عندما يذهب الروائي بوعلام صنصال إلى إسرائيل!

date 2012/05/17 views 9325 comments 41

"ليتني بائع خبز في الجزائر/ لأغني مع ثائر"، هكذا كتب محمود درويش في ديوانه "أوراق الزيتون". لا أتفق مع الروائي بوعلام صنصال، بل أعلن معارضتي لهذا الموقف غير المسؤول الذي اتخذه والمتمثل في قبوله المشاركة في ما يسمى بالمعرض العالمي للكتاب الذي تحتضنه مدينة القدس المحتلة ابتداء من الـ 13 إلى غاية الـ18 من الشهر الجاري والذي تنظمه إسرائيل.

لقد طغى على الأصوات المعترضة على هذه المشاركة صوت واحد هو "بيان وزير الثقافة في حكومة حماس" المقالة بغزة، وهو ما فُسر من قبل الغرب على أن "بيان حماس" هذا ليس مفاجأة، لكني أريد أن أقول إن هذا الاعتراض ليس قناعة "حماس" وحدها بل قناعة كل مثقف يناصر حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة المستقلة على حدود 4 جوان 1967، من الغرب أو من العرب.

ومع ذلك أتعجب لسكوت المثقفين والأدباء الجزائريين وعدم إثارة نقاش جاد حول مثل هذه المشاركة التي هي قبل كل شيء مسألة فكرية وثقافية وسياسية، خاصة حين يكون بطلها كاتب عالمي بحجم بوعلام صنصال؟

إن مشاركة كاتب بحجم بوعلام صنصال في معرض للكتاب الإسرائيلي يجب أن يكون فرصة لنقاش وجدل حول علاقة الثقافة والأدب بالسياسة، علاقة ودورة الروائي في السلام وإدانة الحروب والاستبداد والاستعمارات بكل خاصة وبلادنا تحتفل بالذكرى الخمسين للاستقلال.

مع أنني أعترف بأنني لا أملك كل المعطيات عن خلفيات هذا اللقاء وعن محتواه وعن أهدافه وعن المشاركين فيه، إلا أنني لا أتفق مع الروائي بوعلام صنصال على هذه المشاركة في معرض للكتاب ينظم من قبل إسرائيل في مدينة تحتلها وتهودها شبرا شبرا وتشرد أبناءها وساكنتها من المسلمين والمسيحيين يوما بعد يوم.

لا أتفق مع الروائي بوعلام صنصال مهما كانت التبريرات لهذه المشاركة لأن ابجديات الحرية تقول لا يمكن لمستعمر أن يكون مرافعا عن الحرية فردية كانت أم جماعية، ومعرض الكتاب هذا ينظم من قبل بلد استعماري على أرض مستعمرة ينظم هذا المعرض في الوقت الذي تُضرب فيه العشرات من الأسيرات والأسرى الفلسطينيات والفلسطينيين عن الطعام في سجون البلد المنظم.

وأعتقد أن هذه المشاركة تسيء ، أولا، إلى الروائي بوعلام صنصال نفسه بوصفه كاتبا نتقاسم وإياه الدفاع عن قيم الحرية والعدالة والديمقراطية التي تحلم بها الشعوب العربية والإفريقية التي تعيش استبدادا وقمعا وإرهابا وعلى رأسها الشعب الفلسطيني المقموع في يومياته والمسجون في مدنه وقراه ومخيماته ومنافيه.

أعتقد أن المشاركة بوعلام صنصال في مثل هذه التظاهرة هي خيانة لأصدقاء كثر له من الجزائريين والفلسطينيين، خيانة لأصدقاء كتاب دافعوا ويدافعون عن الحرية والكرامة وقد كتبوا المسرح والرواية والقصة والشعر ضدا للاستعمار الإسرائيلي بشكل خاص والاستبداد بشكل عام مهما كان لونه السياسي أو العقدي أو اللغوي، هذه المشاركة خيانة لكاتب ياسين صاحب مسرحية (فلسطين المغدورة)، لمحمود درويش، لإميل حبيبي، لتوفيق زياد، لجبرا إبراهيم جبرا، لسميح القاسم، لفدوى طوقان، لمراد السوداني، لمحمد لافي، ليحيى يخلف، لخالد أبو خالد، لسحر خليفة، لغسان كنفاني، لـ...

إني أستغرب هذه المشاركة في معرض للكتاب يقام في بلد يقاطع سياسةَ نظامه كثيرٌ من الكتاب العالميين، ولعل آخرها الموقف الذي عبر عنه الكاتب الألماني الكبير غونتير غراس (الحائز على جائزة نوبل الآداب 199) من خلال قصيدته التي نشرها قبل أسابيع والتي عرت الممارسات القمعية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل والمحاصر في سجن كبير، ومن قبله موقف الكاتب والروائي البرتغالي خوسي ساراماغو الشجاع (الحائز على جائزة نوبل للآداب 1998) فقد صرح وهو يصل رام الله ذات مارس 2002 ضمن وفد "من كتاب البرلمان العالمي للكتاب" وقد شاهد بأم عينه جزءا من يوميات معاناة الفلسطيني في الجحيم الإسرائيلي اليومي والمستمر، ويلتقي ساراماغو الشاعر محمود درويش، ويصرح تصريحه القنبلة الذي زعزع عرش إسرائيل قائلا: "رأيت في رام الله الإنسانية تتعرض للإذلال والإبادة كما في معسكرات الاعتقالات النازية".

