-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

يتغايرون تغايُر التّيوس في الزريبة!

سلطان بركاني
  • 2038
  • 3
يتغايرون تغايُر التّيوس في الزريبة!
أرشيف
الشيخ علي فركوس

الدّرَك السّحيق الذي انحدرت إليه الطّائفة المصطلح على تسميتها بـ”المدخلية” مؤخّرا، يدعو -حقيقة- إلى الشّفقة، ليس على الرؤوس الذين حصل بينهم ما يحصل بين تيوس الزريبة؛ كلٌّ منهم يحبّ أن يكون رأسا ومرياعا! كما قال ابن عباس -رضي الله عنه-: “يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة”، إنّما من يستحقّون الشّفقة -حقا-هم الأتباع الذين تفرّقوا بتفرّق شيوخهم طرائق قددا، وسرت بينهم العداوات والمشاحنات، وبلغ بهم الأمر إلى حدّ الطّعان في بعض السّاحات!
بعد أن كنّا نسمع بـ”سلفية علمية” في مقابل “الحركية”، يقال عنها إنّها التي تمثّل منهج السّلف في زمان الخلف؛ تفرّقت هذه السلفية العلمية طرائق قددا، عندما نُصب لأتباعها صنم يطاف حوله ويُعقد عليه الولاء والبراء بدل كلمة التوحيد، هو هذا “المنهج”! الذي يقوم على نسخة هجينة محرّفة من علم الجرح والتعديل، تشقّ صفّ المسلمين وتشغل الأتباع بتصنيف العلماء والدعاة والعاملين لدين الله والطّعن فيهم، بدل التصدّي للإلحاد والنّفاق والعلمانية، في وقت تتعرّض فيه الأمّة لحملة صليبية نفاقية جديدة استهدفت دينها ومقدّراتها.

العجيب في أمر هذا “المنهج” أنّ زمامه أعطي رجلا وُصف بأنّه حامل لواء الجرح والتعديل، وخُصّ بكونه مرجعا في الحكم على علماء الأمّة ودعاتها، ليس لأنّه عالم العلماء، إنّما لأنّه قدّم طقوس الولاء لجهة انتُدبت لفتنة الأمّة وإشغالها بنفسها، صنعت له هالة من التقديس! ومكانة لم يبلغها أئمّة الجرح والتعديل في زمانهم كالإمام ابن عيينة وابن المديني وابن معين! حتّى غدت مخالفة إمام الجرح في هذا الزّمان أمارة يُعرف بها أهل الأهواء والبدع! وأضحى كلّ من تسوّل له نفسه التردّد في موافقة “الإمام” يضمّ اسمه إلى قائمة المجروحين الذين ينفّر منهم الأتباع ويحذّرون من الأخذ عنهم!

عُرفت هذه الطّائفة بشراستها واستماتة أتباعها في الدفاع عن الحكام ومنع الحديث عن أخطائهم، في مقابل الجرأة على العلماء والعاملين والمصلحين، واستباحة الطّعن فيهم والتشهير بهم والتّحذير منهم.. وعلى الرّغم من أنّ رؤوس “المدخلية” يعلّمون الأتباع بأنّ طائفتهم التي ينتمون إليها هي الجماعة التي تمثّل الإسلام الذي كان على عهد السّلف، إلاّ أنّها أخذت في الانشطار، وأصبح من كان يزكّي أخاه ويثني عليه ويوصي بالأخذ عنه ولزوم غرزه، يطعن فيه بأقسى العبارات وأحدّها، وربّما جرّده من رداء السلفية وأهل السنّة وألبسه رداء أهل البدع! بسبب خلاف طارئ حول تجريح عالم أو داعية!

انشقت عن المدخلية طائفةٌ جديدة سميت “الحربية” نسبة إلى فالح الحربي، ثمّ انشقت طائفة أخرى عرفت بـ”الحدادية” نسبة إلى محمود أحمد الحداد المصري الذي فاق في غلوه غلو ربيع المدخلي، وانشقت “الحجورية” نسبة إلى يحيى الحجوري اليمني الذي حظي بمؤازرة دعاة سلفيين لم يرتضوا منهج المدخلي، منهم علي الحلبي الأردني وأبو الحسن المأربي.. ثم ما لبثت الحجورية أن تفتتت إلى أكثر من 14 فرقة.. وهكذا توالت الانقسامات، حتّى حصلت فتنة “محمّد المدخلي” التي انقسم المداخلة على إثرها إلى صعافقة ومصعفقة!

