-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

17 مليار دولار في الريح

17 مليار دولار في الريح

وزّعت الجزائر من سبعينيات القرن الماضي، إلى غاية اليوم، الملايين من السكنات الاجتماعية المجانية، حتى أنك تكاد تعدّ في زحمة الأرقام، مسكنين لكل مواطن، ومع ذلك لا أحد قدّم التحية أو حتى الشُّكر اللفظي للدولة، وتتكفل الآن بتدريس قرابة مليوني طالب جامعي من دون مقابل مادي، يتنقلون ويبيتون ويأكلون ويُبحرون في عالم الأنترنت ويدرسون بالمجان، بعد أن قدّمت وخرّجت ملايين الإطارات قبلهم وستُخرّج بعدهم، ولم نسمع ثناءً ولا شكورا، وتبيع حليب الأكياس والسُّكَّر بأسعار متدنّية وهي مواد غذائية تجوب الأمصار وتطير من أبعد القارات لتحط رحالها في بيوت المواطنين، ولم يمدّ هذا الدعم الاجتماعي أي جسر حبّ بين السلطة والمواطن، حتى كأنك تخال نفسك أحيانا أنك تتابع قصة حب عذري من طرف واحد، أو لقاء السادية بالمازوشية في أغرب فصوله.

وعندما يعدّ الوزير الأول في تدخله أمام النواب، ما لا يقلُّ عن سبعة عشر مليار دولار من فاتورة الدعم سنويا، فإننا نغوص في الزمن ونضرب هذا الرقم المهول في 59 سنة من قصة الدعم التي تحوّلت إلى باب للفساد على ظهر الشعب، ويمكن القول إننا قد شهدنا أكبر عملية حرق للأموال، تحت عنوان الدعم، كانت فيها يدُ السلطة متورِّطة، باسم ما صار يُعرّف بـ”السوسيال”.

يخطئ من يظن بأن الجزائر هي وحدها في الكرة الأرضية من تقدّم الدعم في مختلف المواد والمجالات للمواطن، فلكل دولة طريقتها، ولكن الحقيقة أن الجزائر هي وحدها من تعمّم هذا الدعم للجميع، فوزير التجارة نفسه يستفيد من دعم المواد الأساسية، التي يعلم بأنها تسافر من بلاد بعيدة وبأنها موجَّهة في الأصل إلى أصحاب الدخل الضعيف، ومع ذلك يشتريها بالدينار الرمزي.

من الغرائب أن فنادق الخمسة نجوم في الجزائر والتابعة لسلاسل عالمية، تشتري حليب الأكياس بـ25 دينارا، مثل فقراء البلاد، وتبيع فنجانا منه للزبائن الأثرياء بـ500 دينار، ويقطن ابن الغني والمهاجر والأجنبي في نفس الإقامة الجامعية طوال أيام دراسته الجامعية من دون أن يدفع دينارا واحدا ليتخرَّج ويختار لنفسه بلدا آخر، ويستوي كل الجزائريين أمام محطات البنزين المدعّم وأمام محلات السكر والقهوة والسميد، ويعلم كل الجزائريين في القاعدة وحتى في القمة بأن السكن الاجتماعي المقدّم بالمجان، للجميع، ولو أحصينا عدد الأثرياء والمهاجرين والمديرين الذين يقطنون في هذا النوع من السكنات، لتعبنا، بل إن عدد السكنات الشاغرة والمغلقة، التي حصل عليها من لا يستحقّها، أكبر بكثير من السكنات التي راحت لمستحقيها.

وفي هذه الفوضى المقنّنة والمعششة منذ نصف قرن، نما الفساد وأزهر، من خلال وسطاء أطربونا دائما بوصلات “السوسيال” واستفادوا من العملية في الخدمات الاجتماعية في مختلف الهيئات، والسكن الاجتماعي والوظيفي والمنح وقفف رمضان وغيرها من الصور الاجتماعية الباهرة المظهر، والمتعفنة في لبّها، حتى أن رقم ما يضيع بلغ حسب الوزارة الأولى قرابة العشرين مليار دولار سنويا، وما خفي بالتأكيد أكثر هولا وألما.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!