-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

يتحرّزون من قطرات الماء ويبتلعون حقوق الآخرين!

سلطان بركاني
  • 1493
  • 6
يتحرّزون من قطرات الماء ويبتلعون حقوق الآخرين!

من الأحوال اللافتة في الشّهر الفضيل، أن تجد بعض الصّائمين يتحرّزون تحرزا شديدا من أن يدخل إلى أجوافهم “شيء” في نهار رمضان، فيحتاط الواحد منهم من قطرات ماء الوضوء، ويظلّ يبصق مرارا وتكرارا بعد إتمام وضوئه حذرا من ابتلاع قطرة من قطرات الماء المتبقّي في فمه، وتجد منهم من يسأل عن غبار الطّريق وعن قطرة العين والأذن وعن المراهم الجلدية، ويأخذ في أكثر المسائل بالأحوط، وربّما يضيّق على نفسه في كثير من مباحات الصيام، بل قد يصل إلى درجة الوسواس.. لكنّك في مقابل هذا تجده لا يتحرّز من أكل أموال النّاس في رمضان وفي غير رمضان، ولا يتحرّز ممّا يخرج من جوفه من كلام قد يهدّ صيامه أو يمحق أجره!

الأخذ بالأحوط في مسائل الصيام مشروعٌ، ما لم يصل بصاحبه إلى الحرج والوسواس، لكنّ الاحتياط مطلوب من باب أولى فيما يخرج من جوف المسلم في رمضان وفي سائر الشّهور، لأنّ الهلكة كلّ الهلكة في ما يقذفه اللّسان من كلمات قد تجرّ على المسلم سخط الله، وقد تحمّله أوزارا تهوي به في النّار يوم القيامة، حين يسبّ إخوانه ويسبّ والديهم في خلاف تنشبه وتذكيه الأنفس الأمّارة بالسّوء، أو يصل به الأمر إلى أن يلَغ في أعراضهم ويغتابهم ويبهتهم، فيكون حظّه من صيامه الجوع والعطش فضلا عن جبال الأوزار التي تكتب في صحيفة سيّئاته: يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “من لم يدع قول الزّور والعمل به فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” (رواه البخاري)، ويقول: “رُبّ صائم حظّه من صيامه الجوع والعطش، ورُبّ قائم حظّه من قيامه السّهر” (رواه أحمد).

ما قيل عن الاحتياط فيما يلفظه الجوف من كلام قد يمحق أجر الصيام ويثقل ميزان السيئات، يقال أيضا فيما يدخل إلى الجوف –أو الجيب- في ليالي رمضان وفي سائر أيام العام من حقوق الآخرين؛ فليس يُفهم أبدا أن يكون المسلم شديد الاحتياط من قطرات الماء في نهار رمضان، وهو الذي يروي نهم نفسه من أموال النّاس؛ فربّما تجده قد أكل حقّ أخواته اليتيمات من ميراث العقار أو حتّى ميراث المال، بحجج يزيّنها له الشّيطان، وربّما تجده قد أخذ من حقوق أقاربه ما هو كافٍ لتطوّق به الأرضون السّبع، وأخذ من حقوق جيرانه ما أثار سخطهم وجرّ عليه دعواتهم، وربّما يحتال في تجارته فيغشّ في النّوع ويطّفف في الميزان ويكتم العيوب ويغالي في الأسعار، وربّما لا يتورّع عن أخذ الرّبا وأكله، وربّما يغرف من المال العامّ ويتوسّع في استغلال الممتلكات العامّة لمصلحته الشّخصية بلا حدّ، وربّما لا يتورّع عن أخذ الرّشاوى عن كلّ خدمة يقدّمها ولو كان يتقاضى مقابلها راتبا شهريا من وظيفته! يأخذ الرّشاوى ويتفنّن في تبريرها وتسميتها، ولا يرحم معدما ولا محتاجا!… بل قد تجد من المتورّعين عن قطرات ماء الوضوء ومن القائمين في صفوف التّراويح من يجمع كلّ هذه البلايا، ومع ذلك يجد من يلقّبه بـ”الحاجّ” ويقدّمه في المجالس ويثني عليه!

قد يَخدع الإنسان نفسه بهذا التّناقض ويخدع كثيرا ممّن هم حوله، لكنّه –أبدا- لا يخدع المَلك المكلّف بميزان سيّئاته، ولا يخدع خالقه العليم الخبير سبحانه، ويكفيه خسرانا أن يسقط من عين الله، فيُملي له ويختم على قلبه، فلا تحدّثه نفسه بتوبة أو إصلاح، مهما رأى من موت الخلاّن والأصدقاء من حوله، ومهما اعتراه من أمراض وأسقام، حتّى يلقى الله على حاله وسوء فعاله، فيجد أمرا آخر لم يكن يحسب له حسابه، ويحيق به ما كان يحتقره ويراه هيّنا: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • خليفة

    للاسف حالنا كمسلمين يندى له الجبين ،حيث صار انتماءونا للاسلام بالاقوال لا بالافعال ، ترانا نتزاحم على المساجد و الصفوف الاولى ،و لكن حين نخرج من المسجد نفعل ما نشاء و ما تمليه علينا اهواءونا و غراءزنا ،حيث نغش في الكيل و الميزان ،و نبالغ في رفع الاسعار ،و نحتكر السلع و نضارب ،و نكذب ،و نتفوه بالكلام الفاحش و نفعل كل المحرمات ،و مع كل هذه المنكرات ندعي باننا مسلمين ،و يكتفي بعضهم بارتداء القميص ،و اطلاق اللحية ،و حمل السواك،لاقناع الآخرين بانه مسلم و يطبق السنة ،و لكن في عمله و تجارته و علاقاته مع الناس لا تجد اثر للشريعة في تصرفاته، و من هنا حضر المسلمون و غاب الإسلام ،و سيعود هذا الاخير غريبا كما جاء غريبا فطوبى للغرباء،نسال الله ان يردنا اليه ردا جميلا و ان لا يواخذنا بما فعل السفهاء منا.

  • عمر

    سُئل أحدُهم -ربما الحسن البصري- عن قيام الليل، فكان جوابه: اتّقِ الله بالنهار ونم بالليل.

  • سعيد

    لأننا فهمنا أن ه‍ذه العبادات الشعائرية أنها غاية وهدف وليس وسيلة لإصلاح الإنسان وتزكيته وتهذيبه.

  • شاوي حر

    بارك الله فيك وفي قلمك يا أستاذ سلطان لقد لمست بقلمك ،ومن خلاله ما كتبت في مقالك القيم ،ماكان الواحد منايراه بأم عينيه من تكلف من بعض الناس في ابداء الورع المزيف وفي حقيقتهم لا يتورعون في هضم وبتلاع اموال الناس بالباطل بدون خوف من الله من عاقبة افعالهم الشنيعة .

  • المتأمِّل في بلدي

    أصبت في تحليلك. جزاك الله خيرا

  • كمال

    أحسنت مقال في القمة وهو موعظة لمن يتعظ .