في الجزائر كان الشيخ محمّد علي فركوس يترفّع عن الدخول في تصنيفات المداخلة ويأبى تبني أحكامهم، وكان يتحدث على استحياء عن فتنة التجريح ويحذّر منها، لكنه بعد إسقاط الشيخ العيد شريفي الذي كان أكبر أخطائه تقليله من قدر وأعلمية ومرجعية الشيخ ربيع المدخليّ! وبعد إعمال مبضع الجرح في دعاة سلفيين آخرين منهم أبو سعيد الجزائري وعبد الحليم توميات وابن حنفية العابدين ومحمد حاج عيسى؛ بعدها بدأ الشيخ فركوس يأرز إلى بيت الطاعة المدخلي رويدا رويدا.
إلى أن نشب الخلاف بينه وبين عدد من رموز التيار في الجزائر على خلفية الموقف من محمّد المدخلي وخلافه مع ربيع المدخلي، فانقسمت المدخلية الجزائرية بدورها إلى صعافقة ومصعفقة، قبل أن ينقسم الصعافقة بدورهم إلى واضحة ومغمغمة، والمصعفقة إلى فراكسة وسناقرة!

مدخليون كانوا بالأمس يدافعون بحدّة وضراوة عن الشيخ فركوس ويوالون ويعادون عليه ويعدّونه أعلم أهل الجزائر وأولاهم بتمثيل المنهج السلفي، انقلبوا فجأة إلى مناوئين يبحثون عن زلاته ويصفونه بالمغرور وصاحب النفَس الخارجيّ، لأنّه خالف بعض شيوخهم في مسألة الإنكار العلني على الحكام! وآخرون بإزائهم كانوا ينافحون عن الشيخين لزهر سنيقرة وعبد المجيد جمعة حينما كانا تحت جناح الشيخ فركوس ولوائه، لكنّهم انقلبوا عليهما فجأة وصنّفوهما.. والحقّ يقال إنّ مخالفي الشّيخ محمّد علي فركوس من شيوخ التيار المدخليّ في الجزائر لا يبلغون مقام الشّيخ في العلم ولا يدانونه، لكنّه -من جهته- قد أخطأ باعتناقه هذا “المنهج” الدّخيل، ودخوله معترك التّجريح والتّصنيف وسعيه للاستئثار بحمل لوائه في الجزائر، فكان لا بدّ والحال هذه من أن يسقط ويشرب من الكأس التي أراد أن يسقي منها غيره.

العجيب في أمر الطّائفة المدخلية، أنّه مع كلّ هذا الغبار المثار وهذه الهوشة التي أصبحت مادّة للتندّر في الأوساط العامّة والخاصّة، لا يزال بعض الأتباع في مستنقع التحزّب والتّصنيف يسبحون، وكلّ يأخذ من جراب الألفاظ القادحة والعبارات القاسية ما يطعن به في الطّرف الآخر ويقذعه، معتقدين أنّ سعيهم نصرة للدّين والمنهج القويم! ولم يتفطنوا -رغم وضوح الدّرس- إلى أنّ هذه الخلافات والانقسامات والانشطارات هي عقوبة من الله على استطالتهم في أعراض العلماء وسعيهم بالفرقة والفتنة في أمة الإسلام في هذا الظّرف العصيب! ولم يدركوا أنّ سبب هذه الحروب الدونكيشوتية هو الانقياد لأهواء النّفس وشهوة التصدّر، فكلّ واحد من المختلفين يريد أن يكون هو الرأس وهو المصدر والمرجع في الحكم على النّاس، وقد شهد كثير من السلفيين المنصفين بهذه الحقيقة، ومن ذلك ما نقله الشيخ عبد الحليم توميات، حيث ذكر أنّه بعد تصنيفه والتّحذير منه من قبل عبد المجيد جمعة ولزهر سنيقرة، لأجل أنه أبى الانضمام إلى منهج الجرح والطّعن، انطلق بصحبة بعض الدعاة السلفيين إلى الشيخ فركوس، فجلسوا بين يديه وقالوا: “جئنا إليك لنتوب، وإذا كان من شروط التوبة معرفة الذنب الذي تجب منه الأوبة، فنرجوا أن تبين لنا ذنوبنا وتوضح لنا أخطاءنا التي أُخرجنا بسببها من السلفية، فنتوب منها ونوحد الصف السلفي”، فما كان جواب الشيخ فركوس إلاّ أن ضحك، وبعد جلسة دامت ساعات لم يختلفوا فيها على أنهم على طريق واحد، قال لهم فركوس: “أنا لا أستطيع الدفاع عنكم إلاّ إذا صرتم تزورونني، وترجعون إليّ وتمشون في الخط معنا”!

