-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

12 جوان.. رهانات أم رسائل؟

12 جوان.. رهانات أم رسائل؟

بعد أسابيع من الترقب الداخلي والخارجي لما سيؤول إليه الاستحقاق الانتخابي، ها هي الجزائر تنجح إجرائيّا على الأقلّ في تجاوز عقدة برلمان التزوير والعصابة بانتخاب مؤسسة تشريعية جديدة، وهي خطوة في غاية الأهمية مؤسساتيًّا، قياسًا برهانات أطراف كثيرة متربّصة، راهنت على حالة الفراغ والفوضى منذ اندلاع حراك 22 فبراير، بداعي الانتصار للديمقراطية المفترى عليها.

عندما نرى بلادنا تشقُّ طريقها بهدوء نحو تمكين الإرادة الانتخابية الشفافة وإعطاء الكلمة للشعب السيّد ليختار ممثليه في المجالس المنتخبة بحرية كاملة، فلا يسعنا إلا أن نبارك هذا المسعى في إعادة التأسيس الوطني، بعيدا عن حسابات الرابحين والخاسرين انتخابيّا، لأنّ الأهمّ هو أن تنتصر الجزائر على نكساتها وهزائمها وأخطائها وأعدائها، وبانتصارها ستكون ملاذا آمنًا لكل أبنائها، ينعمون فوق أرضها المعطاءة وتحت شمسها الدافئة يتنفَّسون نسائم الحرية والكرامة.

ما توحي به الأصداءُ الواردة من مختلف مناطق الوطن حتى الآن، في انتظار أن تتكشّف كلُّ مجرياتها، هو أن العملية الانتخابية جرت عمومًا في ظروف مقبولة إداريّا وسياسيّا وشعبيّا، فلم تبرز حوادثُ التزوير ولا التشويش أو التأثير على الناخبين، ولا العنفُ المجتمعي، إلا ما كان في صورة وقائع معزولة لا تعبِّر عن فعل ممنهج وشامل.

إنّ هذا التقدم في تأمين صوت المواطن مكسبٌ أساسي ينبغي تثمينُه أخلاقيّا والإشادة به سياسيّا، ودون شكّ سيصبّ في حساب الإرادة العليا الملتزمة بتطهير الانتخابات والامتثال لقرار الشعب.

غير أن تلك المؤشرات الإيجابية على أهميتها، لن تجعلنا غافلين عن رسائل سياسيّة حسّاسة، ما فتئ الشعب الجزائري يبعث بها إلى النخبة الوطنية في كافة المستويات، والتي تُنبئ يقينًا بعدم رضاه عن المناخ العام أو عدم إيمانه بفعالية الانتخاب في التغيير وربما عدم اقتناعه كذلك بالرِّجال والأفكار والبرامج المطروحة بصفتها بديلاً للواقع القائم، وعجز المرشحين عن تجنيد الشارع، وهو ما تُثبته نسبة المشاركة الانتخابية التي تظلّ محتشمة ودون المأمول.

صحيحٌ أن العزوف الانتخابي لم يعُد علامة جزائرية، بل هو ظاهرة عالميّة آخذة في التنامي حاليّا، حتى صارت تُصنَّف لدى باحثي الفكر السياسي المعاصر ضمن المأزق الإشكالي للديمقراطية التمثيلية إلى درجة التشكيك فلسفيّا في أصولها النظرية والتشاؤم بمستقبلها العملي، لكن ذلك لا يمكن أن يفسِّر لوحده سلوك الناخب الجزائري، دون أن نأخذ بعين الاعتبار تلك الخصوصيات والأسباب المحليّة.

إنّ معدّل 30 بالمائة، لا يعكس ميدانيّا نسبة الإقبال الشعبي على صناديق الاقتراع، لأنه لا يأخذ نتائج العملية الانتخابية بالمهجر على ثقلها الرقمي في الحسبان.

