الخميس 09 أفريل 2020 م, الموافق لـ 15 شعبان 1441 هـ آخر تحديث 19:52
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

يوم أحرق المرابطون كتاب أبي حامد الغزالي

نور الدين بحوح كاتب ومترجم
أرشيف
  • ---
  • 8

1ــ مكاشفة ودعوة وزوال ملك:

دخل رجل كثّ الّلحية على رأسه كرزيّ صوف، متدثّرا بكساء مغاربيّ المدرسة النّظاميّة ببغداد، فصلّى ركعتين ثم أقبل على الشّيخ أبي حامد فسلّم عليه، فسأله أبوحامد من أيّ البلاد الرجل؟ فقال من أهل المغرب، قال أدخلت قرطبة؟ قال نعم! قال فما حال فقهائها؟ قال: بخير، قال: هل بلغهم الإحياء؟ قال: نعم! قال فما قالوا فيه؟ فلزم الرّجل الصّمت حياء منه، فعزم عليه ليقولنّ ما طرأ، فأخبره بإحراقه وبالقصّة كما جرت، فتغيّر وجه الشّيخ أبي حامد ومدّ يده إلى الدعاء والطّلبة يؤمّنون، فقال: اللّهم مزّق ملكهم كما مزّقوه، وأذهب دولتهم كما حرّقوه! فقال الرّجل المغربيّ: أيّها الامام ادع الله أن يجعل ذلك على يدي! فتغافل عنه أبو حامد، فأخبره بمثل الخبر المتقدّم، فتغيّر ودعا بمثل دعائه الأوّل، فقال له الرّجل: على يدي يا امام! فقال أبوحامد:أخرج يا شيطان سيجعل الله ذلك على يدك! فقبل الله دعاءه. وخرج الرّجل المغربيّ من هناك إلى بلاد المغرب برسم تحريك الفتن وقد علم أنّ دعوة الشّيخ لا تردّ، فكان من أمره ما كان.
كان ذلك الرّجل هو المهدي محمّد بن تومرت الزّعيم الرّوحي لدعوة الموحّدين الّذي ثار على المرابطين وأزال ملكهم. وأمّا الرّاوي فهو ابن القطّان (الابن) المراكشي المولود في بداية القرن ال7 الهجري الّذي أورد الرّواية في في كتابه”نظم الجمان فيما سلف من أخبار الزّمان” في معرض حديثه عن رحلة ابن تومرت الى بغداد ولقائه بحجّة الاسلام ابي حامد الغزالي. ودعوة الأخيرعلى المرابطين وعلماء أهل الأندلس الّذين أفتوا باحراق كتبه.
والّذين ترجموا لابن القطّان ذكروا أنّه كان موظّفا عند خلفاء الموحّدين وأنّ أباه أيضا كان موظّفًا عندهم وأنّه كان وثيق الصّلة بدولتهم ومن المقرّبين من خلفائها وأنّ يعقوب المنصورهو أوّل من قرّبه فنال منه حظوته،حتّى صار متفرّدا بالرّئاسة،قويّ النّفوذ،ومن أكبر دعاتهم،وأبرز رجالاتهم. وضع قلمه في خدمة خلفاء الموحّدين، ودافع عنهم الى حدّ الغلوّ وما هذه الرّواية التي اخذناها من كتابه “نظم الجنان” إلاّ صيغة دعائيّة عن ابن تومرت ومحاولة لإيجاد صبغة دينيّة لدعوته ومبرّرات شرعيّة لثورته على المرابطين.
فالفحص عن شخصية الرّاوي والتّنقيب في الفترة التي كتب فيها روايته تُبيّن بجلاء أنّ ظروف ذلك العصر والوسط السياسي والبيئة الفكرية التي عاش فيهما هي الّتي شكّلت أحداث هذه الرّواية وشكّلت أيضا نمط تفكير المؤرخ ونمط سلوكه من المرابطين بالارتداد الى مثل هذه الروايات في محاولة لتفسير بواعث ثورة ابن تومرت عليهم والرّبط بينها وبين دعاء الامام الغزالي عليهم بتمزيق ملكهم، وزوال دولتهم ممّا يعطي الثّورة صبغة دينيّة ومبرّرا شرعيًّا. فالكاتب روى حدثا لم يعش وقائعه، ولا نقل عن أحد كان قريبًا منها، بل نقل بسذاجة تامة معلومة تاريخية من خصم المرابطين والمتحاملين على دولتهم دون أن يفحصها ليتبيّن بطلانها من صدقها.