ولكني وفي الوقت نفسه أقول أيضا: إن بوعلام صنصال كاتب كبير، فله كل الحق في ممارسة قناعاته الشخصية والفكرية والسياسية، وهو في ذلك وبذلك قادر على تحمل التبعات التاريخية لموقفه هذا، ولنا نحن أيضا كل الحق في ألا نتفق معه في مثل هذه الممارسات التي نراها هروبا إلى الأمام وخيانة لأصدقاء الحرية من الكتاب اليهود والمسلمين والمسيحيين والبوذيين وغيرهم.

لا أتفق مع موقف بوعلام صنصال في موقفه هذا، ومع ذلك دعونا نتساءل: لماذا يبكي ويتباكى بعض الجزائريين على سلوك بوعلام صنصال هذا وفي الوقت نفسه لا أحد يتكلم وهو يراه مُقْصىً في بلاده؟

لا أتفق مع موقف بوعلام صنصال في موقفه هذا، ومع ذلك دعونا نتساءل: لماذا لا أحد يتكلم وهو يرى روائيا بحجم بوعلام صنصال، مهما كان اختلافنا مع بعض كتاباته، يتم إلغاؤه من الخارطة الثقافية الجزائرية وهو صاحب "قسم البرابرة" وصاحب جائزة السلم العالمية؟

لا أتفق مع موقف بوعلام صنصال في موقفه هذا، ومع ذلك أشعر أن بوعلام صنصال، وبحساسية ورهافة الأديب، بمثل ثقافة "المحو" هذه الممارسة ضده ككاتب أضحى يعيش "أجنبيا" في بلده، فهو المهمش، المنسي، المُحارَبُ في كل التظاهرات الثقافية في بلادنا.

ربما هذا الوضع الإقصائي الذي يعيشه وهذا الشعور بـ"الأجنبي" المفروض عليه في بلد خدمه طوال حياته هو الذي جعله "يخرج مثل هذه الخرجات" غير المقبولة والمرفوضة سياسيا وأخلاقيا، أليس هذا الإقصاء هو الذي دفعه إلى مثل هذا الانتحار!!

دون تبرير لموقف بوعلام صنصال الذي لا أتفق معه إطلاقا وأعارضه على طول الخط إلا أنني أقول وأتساءل أيضا: لكن علينا أن نصارح أنفسنا بما يلي: حين نطالب كتابنا بفاتورة مواقفهم السياسية علينا أن نحاسب هؤلاء "المُحاسبين" على ما قدموه "هُمْ" لمثل هؤلاء الكتاب مقارنة مع ما تقدمه لهم دول أخرى بعيدا عن التفسيرات السياسوية والشعبوية الجاهزة.

أمام حال بوعلام صنصال، أما حان الوقت كي نجمع كتابنا في الخارج لنقول لهم: إن جزائر المليون ونصف المليون من الشهداء لا يضيق صدرها بنقدكم، لا يضيق صدرها بحرياتكم، بأشعاركم ورواياتكم وقصصكم ومسرحياتكم.

الجزائر التي أنتجت كاتب ياسين ومولود معمري ومفدي زكريا وأركون والزاهري والطاهر بن عائشة وجان سيناك ومحمد بودية والطاهر جاووت والطاهر وطار وياسمينة خضرا وربيعة جلطي وأحلام مستغانمي وزهور ونيسي وأسيا جبار ومايسة باي ويمينة مشكرا وخولة طالب الإبراهيمي وعبد الوهاب بن منصور وبشير مفتي وسمير قسيمي ومصطفى بن فضيل وكمال داوود وأنور بن مالك وغيرهم... هذه الجزائر قادرة على احتواء جميع أصوات أبنائها مهما اختلفوا ومهما تعددت نقودهم وغضبهم ورفضهم.

مهما حومت خيالات مبدعينا في كتاباتهم بكل اللغات، العربية والأمازيغية والفرنسية والجزائرية الشعبية، فإن سماء الجزائر ستظل عالية وقادرة على أن تحتضن هذه الأصوات جميعها.

أعتقد، بعيدا عن كل درس أخلاقي، أن تصرف الروائي بوعلام صنصال بإقدامه على المشاركة في معرض الكتاب بالقدس، والذي وحده يتحمل تبعاته، يدعونا للتفكير بجد في جمع شمل مثقفينا وكتابنا في المهاجر، بعيدا عن كل أبوية، بعيدا عم كل متاجرة سياسية، الذين يكتبون بلغات العالم الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية، علينا جمعهم في اختلافهم الرائع وبشكل دوري حتى نقول لهم بأن الجزائر التي نريد بناءها جميعا، هم ونحن، والتي نريدها منتمية إلى المعاصرة والحداثة والاختلاف والديمقراطية لن يكون لها وجود إلا بوجود الجميع، وبدون هذا "الجميع" لن تكون الجزائر كبيرة ومتعددة كما حلم بها شهداء ثورة نوفمبر 1954. لقد ناديت منذ مدة إلى تنظيم ملتقى يجمع كتابنا في المهاجر بكل حساسياتهم والانفتاح عليهم بشكل دوري ووضعهم في علاقة مستمرة مع بلدهم، بعيدا عن الخطابات السياسية الانتهازية وبعيدا عن محاولة شراء ذممهم.

وكي نعيد الثقة بين المثقفين والكتاب على اختلاف حساسياتهم الفكرية والجمالية والسياسية من جهة والجزائر من جهة أخرى علينا تصفية أجواء الثقافة من الحس البوليسي والرقابة والمزاج الفردي والتحليل والتحريم، كل ذلك من أجل صناعة جزائر جديدة، جزائر "التغيير" الهادئ الذي يريده جميع أبنائها من الكتاب والمثقفين والمبدعين.

  • print