-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

يوم المرأة العالميّ.. بين الدّعاوى والحقائق

سلطان بركاني
  • 822
  • 0
يوم المرأة العالميّ.. بين الدّعاوى والحقائق

التحضيرات جارية هذه الأيام، على قدم وساق، للاحتفال بيوم المرأة العالميّ الموافق للـثامن من شهر مارس كلّ عام.. احتفالات نسمع فيها شعارات كثيرة وكلاما طويلا عن تحرير المرأة وحريتها وحقوقها، لكنّنا لا نسمع فيها حديثا عن نساء فلسطين المحرومات من أبسط حقوقهنّ، ولا حديثا عن نساء سوريا المسلمات اللاتي يمتن مع أطفالهنّ بردا في مخيّمات اللّجوء، ولا عن بنات ونساء الهند المؤمنات اللاتي تنتزع الخمارات من على رؤوسهنّ في بعض المقاطعات ويُحرمن الدّراسة والعمل بسبب الحجاب!

لن نسمع في يوم المرأة العالميّ عن حقوق المسلمات في السويد اللاتي يؤخذ أطفالهنّ من بين أيديهنّ عنوة، ولن نسمع -كالعادة- عن حقوق النّساء الفقيرات في أفريقيا الواسعة، ولن نسمع عن حقوق الأمّهات العجائز اللاتي يُرمين في دور العجزة أو يُنبذن في الشّوارع!

في الثّامن من مارس، نسمع -فقط- عن حقوق النّساء الصّغيرات، في العري واتّخاذ الخلان والأخدان والتمرّد على الآباء والإخوة وعلى الدّين والعرف والفطرة.. إنّه العالَم المنافق الذي لا يرى من حقوق المرأة إلا هذا الباطل الذي جعله شياطين الإنس والجنّ حقا، حقّ المرأة في التعرّي وحرية التصرّف في جسدها.. يدافعون عن حقّ المرأة التي تسمع لنزغات الشيطان بأن تتعرّى ويحرمون المرأة العفيفة الشريفة التي تسمع لنداء ربّها بأن تستر بدنها وتصون نفسها.. وها هو هذا العالم المطفّف الذي يبكي نساء أفغانستان اللاتي فرض عليهنّ الحجاب، يتظاهر بالعمى أمام نساء الهند المسلمات اللاتي يحرمن الدراسة ويسرّحن من العمل بسبب الحجاب!

ليس غريبا، أن يمارس العالم الغربيّ النّفاق في أبشع صوره، لكنّ الغريب هو أن نُبتلى في بعض بلاد الإسلام بمن يحارب العفاف والفضيلة ويشجّع العري والرذيلة، فنسمع عن أساتذة يسرَّحون من العمل لأنّهم ينصحون تلميذاتهم بالحجاب، ونسمع عن تفضيل غير المحجبات على المحجّبات في تولّي الوظائف، بل ونسمع عن مسؤولين يمنعون المحجّبات من تقلّد بعض المناصب!

في يوم المرأة العالمي، تجدّد دعوات التّحريض التي تلقى في آذان النّساء؛ فيحرَّضن على التملّص من ولاية الآباء والإخوة، والتمرّد على قوامة الأزواج، وعلى فرض أنفسهنّ في كلّ مكان، والامتناع عن أشغال البيوت بحجّة أنهّا ليست واجبة عليهنّ، وعلى تناول وجباتهنّ في المطاعم ومحلات الوجبات السريعة مثلهنّ مثل الرّجال، والنّزول إلى كلّ الأماكن كما يحلو لهنّ وفي الوقت الذي يخترنه، في الأسواق والشّواطئ ولم لا حتّى في المقاهي والملاعب، ويزيّن لهنّ رفع شعار: “بلاصتي ماشي فالكوزينة، بلاصتي وِين نحبّ”!

في يوم المرأة العالميّ، تنصح النّساء بأن يلبسن ما يروق لهنّ من دون مراعاة لدين أو عرف، ويضعن من الأصبغة والعطور ما يعجبهنّ من دون اعتبار لحلّ أو حرمة، ويوسوَس لهنّ بأنّ من يحرّم عليهنّ هذا أو ذاك لن يكون إلا متشدّدا منغلقا متخلّفا رجوليا معقّدا من النّساء!

لكن، من يقف خلف هذه الدّعوات؟ إنّهم ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.. انّهم وجنود إبليس الذي حذّرنا الله من اتّباع خطواته: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.. إنّهم العلمانيون الذين تنقبض صدورهم عندما يرون شعائر الدّين تعظّم وحدود الله تحفظ.. إنهنّ النّساء المسترجلات اللاتي عجزن عن بناء أسر، فقرّرن أن يسعين لإفساد الأسر المسلمة، وإشعال النيران في البيوت المطمئنّة.

