مائة مليون لا تعفّ مسلما!

date 2017/02/15 views 3572 comments 0

يُروى في الآثار أنّ أحد تلامذة الإمام سعيد بن المسيب (ت 94هـ) رحمه الله، انقطع عن حضور مجلسه، فلمّا حضر بعد أيام سأله سعيد: أين كنت يا فلان؟ قال: ماتت زوجتي وانشغلت بدفنها وعزائها، فقال سعيد: هلاَّ أخبرتنا حتى نعزّيك ونواسيك، ثمّ قال له: هل عزمت على زواجٍ بعدها؟ قال: ومن يزوّجني وأنا لا أملك إلا ثلاثة دراهم؟ قال سعيد: سبحان الله، ثلاثة دراهم لا تعفّ مسلماً!. أنا أزوّجك ابنتي. قال الشابّ: ابنة سعيد بن المسيب التي يخطبها الأمراء والوزراء ويردّهم عنها. قال سعيد: نعم. ثمّ دعا مَن كان في ناحية المسجد، وأشهدهم على أنّه زوّج ابنته لهذا الشابّ على درهمين.. يقول الشابّ: ذهبتُ إلى داري وأنا أطير من شدّة الفرح. كنت يومها صائماً، وحين قرب وقت المغرب أخرجتُ خلاً وخبزاً أريد الإفطار، فإذا بطارق يطرق الباب. قلت: من؟ قال: سعيد. فجاء على بالي كل سعيد إلا سعيد بن المسيب.

فتحت الباب، فإذا به سعيد بن المسيب. قلتُ في نفسي: ربّما رجع في كلامه. فما كان منه إلا أن قال: أنت إنسان زوّجناك، وخفتُ أن تبيت الليلة عزباً ويحاسبني الله على عزوبيتك، فإذا بابنته خلفه، فأدخلها داري، وقال: بارك الله لك، وبارك عليك، هذه زوجتك. ثم ذهب في طريقه. صعدتُ إلى سطح المنزل وناديتُ جيراني قائلا: إنّ سعيد بن المسيب زوجني ابنته، وقد أتى بها هذه الليلة.. انزلوا عندها، أذهب لأخبر أمّي بالخبر، فأبت أمّي حتى تزيّنها وتجهّزها، فكان ما أرادت، ودخلت عليها بعد 3 أيام، فإذا امرأة من أجمل النّساء؛ إن تكلمت قالت من أحسن الكلام، وإن سكتت على أجمل مقام. مكثتُ معها شهراً لم أرَ منها إلا الصيام والقيام، وبعد تمام الشّهر، أردت الذهاب إلى مجلس سعيد، فقالت: إلى أين تذهب؟ اجلس فإنَّ علم سعيد كلّه عندي.اهـ.

ربّما لا نملك ونحن نقف على تفاصيل هذه القصّة إلاّ أن نترحّم على الإمام سعيد بن المسيّب رحمه الله، ونحن نعيش زمانا أصبحت فيه المهور وتكاليف الزّواج مجالا رحبا لمزايدات يُعرف أوّلها ولا يعرف آخرها.. تعلّقت القلوب بالمظاهر، وعمّ التقليد والتّفاخر، وصرنا نفاجأ في كلّ عام بمطالب وشروط جديدة تضاف إلى تكاليف الزّواج، حتى أصبحت 100 مليون سنتيم هي الحدّ الأدنى لتغطية الفاتورة الباهظة لزواج يُعقد على كتاب الله وسنّة رسوله!، وربّما نتّجه بعد سنوات قليلة ليصبح هذا المبلغ غير كافٍ لإعفاف شابّ مسلم!.

لقد تنازل الرّجال عن قوامتهم في تحديد المهور وتوابعها وأسندوا هذا الأمر الخطير إلى النّساء وألقوا لهنّ الحبل على الغارب، فرُحن يتنافسن في رفع المهور وزيادة الشّروط والمطالب، وصارت قيمة الفتاة عندهنّ بقدر غلاء مهرها وغلاء الذّهب الذي يهديه إليها زوجها، وبقدر حمولة الأثاث الذي تحمله إلى بيت الزّوجيّة ويُعرض للنّاظرين، وصارت بعض الأمّهات تصرّ الواحدة منهنّ على أن تكلّف خطيب ابنتها ما لا يطيق لأجل أن تفخر أمام قريباتها وجاراتها بما تنتزعه ابنتها من "شريك حياتها" من ذهب وألبسة وهدايا يشترط أن تكون أسعارها مرتفعة وتتماشى مع الموضة!.. ما عادت كثير من الأمّهات يفكّرن في عواقب هذه المغالاة والمباهاة، وما عاد يهمّهنّ أن يكلّف الخاطب نفسه ما لا طاقة له به ويضطرّ إلى الاستدانة، ويعيش سنينَ طويلة من حياته الزوجية يحمل همّ الدّين الذي أثقل كاهله، وينظر إلى تلك الزّوجة على أنّها السّبب فيما يعانيه.

بسبب هذه السلوكيات، سيطر اليأس على نفوس كثير من الشّباب الذين أصبح الزّواج بالنّسبة إليهم حلما صعب المنال.. فمنهم من تسلّح بالصّبر واتّقى الله، ومنهم من أغراه الشّيطان بالولوج إلى عالم الفساد، وذلّل له سبل الحرام، وجعله يستبيح كلّ وسيلة لقضاء نزوته، وبُلي المجتمع من جرّاء هذا باستشراء العلاقات المحرّمة والصّداقات الآثمة التي أصبح كثير من الشّباب يرون فيها بديلا عن الزّواج.

لقد قام الخيّرون في بعض مناطق الوطن بمبادرات تستحقّ التّشجيع، لتسقيف المهور، وجعلوا لها حدا لا يسمح بتجاوزه، وهو سعي مشكور ينبغي أن يُثمّن ويعمّم، وأن يدعو إليه أئمّة المساجد ويحضّوا عليه، ولا يلتفتوا إلى الفتاوى التي تمنع تسقيف المهور، لأنّها تستند إلى أدلّة تتعلّق بما يبذله الخاطب عن طيب نفس، ولا تتعلّق بواقع مثل واقعنا الذي يُذبح فيه الخاطب ويسلخ بشروط يحملُ عليها الرياء والمفاخرة والتقليد الأعمى، كما ينبغي للأئمّة أن يحثّوا الرّجال على استرجاع قوامتهم المسلوبة، ويمنعوا النّساء من التدخّل في تحديد المهور ووضع الشّروط، ويزجروهنّ عن التعبّد للمظاهر الفانية على حساب المبادئ والأخلاق.. إنّ قيمة المرأة ليست فيما يُبذل لها من مهر ويُرصد لها من هدايا، وإنّما في دينها وأخلاقها، في حيائها وإبائها، بل إنّ أيسر النّساء مهرا هنّ الأكثر بركة، ولو كان مهر المرأة بقدر مكانتها لكانت سيّدة نساء العالمين، ابنة إمام المرسلين، الصديقة فاطمة رضي الله عنها، أغلى نساء هذه الأمّة مهرا، لكنّها –رضي الله عنها- زُفّت إلى عليّ رضي الله عنه، بمهر لم يتعدّ درعا حطمية لا يتجاوز ثمنها بضعة دراهم.

  • print