أما البُعد الأهمّ في تقييم المشاركة فسيبقى سياسيّا، ذلك أن الحدث الانتخابي يأتي في سياق انتقال ديمقراطيٍّ ثوري حَراكي، حيث يُفترض أن يكون معبِّرا عن أشواق كبيرة وآمال واسعة للجزائريين، يترجمها التدافعُ الشعبي على صناديق الاقتراع لتقرير المستقبل المشترك، وهذه المسألة بالذات تجعله متفرّدا عن الاستحقاقات العادية التي تُنظم بلا رهانات وطنيّة، ما يجعل العزوف فيها مُبرَّرا أو مفهومًا على الأقلّ.

لا ننسى أن الجزائر أقرّت دستورا لتنظيم علاقات الدولة ومُباشرة إصلاحات عميقة بمشاركة شعبية لم تتجاوز 23 بالمئة، واليوم بنفس المُعدّل تقريبًا –بإدماج نسبتي المشاركة في الداخل والمهجر- سنُرسّم برلمانًا ينوب عن كلّ الشعب، ما يستدعي من السلطات والطبقة السياسية والنخبة الوطنية النظر عميقًا في “أزمة الثقة” المستفحلة داخل المجتمع وبين كل أطيافه، إذ لم تعد مقتصرة على علاقته بالسلطة، والتي ترى أنها قد أدّت ما عليها من واجبات في توفير ضمانات قانونية وسياسية لنزاهة الانتخابات.

وإذ نركّز على معضلة الامتناع، فلا يعني ذلك أبدا أنَّ الأمر يتعلق بالضرورة بموقفٍ سياسي معارض، بل الأرجح وفق المؤشرات الاجتماعية أنها ترتبط بحالة عزوف عامَّة لأسبابٍ كثيرة، وكل محاولة لتجييرها وتوظيفها المطلق في الحكم على صدى المقاطعة وسط المواطنين، ستبقى مكشوفة وفاقدة للموضوعية، لكن دون التقليل من تأثيرها على سلوك الناخب الجزائري.

وإذا كان البعض من أنصار المقاطعة، مع كامل الاحترام للموقف والرأي، يُبدون اليوم نشوة الفرح بالعزوف، فإنّ ثمة تحليلا آخر يحمّلها جزءا من المسؤولية عن تعطيل التغيير، بتكريسها لسلوك الامتناع، بعد ما ثبُت غياب ممارسات التزوير، بينما حضر الوعاء الانتخابي التقليدي بكثافة، على حساب القوى الانتخابية الجديدة، والتي كان يُعوَّل عليها في صناعة الفارق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • لزهر

    لِيتمكن الجيل الجديد من المرور إلى قيادة الدولة و يحصل على الحكم و يُمرره بِدوره للجيل الذي يليه بطريقة صحيحة لا بد من إدخال مادة ( المُواطنة) في المدارس الإبتدائية في سن العاشرة و بديهيات الإعلام الآلي في سن السادسة. الطفل عندنا يحفظ النشيد الوطني و يجهل تماماً معنى المواطنه حتى سن 18 و يتقن عفويأً التكنوجيات الحديثة و لاكن بطريقة خاطئة . لذالك لابد من الإعتماد على المدرسة و إدخال إصلاحات حديثة تتماشى مع كل ما يتعلق بالسرعة و فكرة التخلي عن الأشياء في هدوء و إستعمال التكنولوجيات الحديثة كأستعمال رقم التعريف الوطني مستقبلا في الأنتخابات عوض طبع الأوراق ومراكز الأنتخابات و الشرطة و الدرك إلى غير ذالك من الأمور التي نستطيع أن نتفاداها.

  • ياسين

    السياسة قبل كل شيء هي أخلاق... لقد قال حافظ ابراهيم عن العلم والأخلاق "لا تحسبن العلــم ينفع وحـــده مـا لم يتـوج ربــــه بخــــــلاق"... وبمحاكاة هذا البيت الشعري وإسقاطه على السياسة والأخلاق يصبح كالتالي: "لا تحسبن السياسة تنفع وحـــدها مـا لم يتـوج صاحبها بخــــــلاق"...