إنّه لأمر مؤسف حقا أن تجد هذه الدّعوات الشيطانية آذانا صاغية في أوساط كثير من نسائنا وبناتنا.. محزن حقيقة أن تجد امرأة تصلّي وتصوم، وتنتسب قبل ذلك إلى دين أكرم المرأة وأعلى مكانتها وصانها عن أن تُتّخذ سلعة أو صورة، تشرع أذنيها للعلمانيين والعلمانيات والنسويين والنسويات الذين يصوّرون لها أنّ الحرية هي في مواجهة الزّوج الندّ للندّ ومعاملته معاملة الشّريك لشريكه، وليس معاملة النّصف لنصفه الآخر.

إنّ ممّا يدمي القلوب الحيّة أن نرى من بعض نساء المسلمين من أصبح الحجاب وحسن التبعّل للأزواج والقرار في البيوت إلا لحاجة؛ أصبحت هذه الطّاعات في موازينهنّ من الماضي الذي يثير السخرية.. وممّا يدمي القلوب أن يصبح الحجاب الواسع مثارا للسخرية بين كثير من بنات المسلمين، والأكثر ألما منه أن تجد الفتاة المسلمة ربّما تنشأ في أسرة مسلمة محافظة لكنّها ترخي سمعها للنّسويات والعلمانيات فيقنعنها بأن تناضل للتخلّص من الحجاب، فتجدها تكافح وربّما تعادي والديها وإخوتها لأجل أن تلبس ما يحلو لها من اللباس الضيّق والقصير.. لتقف الأمّة في هذا الزّمان أمام مفارقة عجيبة، تدلّ على تفاوت الهمم؛ ففي الوقت الذي تكافح فيه المسلمة في الهند من أجل أن تحافظ على حجابها وسترها وهي في دولة كافرة تعادي الإسلام وشعائره، في هذا الوقت تكافح بعض بنات المسلمين في بلاد الإسلام من أجل مواكبة الموضة ولبس الأضيق والأقصر!

إنّنا في زمن تعمل فيه دوائر المكر على تزييف وعي المسلمين والمسلمات، وقد آن للمسلمات المنبهرات بالشّعارات الجوفاء أن يعدن إلى رشدهنّ، ويعين جيّدا أنّ هناك في هذا العالم شياطين من الجنّ والإنس تحترق قلوبهم عندما يرون مسلمة محجّبة حجابا واسعا تمشي على استحياء وترفض كلّ ريبة، وتنقبض صدورهم حينما يسمعون عن امرأة اختارت القرار في بيتها والانشغال بتربية أبنائها لأنّ زوجها كفاها همّ الإنفاق، ويتميّزون غيظا حينما يسمعون عن أسرة هانئة مستقرّة من دون مشاكل.

لقد أضرمت الأفكار النسوية والعلمانية المسمومة التي حملتها الأفلام والمسلسلات والأغاني والحصص المسمومة، أضرمت النار في بيوت المسلمين، فتحوّلت كثير من البيوت إلى ساحات صراع وعداء، وامتلأت المحاكم بقضايا الطّلاق والخلع، وملّ الأبناء البيوت المملوءة بالصّراعات فخرجوا ليتربوا في الشّوارع على المخدّرات والخمور وقاذورات المواقع السّاقطة.

السّبب في هذا الصّراع المحتدم داخل أسوار البيوت، أنّ الزّوجة أصبحت تنظر إلى زوجها على أنّه شريك وندّ ومنافس، وأصبحت تنظر إلى طاعة أمره وخدمته واحترامه على أنّها ذلّ وخنوع مضى وقتهما وانتهى زمانهما! والزّوج -في المقابل- ينظر إلى زوجته على أنّها سبب للتعاسة والقلق والنّكد بمراقبتها ومحاسبتها ومناكفتها له.

إنّ هؤلاء الواقفين خلف قضية المرأة يريدون أن يخدعوا نساءنا وبناتنا بسراب بلقع، وبحياة لا وجود لها إلا في الشّعارات.. لم يجدوها لأنفسهم فأنّى لهم أن يجدونها لغيرهم! هناك عشرات النّساء اللاتي انخدعن بدعوة تحرير المرأة، وسرن في ركبها سنوات وعقودا قبل أن يكتشفن الحقيقة، تقول إحداهنّ: “قاتل الله هؤلاء الذين قتلوا فينا أجمل ما خلق الله: أنوثتنا! توظفنا، ترقينا، سافرنا، ادخرنا، اختلطنا، لبسنا… ثم اكتشفنا أننا بقدر ما أخذنا أدوارا ليست لنا، بقدر ما ابتعدنا عن أنوثتنا وروعة جنسنا الذي فطرنا الله عليه.. لن يصح إلا الصحيح؛ البيوت لها نظام نظمه الله، ولن تسعد إلا بالطريقة التي اختارها صاحبها”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!