"عَمّار أوزقان".. دافع عن الأمازيغية وانتصر للعربية والإسلام

date 2017/03/16 views 3309 comments 26
محمد سليم قلالة

أستاذ جامعي

بالنسبة لي ولكثير من أبناء جيلي على الأقل، كان "عَمَّار أوزقان"، شيوعيا، مُلحِدا، مثيرا للنزعة البربرية، عدوا للغة العربية والإسلام، قبل أن نقرأ له وعنه.. هكذا كان تزييف وعينا بماضينا عن عمد، ونحن شباب، لِيتم تحطيم مستقبلنا وتوجيهه الوجهة التي يريدون.. وهكذا علينا أن نقف اليوم في وجه هذا التزييف لأجل أبنائنا وأحفادنا حتى يصنعوا بثبات مستقبلهم المشترَك والمشرق، وأن نَصدَح بالقول إن "عمَّار أوزقان" الذي تم تصويرُه لنا بكل تلك الصفات المُحرِّضة على زرع بذور الفتنة والتفرقة والتشكيك بين الجزائريين، هو في حقيقة الأمر أكثر من وطني مخلص، وثوري صادق كافح من أجل جزائر الغد وأجاب عن أسئلتها المستقبلية، وإن كان بصيغة الماضي.

لم يكن ولن تكون هناك مشكلة هُوية بالجزائر في المستقبل، ولن يتم  تزييف الوعي الأمازيغي بها، ولا تحريفُ الأبعاد العربية، ناهيك عن العمق المسلم لهذا البلد مادامت الآلة الاستعمارية الفرنسية وآلة عملائها فيما بعد، بكل ما أوتيت من وسائل، قد فشلت في تحقيق هذا طيلة نحو قرنين من الزمن، لن يتحقق السيناريو الذي مازالت تَحلم به بعض القوى بافتعال صراع حول الهوية أو حول الدين أو حول المذهب في الجزائر مادامت لم تتمكن من تشويه صورة مناضل مثل "أوزقان" وتثبيتها بالصورة التي أرادت رغم ما كانت تملك من قوة عسكرية وأساليب دعائية للتمييز العرقي والجهوي، وأذناب لم يتوقفوا عن خدمتها طيلة عقود من الزمن.. وكم مثله من رجال ونساءٍ فشلت أيضا في تزييف حقيقتهم، سياسيين، أدباء، فنانين، ومناضلين من مختلف الجهات والاتجاهات، وانتصر التاريخ الشعبي في آخر المطاف على الادِّعاءات الرسمية بالتخوين أو التشويه، ليجد أبناء الوطن الواحد أنفسهم في آخر المطاف ضمن طريق مشترك يجمعهم من أجل هذا البلد الذي دفعوا الثمن غاليا من أجل تحريره.

كان نائبا في البرلمان الفرنسي، وكان أمازيغيا لا يعرف العربية ومتعلما في المدارس الفرنسية، حيث كانت تُكرَّس فكرة أن أصولنا من بلاد الغال، وأرضَنا جزءٌ من فرنسا ومن قارة إفريقيا الرومانية، وكان يدافع عن كونه قبائلياً وفي ذات الوقت ينتصر للعربية والإسلام وبقية الجزائريين.

ولعل نموذج "عمَّار أوزقان" أحد هؤلاء  الرجال الذين جمعوا بين السياسة والنضال والثقافة، وفشل التاريخ المشوَّه في تزييف صورتهم لدينا ولو بعد حين.

والعودة لمواقفه وكتاباته منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، كم هي آلة تزييف التاريخ فتّاكة ولكنها في ذات الوقت غير قادرة على الصمود أمام الحقائق التي سجّلها أصحابُها بأنفسهم وتركوها أمانة بين أيدينا لتقرأها الأجيال ذات يوم، وهو ما نفعل ونريد أن يشاركنا فيه غيرُنا تأكيدا لأننا في كل الحالات سننتصر في معركة الصراع الإيديولوجي وإن تكبَّدنا خسائر كبيرة على جبهات الصراع الأخرى السياسية والاقتصادية والأخلاقية... لأننا ما دمنا لم نَنهزم على جبهة الصراع الفكري، فإنه يبقى بمقدورنا استعادة عوامل النصر على كافة الجبهات الأخرى.. تكفينا قراءة في تراث "عَمّار أوزقان" لنتأكد من هذه النتيجة.

