-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

يوم العتق الأكبر

سلطان بركاني
  • 460
  • 0
يوم العتق الأكبر

توالت أيام ذي الحجّة، وانقضت ثمانية أيام من العشر الأولى من الشهر الحرام.. ولعلّ أكثرنا فرحوا بمضيّها استعجالا لقدوم العيد السّعيد، ونحن لا ندري أنّه ربّما يأتي علينا يوم نتحسّر فيه على فوات ساعات هذه الأيام المباركة التي تُقرع فيها أبواب السّماوات وتتنزّل فيها الرّحمات، وتعتق فيها الرّقاب ويضاعف فيها الأجر والثّواب. أيام يتمنّى أهل القبور لو يعود الواحد منهم إلى الدّنيا ليقضي يوما واحدا منها راكعا ساجدا لله، ذاكرا باكيا منكسرا بين يدي خالقه ومولاه.

انقضت ثمانية أيام من عشر ذي الحجّة، ولم تعد تفصلنا عن يوم الأضحى المبارك سوى ساعات معدودات، هي ساعات يوم من أفضل أيام الدّنيا، بل هو أفضلها بعد يوم الأضحى؛ يوم عرفة الذي منّ الله علينا بإدراك نفحاته ورحماته، يوم كان الملايين من عباد الله المسلمين في سنوات مضت يقفون في ساعاته على صعيد عرفات، يعلنون التلبية لنداء الحقّ جلّ وعلا، بعد أن تجرّدوا من الثياب المخيطة والمحيطة ظاهرا، ومن هموم الدّنيا ومشاغلها باطنا، ولبسوا ثيابا تذكّر العبد المؤمن بآخر ثياب يلبسها في هذه الدّنيا.

يوم ساعاته ولحظاته هي أغلى وأثمن وأنفع السّاعات واللّحظات، ليس في حياة الحاجّ فحسب، إنّما في حياة كلّ عبد مؤمن يحمل بين جنبيه قلبا ينبض بالحياة.. ساعات يمكن أن تتحوّل بعدها حياة العبد المؤمن من حال إلى حال، ويمكن أن يفتح فيها صفحة جديدة من حياته، ويمكن أن تنقشع غشاوة القسوة التي غلّفت فؤاده.. يوم يمكن أن تفتح بعده على العبد المؤمن خزائن الخيرات والبركات، وينال من الله ما يرجوه ويتمنّاه من خيري الدّنيا والآخرة.

كان الصّالحون من عباد الله يعرفون ليوم عرفة قدره، ويظهرون فيه الفقر والتذلّل والمسكنة بين يدي الله، ويرفعون فيه الأكفّ بالدّعوات ويغسلون الخدود بالدّمعات، ويمدّون الأيدي بالصّدقات.. قال عبد الله بن المبارك عليه رحمة الله: جئت سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تذرفان، فالتفت إلي، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: “الذي يظنّ أن الله لا يغفر له”.. في صحيح مسلم عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنّ نبيّ المرحمة -عليه الصّلاة والسّلام- قال: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟”. فيا سعادة عبد مؤمن يحسّ بعد غروب شمس يوم عرفة أنّ حملا ثقيلا من الذّنوب والخطايا والأوزار قد ألقي عن ظهره، وأنّ مولاه الحنّان ربّما يكون قد أذن بعتقه من النّار.

إنّ أنفع اللّحظات لحظة يحسّ فيها العبد المؤمن بذلّه أمام العزيز جلّ في علاه، وبضعفه أمام القويّ جلّ شأنه، وبفقره أمام الغنيّ سبحانه، وبخاصّة إذا كانت بطنه خاوية، في يوم يصوم فيه لله، لذلك سنّ نبيّ الهدى -صلوات ربّه وسلامه عليه- صيام هذا اليوم، وجعل المولى تبارك وتعالى جزاء صيامه إيمانا واحتسابا مغفرة ذنوب سنة ماضية وسنة آتية.. كلّ هذا ليجد العبد المؤمن روحانية ذلك اليوم في نفسه، ويجد أثره في قلبه، ويتّخذ فيه أعظم قرار في حياته، بأن يكون يوم عرفة يوم أوبة وتوبة إلى الله، ويوما يبدأ فيه صفحة جديدة مع الله، تكون بداية لحياة جديدة يعمرها بطاعة الله، وينشغل فيها بالتزوّد ليوم العرض على الله. حياة يبدؤها بيوم الأضحى وهو يوم فرح وسرور إيذانا بأنّ حياته الجديدة ستكون حياة يشعر فيها بطعم السّعادة الحقيقيّة: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)).

فالله الله أخي المؤمن في هذا اليوم، لا تجعله كباقي الأيام، الله الله في ساعاته فإنّها أغلى وأنفع السّاعات، ليكنْ صيامك هذا اليوم إيمانا واحتسابا لتغفر لك ذنوب سنتين كاملتين، تصدّق فيه ولو بالقليل فإنّ أجور الصّدقات تضاعف فيه أضعافا كثيرة. أكثر فيه من الذّكر والتّهليل والتّكبير والاستغفار. لا تغفل فيه عن الدّعاء فإنّه مجاب، ولا تنس قول الحبيب المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-: “أفضل الدّعاء دعاء يوم عرفة”. ادع الله أن يستر عوراتك ويؤمّن روعاتك. ادعه أن يغفر ذنوبك ويقيل عثراتك. ادع الله أن يشفي المرضى من ذويك وأحبابك ويصلح أبناءك وبناتك. ادعه أن يكشف هذا البلاء الذي حلّ بالبشرية.. وأخيرا لا تنس الدّعاء لإخوانك المشرّدين والمقهورين في كلّ مكان، فإنّهم أحوج ما يكونون إلى دعاء إوانهم في مثل هذا اليوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!