطن ومن خارجه، فالخيّرون كانوا ينتظرون فرصتهم ليثوروا على الفاسدين، ولا نستغرب ذلك من أحفاد من ثاروا على فرنسا بعد قرن وربع قرن من الاحتلال والإلحاق والاستيطان، وطردوها شر طردة، وأولى محاولات الإصلاح، ووضع حد للفساد المالي كانت في صيف سنة 2017، فعندما تدخل الوزير الأول عبد المجيد تبون بعد أيام من توليه المنصب، وأعلن محاربته للفساد المالي المستشري، سخِرت منه العصابة وأطاحت به بسرعة البرق من دون اكتراث لأي جهة كانت في الدولة، وجاءت برجل المهام القذرة كضامن لبقاء الفساد وأجهزته ورجاله، وتراجع الطرف الفاعل من الخيّرين، والمؤيِّد لتبون في محاربة الفساد تكتيكيا، وانتظر حتى جاءت فرصة ثورة الحَراك التي حررت الشعب وجيشه من العصابة، جاءت ثورة الحراك ضد دولة الفساد “الدولة العميقة الإقليمية”، وحققت من النتائج ما لم يكن متوقعا، وصدق المولى عزّ وجلّ في قوله تعالى: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم “.

إن معاملة رجل المهام القذرة لشعبه بذلك الاستعلاء والاستهتار والاحتقار ولّدت له كراهية غير مسبوقة من طرف الشعب الجزائري، تجلت تلك الكراهية في فرحة الشعب مباشرة بعد إعلان العدالة عن حبس احمد اويحيى، ظهر ذلك الفرح والابتهاج والزغاريد في عدة مدن جزائرية، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي وسائل الإعلام، بل الاحتفال أقيم حتى بين نزلاء سجن الحراش فرحا بالضيف الجديد، وعلقت إحدى الجرائد الوطنية في صفحتها الأولى بالبنط العريض: “الشعب الآن فرحان” وذلك في اليوم الموالي لإدخاله لسجن الحراش.

هكذا كانت العلاقة بين أحمد أويحيى ومواطنيه، وبرغم ذلك كان الرجل يمنِّي النفس بأن يصبح رئيسا للجزائر، وأن يترك ذلك للقضاء والقدر، وفعلا تدخل القضاء والقدر ولكن في غير الاتجاه الذي لم يتوقعه احمد اويحيى في حياته، أنها نهاية مأساوية لرجل طالما حلم برئيس الجمهورية، وكان قاب قوسين منها، هذه النهاية تذكِّرني بنهاية زعيم عربي كان يشبِّه شعبه بالثعابين، ويعتبر إدارة شئونهم بالرقص على رؤوس الثعابين، فكانت نهايته هو الآخر أكثر مأساوية!.

أحمد أوحيى الحراك الشعبي الفساد

مقالات ذات صلة

  • سكوت.. إننا نتراجع

    من يستذكر سنوات الثمانينيات وما بعدها من أبناء جيلي يتذكَّر ـ دون ريب ـ ذلك الزخم الثقافي والفكري الكبير ممثّلا في عدد وافر من المطبوعات:…

    • 121
    • 1
600

3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • من الحراك

    اين هو شكيب خليل وطليبه والدين استفادوا من قضيه الخليفه وغيرها رؤوس الفساد كثيرون وربما الدين في الخفاء اكثر فسادا

  • رضا

    يؤيد كل ما جاء في هذا المقال . والكاتب اصاب كبد الحقيقة , اويحي تصرفاته اتجاه الشعب تتسم بالحقد والبغض برغم ان الشعب لم يفعل شيئا له حتي يكن له كل هذا البغض , الشخص الذي تتوفى امه وهو مازال يعمل وليس له الوقت ليحظر لجنازة امه , فهو انسان قاسي القلب لا رحمة فيه

  • شخص

    قالها الشاعر :
    إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر

close
close