هذه الشّهادة -وغيرها كثير- تبيّن بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ المعضلة تتعلّق بأهواء النّفوس الأمّارة بالسّوء ولا علاقة لها بالدّفاع عن دين الله وصون حياضه ولا بالعضّ على السنّة والذّود عنها، كيف لا وقد أصبحت زيارة الشّيخ والرّجوع إليه دون سواه والسّير في خطّه، شروطا أساسية لنيل التزكية!

لقد آن للأتباع المغرّر بهم أن يعودوا إلى رشدهم، ويحفظوا دينهم، ويريحوا أمّتهم، وينأوا بأنفسهم عن هذه النّزاعات التي تحصل بين الأقران بسبب أهواء النّفوس.. من بدا له أنّ الشّيخ فركوس هو أعلم أهل الجزائر! وأراد أن يقلّده، فليأخذ عنه ما ينفعه في دينه، ولا يلزم نفسه الإذعان للأحكام التي يصدرها الشّيخ في حقّ الدعاة والعاملين لدين الله، وهكذا من أراد أن يقلّد غيره.. العصمة قبرت بدفن الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهي لمجموع الأمّة وليست لطائفة منها، فضلا عن أن تكون لداعية ألزم نفسه أصول طائفة من الطّوائف وانكفأ عليها.

السّلفية التي عرفتها الأمّة على مدار قرون مضت، ليست هي هذه التي يراد لها أن تشغل الأوساط الدعوية، والإسلام الذي ارتضاه المولى سبحانه دينا للبشرية لا يمكن أبدا أن يحشر في نطاق سلفية ناصحة، فضلا عن أن يحشر في بوتقة سلفية ناطحة يتولّى قيادَها وتمثيلها من لم يسجِّل موقفا مشرّفا في تبنّي قضايا الأمّة المصيرية وفي نصرة المسلمين المقهورين في أرض الله الواسعة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • جلال

    من أراد أن يدعو فعلا فليذهب الى أدغال افريقيا أو الأمزون أو جزر الوقواق أو مارس لقد سبقهم مع الأسف الآباء البيض ومسّحوا العالم وهم هنا يفتون لنا هل الجراد حلال أم حرام وبما أنهم يتصدرون المشهد الإسلامي فسيحاسبون على تقصيرهم في عدم نشر الإسلام في الأماكن التي لم يصلها.

  • جلال

    لقد كثر الدعاة ربما على أبواب جهنم, لقد ساهم كثير منهم على عكس ما تمنوا في زيادة عدد الملحدين، الذين احترموا عقولهم ورفضوا هذا الإله الذي قدمته الثقافة الموروثة لقد فهم المسلمون الأوائل دينهم على ضوء ما وجدوه من فلسفات نظرية وافدة واساطير وخرافات عن الخلق والكون في أمم سبقتهم في هذا المجال واصبحت من الدين أو اعطيت تفسيرات وترهات باطلة للدين وتركوا البحث في العلم المادي الذي أمرهم الله به (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) لكان خيرا لهم وانفع لما استكانوا ووهنوا إن العالم لا يعتبر عالما الا إذا كانت له بعض الإحاطة بعلوم ومعارف الكون ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) أي علماء بالحياة والأحياء إن التمكن من الدنيا أمر لا بد منه للتمكن للدين ) هذه الثقافة التي ينهل منها هؤلاء الرسل الجدد, نصبوا أنفسهم دون وحي من الله ( لأن الداعية الحقيقي هو المرسل من عند الله:أدعو الى سبيل ربك) فهم دعاة لمن وفيمن ؟ ونحن والحمد لله مسلمون, فهل هناك إسلام جديد لندخل فيه؟ وهم أصلا متشبثون بما قاله بعض السلف ولا يريدوننا أن نتجدد فالتجدد عندهم ضلالة وهى بدعة في النار

  • جزايري حر

    بارك الله فيكم وعسى الله أن ينفع الشباب بهذه النصيحة الثمينة. وأما منهج التلقين والتقليد الذي تقوم عليه هذه التيارات دون إعمال النظر في الأدلة والأقوال ،والانحياز الذاتي والتحزب على الأشخاص ، فبعيد أن يؤوب هؤلاء إلى الصواب إلا أن يشاء الله.