-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

60 على 61

عمار يزلي
  • 889
  • 0
60 على 61

ستون سنة تمر على جريمة 17 أكتوبر 61 بباريس، يوم خرج المهاجرون الجزائريون مسالمين رافضين لقوانين التمييز العنصري بعد إجراءات فرض منع التجوال مساء بالنسبة للعمال الجزائريين المغتربين بباريس. جريمة، كان مهندسها موريس بابون، الجلاد الذي اعترف قبل هلاكه قبل سنوات أنه هو من عذب وقتل الشهيد العربي بن مهيدي.

ستون سنة تمر على آخر جريمة كبرى في المتروبول وأمام الأشهاد وعيون الكاميرات التي وثقت جزءا قليلا منها، لكنها بقيت شاهدة على فظاعة جريمة بقي السكوت عنها مطبقا فرنسيا، وكأنها مجرد عملية فض شغب، شغب شعب بأكمله، رفض الاحتلال والتعسف والتمييز حتى في تطبيق القانون الفرنسي نفسه في فرنسا عينها.. فما بالك بما كان يُفعل ويحصل في الجزائر المستعمَرة، حتى أن كثيرا من الموقوفين المشتبه في ضلوعهم في هذه الواقعة، قد تم ترحيلهم إلى الجزائر “المحتلة” وقتها.. بعدها لم نسمع عنهم شيئا: إما أنهم سُجنوا حتى الموت أو قتلوا في عتمة الإعلام المطبق. هذا بعد أن كانوا قد أزهقوا أرواح ما لا يقل عن 400 شهيد تم رميهم في نهر السين أحياء أو تمت تصفيتهم لأيام طويلة متتالية بشتى الطرق داخل وخارج باريس وفي جوارها القريب.

العبرة التي نستخلصها اليوم من ذكرى الذاكرة، التي تريد فرنسا اليوم أن تمر عليها مرور اللئام، هي أن الجرائم لا تُمحى بالتقادم، ولا تغسل وتبيَّض بعبارات دبلوماسية، هي الأخرى لم تعد تشتغل في قاموس ماكرون وحملته الانتخابية الاستباقية لمنافسة اليمين واليمين المتطرف في حصد أصوات الذاكرة الاستعمارية وبقاياها التي لا تزال تعشش في بعض الجيوب الاستئصالية هناك.. وهنا.. أيضا.

يأتي تذكُّر هذه الفاجعة في عز التوتر بين فرنسا والجزائر بعد ما ظهرت علانية الفجوة الكبيرة بين البلدية في مجال الذاكرة والاعتراف.. فرنسا المقبلة على انتخابات رئاسية الربيع المقبل، “أذاع إعلانُها الإخفاء”، وبدت صورة ماكرون الرئيس، وصوته وموقفه يتغير عقبا على رأس، ويختلي بنحو 18 من أحفاد وأبناء الحركة، جمعهم ليعتذر لهم وهم الذين بلوا البلاء الأسوأ يوم واقعة 17 أكتوبر 61، وقبلها أثناء تواجدهم في الجزائر. يشكرهم على “حسن صنيعهم” مع فرنسا الأم، ويعتذر لهم على سوء تعامل الأم معهم، أن لم تشرف قدرهم الأعظم. هذا في الوقت الذي ترفض فيه فرنسا الاستعمارية وعلى رأسها الرئيس ماكرون الاعتذار والاعتراف بجرائمها طيلة 132 سنة. ماكرون قالها بعيدا عن الأضواء والإعلام: محا التاريخ الجزائري برمته بخطاب شفوي ملفق جاهل محرِّض غوغائي، ومس كرامة الجزائريين وشهداء كل الانتفاضات ونافس اليمين المتطرف في كل أطروحاته حول “مزية” الاستعمار الذي “أنجب الجزائر” على حد تعبير أصحاب أطروحات “لا وجود لأمة جزائرية قبل فرنسا”. قبل هذا، وفي حملته الرئاسية السابقة كان ماكرون يستميل أصوات الفرنسيين من أصول جزائرية ويندِّد بجرائم فرنسا الاستعمارية.

ماذا حدث لماكرون ولفرنسا منذ انتخابه رئيسا؟ لماذا كل هذا الميل نحو اليمين الذي جعله يتنكَّر لأصوله الوسطى؟ أم أن الإخفاء أذاعه الإعلان على رأي امرئ القيس؟ على ذلك نقيس أفعال وأقوال الرئيس: كل الأقوال التي جسدتها الأفعال، بدأت تظهر في فرنسا منذ سقوط العصابة والتحول الذي تشهده الجزائر في نزعة وميل نحو التخلص من التبعية والتزلف لفرنسا.

هذا ما نستنتجه، اليوم ونحن نتذكر آخر محطّة من ذاكرتنا الموشومة على كل أجسادنا وفي أدمغتنا وذاكرتنا جميعا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!