فالمؤرخ الموظّف في مؤسّسة حكومية لا يتحرّج من أن يسوق أحداثا ووقائع تبيّن ما ينبغي أن تكون عليه دولة المرابطين لا ما كانت عليه حقًّا.أو مثلما قال هيجل في كتاب “العقل في التّاريخ” عندما نحى باللاّئمة على المؤرّخين الألمان لمّا لجأوا الى ما يسمّيه في سخرية ب”النقد العالي” في اللغة والتاريخ حين اتّخذوا من هذا العلوّ ذريعة لتشويه التّاريخ وذلك بدسّ وقائع مضادّة للتاريخ أوحت لهم بها خيالاتهم العابثة لتحلّ محلّ المعطيات التاريخية”.
وإذا كان موضوع إحراق كتاب الاحياء لم يرد حتّى عند أبي بكر بن عليّ المكنّى بالبيذق تلميذ ابن تومرت و مؤلف سيرته “أخبار ابن تومرت”، وورد في رواية ابن اليقظان الّذي ذكر أيضا أنّ تاريخ الاحراق كان سنة سبعة وخمسمئة بأمر السّلطان المرابطي علي بن يوسف وأنّه أُحرِق بقرطبة على الجانب الغربي من رحبة المسجد بجلوده بعد إشباعه زيتا، بمحضر جماعة من أعيان النّاس. وأنّ الإحراق جرى بتوجيه من فقهاء الدولة المرابطية بعد إصدار قاضي الجماعة محمد بن حمدين فتواه بتكفير الغزالي بسبب ميولاته الصّوفية والفلسفية. وأنّ الحملة على كتاب الغزالي استمرّت حتى بعد وفاة السّلطان علي بن يوسف. فقد وجّه ابنه تاشفين رسالة إلى عمّاله وقضاته يقول فيها:” فمتى عثرتم على كتاب بدعة أو صاحب بدعة فإيّاكم وإيّاه، وخاصة وفّقكم الله كتب الغزالي. فليتتبع أثرها وليقطع بالحرق المتتابع ضرها”.
فالحرق لم يثبت إلاّ عند ابن القطّان إلاَّ أنَّ الاعتراض على الكتاب قد ثبت في أغلب كتابات فقهاء تلك الفترة سواء من كانوا في بلاد المغرب أو من كان في بلاد الأندلس ممّن تصدّوا لكتابات ابي حامد، وللذّكر فليس كتاب “الاحياء” وحده الّذي تعرّض للنّقد وانّما أيضًا كتب أبي حامد الفلسفيّة التي قال عنها ابن طفيل الفيلسوف الأندلسي في كتابه حيّ بن يقظان “وأما كتب أبي حامد الغزالي فهي بحسب مخاطبته للجمهور،تربط في موضع،وتُحِل في آخر،وتكفر بأشياء تم تحلّلها”. وأهمّ تلك الكتب بعد الاحياء كتاب “تهافت الفلاسفة” الّذي انتقده ابن رشد أيضًا.
واذا كانت كتب التاريخ والسّير قد ضنّت علينا بالمعلومات الكافية عن المؤرّخ ولم تمدّنا إلاّ بما كتبناه فإنّها عملت عكس ذلك مع حجّة الاسلام ابي حامد الغزالي ففصّلت حياته تفصيلا طويلاً. لكن الّذي يهمّنا في هذه الفقرات هوالأزمة الرّوحيّة التي عرفها الغزالي والتي جعلته يتنقّل من حال إلى حال. والاضطراب الفكري الّذي حصل له، وجعله ينساق وراء التّصوّف ويستقرّعليه، ثمّ تحوّله من البحث في الفلسفة الى محاربتها وتكفير المنشغلين بها.

