-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

يمكن للجزائر أن تتميز بتجربتها…

يمكن للجزائر أن تتميز بتجربتها…

تنقسم البلدان العربية من حيث طبيعة النظام السياسي إلى مجموعتين كبيرتين:مجموعة الحكم الوراثي (ملكية، إمارة، سلطنة) ومجموعة الحكم الجمهوري أو التي هي دستوريا كذلك…

الغريب في الأمر أن أنظمة الحكم الوراثي إما تجمع بين الاستقرار والرّفاه، أو بها استقرار نسبي ولا تُوجَّه لها أصابع الاتهام فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان والحريات العامة، ولا تُطالب من قبل الغرب بمراحل انتقالية نحو الديمقراطية، ولا تُتَّهم بالدكتاتورية أو الحكم الفردي أو حكم الأقلية الارستقراطية أو حكم القبيلة… إلخ، بل ويُضرَب ببعضها المَثَل في التطور والازدهار الناتج عن حسن التسيير والإدارة، يتم ذلك أحيانا حتى من قبل بعض نخب أنظمة الحكم الجمهوري…

أما أنظمة الحكم الجمهوري فتعيش في غالبيتها إما مرحلة انتقالية بلا أفق مليئة بالاضطرابات الدموية والصراعات غير المحدودة، أو هي  متهمة بأنها دكتاتورية لا تحترم حقوق الإنسان، والأقليات، والحريات بشكل عام وحرية التعبير، التدين، المرأة بشكل خاص… ناهيك عن اشتراك هذه الدول جميعا في انعدام الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية…

يطرح البعض مثل هذا التصنيف لتبرير التخلي عن التطلعات الجمهورية لصالح دعوات خفية لعودة أنظمة الحكم القديمة بما في ذلك المَلَكية والإمارة، ويقدمه آخرون على أساس  أن الشعوب العربية والإسلامية لا تَصلح معها سوى أنظمة حكم الفرد سواء أكان ملِكا أو أميرا أو عسكريا… أما أنظمة حكم المجموعة (برلمان أو حكومة منتخبة) فلا يمكنها إلا أن تجلب الصراعات غير المنتهية والدمار…

ويغفل الكثير عن مسألة جوهرية هي في حقيقة الأمر أساس التصنيف ومن أسباب الرفاه أو الاستقرار أو العكس. هذه المسألة هي مدى الولاء للغرب ولرمزيته في المنطقة الكيان الصهيوني. سيُصبح أي نظام ـ مهما كانت صفته (جمهوري، ملكي، إمارة) مقبولا إذا ما دخل ضمن دائرة المشروع الغربي وأعلن الولاء له (حتى وإن خالف خلافا جوهريا قيم الديمقراطية الليبرالية في الجانب السياسي)… وسيُصبح مرفوضا بقدر ابتعاده عن دائرة الولاء هذه، (حتى ولو طبق أحسن أنواع الديمقراطية). يكفي أن تُسفر الانتخابات الحرة في بلداننا عن توجه وطني أو إسلامي رافض للهيمنة الغربية والتغريب لكي يتم الانقلاب على الانتخابات وعلى الديمقراطية واعتبارها تهديدا للغرب ومن ثم تدميرها.

بما يعني أن المعركة الحقيقة هي في كيفية التحرر من الهيمنة الغربية أكثر مما هي في كيفية الدخول في مرحلة انتقالية نحو الديمقراطية أو تجسيدها في الميدان. تتحقق الديمقراطية في نظر الغربيين عندما تُفرِز أنظمة سياسية موالية لها ولو كانت دكتاتورية، وهي غير مقبولة إذا ما أفرزت أنظمة وطنية غير موالية لها، أما إذا أفرزت أنظمة ذات توجه إسلامي فينبغي التضحية بالديمقراطية ودعم الدكتاتورية لإسقاطها. ويكون ذلك عملا جليلا إن لم يكن واجبا على الغرب التضحية من أجله…

ولعل بلادنا هي اليوم في أفضل رواق للبرهنة على صحة هذا الطرح. لم تقبل بالهيمنة الصهيونية، وتسعى للتحرر من الهيمنة الفرنسية بتوجهها الجديد، وتعمل على تضميد جراح الجمهوريات الشقيقة التي تسعى لاسترداد ذاتيتها الحضارية ونموذجها في الحكم… يبقى عليها، بعد إعادة إرساء المؤسسات المنتخبة داخليا، العمل على تجسيد نموذج رائد في الرفاه الاقتصادي، لكي تستعيد زمام المبادرة. وذلك هو التحدي القائم اليوم لكي يستعيد شبابنا ثقته، وقبل ذلك أمله في أن بلادنا يُمكنها بحق أن تتميز بتجربتها…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!