2ــ رجل أمرضه الشّفاء:

فالغزالي هو حجّة الاسلام أبوحامد محمد بن محمد شافعي المذهب أشعري المعتقد، أجمع أنصاره وأعداؤه أنّه كان ذا ذكاء مفرط وعقل كامل وأنّه كان سديد النظر صاحب الاشارات اللّطيفة والنّكت الدّقيقة، أعجوبة الدّهر والزّمان وبحر العلوم في الفقه والأخلاق والفلسفة والأصول. صاحب التآليف الكثيرة: أوصلها البعض الى 228 كتاب بين منشور ومخطوط أميزها: كتاب “إحياء علوم الدّين” و”تهافت الفلاسفة” الذّين وصلا الى المغرب العربي فكان لفقهائه وفلاسفته موقفًا منهما.
ولد أبوحامد بطوس ببلدة غزّالة التي ينسب اليها سنة 450هجرية 1058م من أبٍ فقير صالح لا يأكل إلاّ من كدّ يده. أوصى به وبأخيه عند مماته إلى صديق متصوّف فتلقّيا على يديه تعاليم الاسلام الأولى، فلمّا مات أقبل الصوفيّ على تعليمهما حتى نفد ما خلّفهما لهما أبوهما من المال ولم يستطع الصوفيّ الإنفاق عليهما، عند ذلك قال لهما: “اعلما أنّي قد أنفقت عليكما ما كان لكما وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي فأواسيكما به وأصلح ما أرى لَكمَا أن تلجآ إِلى مدرسة كأنّكما من طلبة الْعلم فَيحصل لَكمَا قوت يعينكما على وقتكما” فسافر هو الى نيسابور ولازم إمام الحرمين الجويني وصار من أشهر تلامذته، فلمّا مات سنة 478ه سافر الى بغداد ودرّس في مدرستها النّظامية التي أسّسها نظام الملك.
وبعد خوض ابي حامد في كتب الفلسفة والباطنيّة وخاصّة كتب ابن سينا ومنها “الشّفا” عكف على دراسة كتب الصّوفيّة فتأثّر بها ولاحظ على نفسه بعده عن حقيقة الاخلاص للّه وعن العلوم الحقيقيّة النّافعة في طريق الآخرة فقرّر ترك التّعليم بالنّظامية والخروج من بغداد. يقول عن نفسه:” ثمّ لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي – وأحسنها التدريس والتعليم – فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمّة، ولا نافعة في طريق الآخرة. ثم تفكّرت في نيّتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لله، بل باعثها طلب الجاه وانتشار الصّيت، فتيقّنت أنّي على شفا جرف هار، وأنّي قد أشفيت على النّار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال.. فلم أزل أتردّد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريباً من ستة أشهر أولها رجب سنة 488 هـ. وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرّس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إليّ، فكان لساني لا ينطق بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة. فلمّا أحسست بعجزي، وسقوط اختياري، التجأت إلى الله التجاءً، فأجابني الذي يجيب المضطرّ إذا دعاه، وسهّل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب”.
مرّ الغزالي بالعديد من المراحل الفكرية في حياته، كما أثّرت في نفسه الأزمة الرّوحيّة التي عاشها كثيرا ممّا أدّى لاحقًا إلى انعزاله عن الآخرين و الاتّجاه إلى التّصوف و الخوض في مرحلة جديدة في حياته، فتفرّغ لدراسة المعتقدات والأفكار الصّوفيّة، وانكبّ على مطالعة كتبهم أمثال: “قوت القلوب” لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد و أبي بكر الشّبلي و أبي يزيد البسطامي، كما كان يحضر مجالس الشيخ الفضل ابن محمّد الفارمذي الصّوفي، فتأثر بهم تأثراً كبيراً حتّي أدّي به الأمر لترك التّدريس في المدرسة النّظامية ببغداد، وسفره 11 سنة، تنقّل خلالها بين دمشق والقدس والخليل ومكة والمدينة المنورة، وكانت نتيجة رحلته الطويلة أن اقتنع أنّ الصّوفية هم السّالكون لطريق الله خاصّة وأنّ سيرتهم هي أحسن السّير وطريقهم هوأصوب الطّرق وأخلاقهم هي أزكى الأخلاق. فكتب كتابه في التّصوّف “إحياء علوم الدّين “.

3ــ تهافت الاحياء:

في هذه الفترة التي انتشر فيها كتاب “إحياء علوم الدّين” كان المرابطون هم الّذين يحكمون بلاد المغرب والأندلس وكانوا يباشرون دعوة اصلاحية تستند الى النّص الشّرعي (الكتاب والسّنة) معتمدة على المذهب المالكي. فلم يكن كتاب الاحياء الّذين كان صاحبه يرى ” أنَّ الدّين الحقّ هو ما فهمه هو وما فهمه المتصوّفة” كتاب معرفة في الحقل الاسلامي وانّما كان دعوة عقائديّة الى تصوّف مخالف لصميم الدّين. وأنّه يحكي الكثير من الأمور التي لا يقبلها العقل، ولا تستقيم على ميزان الشرع أو مثلما قال ابن تيميّة: إنّ فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، وفاسدة من كلام الفلاسفة تتعلّق بالتّوحيد والّنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين فألبسه ثياب المسلمين”.
كان الامام الطّرطوشي المالكي أوّل من أدرك خطر محتوى كتاب الاحياء على العقل المسلم وسلوكه فكتب يرّدّ عليه: ” لمّا عمل كتابه سمّاه “إحياء علوم الدين” وعمد يتكلّم في علوم الأحوال ومراقي الصّوفية، وكان غير دريّ بها ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه فلا في علماء المسلمين قرّ، ولا في أحوال الزّاهدين استقر، شحن كتابه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أعلم كتاباً على بسيط الأرض في مبلغ علمي أكثر كذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، سبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني “رسائل إخوان الصفاء” وهم قوم يرون النبوة اكتساباً، وليس النّبي في زعمهم أكثر من شخص فاضل تخلّق بمحاسن الأخلاق… إلى أن قال: “وأمّا ما ذكرت من إحراق الكتاب بالنّار فإنه إن ترك انتشر بين ظهور الخلق، ومن لا معرفة له بسمومه القاتلة، وخيف عليهم أن يعتقدوا صحة ما سطّر فيه ممّا هو ضلال، فيحرق قياساً على ما أحرقه الصحابة رضي الله عنهم من صحائف المصحف التي كان فيها اختلاف اللفظ ونقص آي منه…وفي دونه من الكتب غنية وكفاية لإخواننا المسلمين، وطبقات الصالحين، ومعظم من وقع في عشق هذا الكتاب رجال صالحون لا معرفة لهم بما يلزم العقل وأصول الديانات، ولا يفهمون الإلهيّات، ولا يعلمون حقائق الصفات”.
ومثلما حمل عليه الامام الطّرطوشي حمل عليه أيضًا الامام أبوعبد اللّه المازري من شيوخ افريقيا وكبارأئمة المالكيّة في كتابه “الكشف والانباء عن كتاب الاحياء”: ” أعجب من قوم مالكية يرون مالكا الإمام يهرب من التّحديد، ويجانب أن يرسم رسما، وإن كان فيه أثر ما، أو قياس ما، تورّعا وتحفّظا من الفتوى فيما يحمل النّاس عليه، ثم يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه كثير من الآثارعن النبي صلى الله عليه وسلم لفّق فيه الثّابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السّلف لا يمكن ثبوته كلّه، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجِلُّ موقعه، لكن مزج فيه النّافع بالضّار، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرّموز إلى قدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحقّ إلا بتعسّف على اللّفظ …و ممّا أحاله العقل”.
لقد رأى فقهاء الأندلس والعدوة أنّ صاحب “الاحياء” منساق مع غيبوبة التّصوّف التي تجعل صاحبها ينسى نفسه وينقاد الى روحانية بعيدة كلّ البعد عن روح الموازنة بين المعنوي والمادّي في الاسلام.، وهروبٍ سلبي من عالم الواقع الى عالم الوجدان، جريًا وراء الهواجس والخواطر في البحث عن السّعادة والخلاص. وملخّص ما أنكره علماء الأندلس على كتاب الاحياء مايلي:
1ــ القول بالمعرفة الوجدانيّة (الفيضيّة) كمنهج لمعرفة الحقيقة فقد قام الغزالي باستحضار جميع مواهبه الفكرية واستخدامها لإقناع قارئ الاحياء على تصديق ما ذهب اليه الصّوفية من القول بالعلوم الالهاميّة دون التّعليميّة، وأن يفرغ المرء قلبه فلا يشتغل بتلاوة ولا بحديث وانما يبقى يقول على الدّوام “اللّه،اللّه،اللّه” حتى يسمع نداء الحقّ “يا أيُّها المدثّر”، “يا أيّها المزمّل”. فالمعرفة بالله عن طريق البرهان أضعف من المعرفة به عن طريق البيان، وهذه أضعف من المعرفة به عن طريق العرفان الذي هو أسمى طريق لمعرفة الحق. وقد غفل الغزالي وهو يكتب عن هذا المنهج من المعرفة مُلهمًا بفلسفة ابن سينا واخوان الصّفا الفيضية الهرمسيّة التي ابتلعها في شبابه فلم يستطع أن يتقيّأها، أنّ المعرفة الوجدانية معرفة ذاتيّة شخصانيّة لا تتجاوز وعي صاحبها الى غيره فلا يُمكنه تقاسمها، كما لا يُمكن أن يُطّلع عليها أو نقلها الى انسان آخر. وبالتّالي تبقى مجرّد حالة شعوريّة لا يُمكن كشف محتوياتها للغير، فكان ابن حمدين قاضي الجماعة في قرطبة من أشدّ المشنّعين عليه، فقال في ردّه عليه: ” سيّد الخلق إنّما سمع “يا أيها المدثر” من جبريل عن الله، وهذا الأحمق لم يسمع نداء الحق أبدا، بل سمع شيطانا، أو سمع شيئا لا حقيقة من طيش دماغه “.
2ــ التّأويل الباطني في فهم الخطاب القرآني: فلم تتعامل الاتجاهات الصّوفيّة مع نصوص القرآن الكريم وفقًا لمقتضيات اللّسان العربيّ وانّما وظّفتها توظيفًا عرفانيًّا حتّى وان اكتفت بالبحث عن الاشارات واللّطائف الروحانية التي تحملها الآيات القرآنيّة وتأويل الآيات تأويلا عرفانيّا باطنيّا. واستند الغزالي ومن بعده الصّوفية بأحاديث مكذوبة وبأقوال نسبت الى بعض كبار الصّحابة، وهنا ينضم ابن رشد الّذي ولد بعد أكثر من 100 سنة من تاريخ كتابة الاحياء الى مواطنه ابن حمدين في نقده للغزالي في موضوع “وجدانيّة المعرفة” ولكن ليس في الرّد على كتاب الاحياء وانّما كتاب “تهافت الفلاسفة” الّذي هاجم فيه الغزالي الفلاسفة المسلمين وغير المسلمين، فالدّين حسب ابن رشد في أشدّ حاجة الى أساس عقليّ لمبادئه الأساسيّة وأنّه لا يُكاد يُستغنى عن مناهج النّظر والتّحليل حتى لو كانت من بيئة غير بيئتنا مادامت مجهودا عقليّا بشريًّا يبحث عن الحقيقة قد تصيب وقد تَضلُّ ما دام الوحي هو الهادي وهوالحكم الفصل على صِحّتها. فنحن لا نستغني عن العقل للتّوفيق بين المتضادّات التي نعثر عليها في عالم التجربة.
3ــ التّأسيس لكهنوت غريب في الثّقافة الاسلاميّة: اقتنع الغزالي بأنّ مسلك المتصوّفة هو المسلك المنجي فهم نخبة المسلمين الّذين تولاّهم اللّه بعنايته وجعلهم أولياءه فاحتكروا الحقيقة في أقوالهم وأفعالهم لا ينافسهم عليها أحد، وعلى من أرادها أن ينضمّ اليهم أو يتبعهم، لكنّ الغزالي وفي حميّة الدّفاع عن هذا المنهج سها فلم يتبيّن مدى السّلبيّة في الحياة التي سيكون عليها أولئك الّذين تفرّغوا للبحث عن الحقيقة في وجدانهم ويتخلّوا عن غاية التي التّعمير التي خُلق لأجلها الانسان. قال تعالى في سورة هود (الآية 61): ” هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ”
إنّه رغم سلامة القصد لدى الغزالي، ورغم انفاذ أمر السّلطان علي بن يوسف بن تاشفين باحراق الاحياء واعتراض علماء العدوة والاندلس عليه إلاّ أنّ الأفكار القاتلة التي حواها قد تسلّلت الى الوعي الاسلامي، فدخل العالم الاسلامي وبلاد المغرب منه في سبات عميق وغيبوبة تصوّفٍ طويلة لم يستفق منها إلاّ والمستعمر الغربي داخل ديّاره يعبث به كيفما يشاء.

مقالات ذات صلة

  • بروباغندا فيروسية وإعلامية !

    لا يُمكن بأيّ حال من الأحوال، إخفاء "معركة إعلامية" حامية الوطيس، على مستوى الدول الكبرى في العالم، منذ اندلاع شرارة "كوفيد 19"، أحيانا بالتهويل، وأحيانا…

    • 577
    • 4
  • هؤلاء هم الجزائريون كما عرفناهم!

    في ثنايا كل محنة منحة، علمها الناس أم جهلوها، لذلك وجب النظر في محطات الابتلاء إلى الصورة المشرقة من الأزمات، عوض الأسْر لحال القلق والخوف…

    • 689
    • 2
600

8 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • Adel

    حتى عثمان حرق كل المصاحف لماذا السكوت

  • ابن الشهيد

    وصل الحال بالإسلام حتى صار كل من هب ودب ينهش في لحوم العلماء أحياء وأموات

  • أبو دجانة البلوزدادي

    حجة الاسلام الغزالي عبقري من عباقرة الاسلام حب من حب وكره من كره نصب له تمثال في إيطاليا وغيرها من العواصم الأوربية عرفانا لفكره الانساني فقلما أنجب مثله الزمن الظلامي الموحش الذي يعيشه المسلمون اليوم أين يحاول البعض تبييض جرائم الفقهاء والحكام الجهلة الذين ابتلينا بهم خاصة في عهد المرابطين رحم الله أبا حامد الغزالي وحشرنا في جواره مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولائك رفيقا

  • احمد بشير

    يقال بأن كتاب الاحياء هو سبب تخلف الامة الاسلامية و هذه وجهة نظر موضوعية لبعض المستشرقين الذين درسو تاريخ الحضارة الإسلامية فبعد انتشار افكاره تم تعطيل العقل والاجتهاد و دخلت الأمة في السبات الى غاية الوقت الحاضر

  • أعمر الشاوي

    ما لنا و مال أحداث ذلك الزمان ؟ تلك أمة خلت لها ما كسبت و عليها ما إكتسبت , فكر في حالنا اليوم بما أوتيت من أدوات معرفية معاصرة و لا تقارن معرفة القوم أنذاك بحال معرفتنا اليوم , أنذاك كانت تسمى بلاد المغرب و هي الجزائر ، بن تشفين من البربر بتلمسان و كذا المزابطوين و الزيانيين و غيرهم كلهم في الجزائر و جزائريين من البربر مع ذلك لا أثر لا للجزائر و لا للبربر في كتبهم , إبدأ بتصحيح هذا قبل أن تستخلص العبر من تاريخ خاطئ , شكرا

  • عبدالله FreeThink

    الغريب في الأمر أن كل الدول المتطورة إستعملت العلوم الصوفية لأكثر من خمسمئة عام ، وحكمت بها العالم.
    القضية قضية ماذا نأخذ وماذا نترك ولأي نية وقصد … فتلك العائلات الحاكمة التي سيطرت وتسيطر اليوم على النظام العالمي إستخدمت تلك العلوم وحورتها لتناسب توجهها و لتخدم مصالحها وقصدها. بينما نحن لانكاد نستفيد بشيء من تراثنا . كل همنا كيف يكفر أحدنا الآخر ، أو كيف يبين أنه على خطأ ، بينما الحقيقة هي أخذ جزء من كل فكر ورأي … لذلك كان الإختلاف دائما رحمة.

  • أبو مروان

    المسلمون دخلوا في سبات عميق قبل مولد أبي حامد الغزالي. تحميل كتاب إحياء علوم الدين وِزْر انحدار الأمة الإسلامية أسفل سافلين استخفافٌ مجنون و استسهالٌ غريب لأمر عظيم هو موت حضارة.
    انحطاط المسلمين يتطلب إدراكُه فهما للحياة السياسية الاقتصادية و للثقافة و الأنتروبولجية الإسلامية و لسيكولجية الإنسان المسلم. حتى لو فرضنا عبثا أن أبا حامد كان له دور رئيس فيما آل إليه المسلمون فهذا يعني أن المرض كان قد أنهك دار الإسلام و أنه أجهز على محتضر. هيهات أن تنهار أمةٌ بسبب كتاب. مَنْ هذا المجنون الذي يجرأ أن يدعي أن كتاب ماهية المسيحية لفويرباخ مثلا ساهم في زوال المسيحية؟!

  • محمد

    المقال تربوي يدفع العاقل منا إلى ضرورة فهم الحالات الفكرية القائمة آنذاك في العالم الإسلامي وما شابها من شذوذ في التفكير والوعي حينما يغيب دور عقل الإنسان في تفاعل حركي مع الأوضاع الاجتماعية.لا مجال اليوم في الحكم على المفكرين خلال تاريخ الأمة الإسلامية فكلهم دافعوا عن آرائهم لنصرة دينهم حسب اقتناعهم فمنهم من أصاب ومنهم من خاب ظنه لكنهم كانوا مناضلين في إبلاغ اقتناعهم.لقد تسربت إلى العالم الإسلامي الفلسفة الشرقية المؤمنة بعجز العقل البشري عن الوصول إلى الحقيقة وضرورة تفويض أمره إلى ما لا يمكن إدراكه.الغريب في الأمر أن بعض المعاصرين ينادون بأن الإنسان عاش قبل انبعاثه حياة أولية استنادا إلى آيات

close
close