كم حاول الإعلام المضادّ لوحدة الشعب الجزائري تشويه رموزنا وتشكيكنا في هويتنا وانتمائنا ووحدة الشعور لدينا باتجاهاتنا السياسية المختلفة، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين؟ هل بإمكان هذا الإعلام أن ينكر أن "عمّار أوزقان" كان يكتب جنبا إلى جنب مع "مالك بن نبي" في جريدة "الشاب المسلم" وبطلبٍ من مُنشئها أحمد طالب الابراهيمي؟ هل بإمكان هذا الإعلام أن يمحو تلك المواقف المشتركة لأجل مستقبل الجزائر التي كان يتقاسمها مع محمد الشريف ساحلي، والدكتور عبد العزيز خالدي، وإسلام مدني، ومحمد لبجاوي، ومصطفى الأشرف والهاشمي التيجاني حتى لا نذكر سوى هؤلاء، وهي المواقف التي كانت جميعها تدافع عن جزائر الغد وإنْ بوجهات نظر متنوعة ولكنها متكاملة  وفي جريدة تابعة لجمعية العلماء المسلمين؟ 

هل يستطيع هذا الإعلام أن يُفسِّر لنا كيف كان "عَمّار أوزقان" الذي انتمى إلى الحزب الشيوعي الجزائري وقاده في منتصف الأربعينيات، وكان نائبا في البرلمان الفرنسي، وكان أمازيغيا لا يعرف اللغة العربية ومتعلما في المدارس الفرنسية، حيث كانت تُكرَّس فكرة أن أصولنا من بلاد الغال، وأرضَنا جزءٌ من فرنسا ومن قارة إفريقيا الرومانية، كيف كان يدافع عن كونه قبائلياً وفي ذات الوقت ينتصر للعربية والإسلام وبقية الجزائريين؟ كيف كان يرى بوضوح تام تلك الألاعيب الاستعمارية ولا يقع في فخ معاداة ابن باديس ولا البشير الابراهيمي وكل تلك الرموز الثقافية والتاريخية التي كانت تصنع تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر حتى اعتبره آيت أحمد في كتابه "Mémoires d’un Combattant" ص 113، قد التحق بالعلماء بقبوله الكتابة في جريدة Le jeune Musulman (الشاب المسلم)!

لقد أعطى السيد محمد السعيد (الوزير السابق) في مقدمة كتاب "عَمَّار أوزقان الثوري السعيد"Amar Ouzegane le révolutionnaire heureux الذي نشرته دار "عالم الأفكار" بالجزائر (2016)، الرجل حقَّه من التحليل، كما شهدت المقالات التي تم جمعها في هذا الكتاب  والتي صدرت للمناضل "أزقان" في جريدة الشاب المسلم Le jeune Musulman على جوهر الوطنية لدى الجزائريين وتعلقهم بتنوعهم الثقافي ولغتهم، عربية كانت أم أمازيغية، في وحدة وانسجام لا شك فيهما.

ولعلي هنا  لن أزيد عن نقل بعض المقتطفات مِمّا خطَّه "أوزقان" بنفسه، محيلا القارئ على قراءة الكتاب المذكور أعلاه فقط، لنتأكد أنه لا خوف على مستقبلنا ما دام في ماضينا كل هذا الوعي وهذا الانسجام والدفاع عن مقوِّماتنا المشتركة وعيشنا المشترك في هذا البلد الواحد رغم كل الاختلافات الطبيعية التي بيننا إن في مجال اللغة أو القناعات السياسية أو التوجُّهات الحزبية أو الاختلافات القائمة حول كيفية إدارة شؤوننا الداخلية وعلاقاتنا الخارجية.

رغم كل هذا التنوع فإن "أوزقان" كان يقول بشأن الإسلام، إن والدته كانت تعيد له التوازن بعد الاضطرابات التي تسعى المدرسة الفرنسية  إلى غرسها فيه، وهي تلقِّنه أن أجداده من بلاد الغال وبلده هو إفريقيا الرومانية، كانت والدته تُعلِّمه الانتماء إلى الإسلام وتعرِّفه بأمجاد مرحلة الرسول وبكرامات السيدين علي وعمر وبالصحابة وتحفّظه أشعار  أمحند أولحسين...(الشاب المسلم، العدد 10، 28 نوفمبر 1952)، وكان لا يتردَّد في أن يكتب سنة 1952 في نفس الجريدة عدد 04 أن "الجزائر هي أرض الإسلام، ولن تقبل أبدا أن تكون أرضا فرنسية ـ مسيحية".

كما كان لا يتردد في القول بخصوص العربية في مؤلفه Le Meilleur combat  (ص 38) الذي تُرجم في حياته إلى العربية تحت عنوان (الجهاد الأفضل)، أن تعلُّم العربية من جديد يعني استعادة التربية الطبيعية، العقلانية والتاريخية التي تسمح بمعرفة لماذا أعطت جبال جرجرة المنيعة على المسيحية، أعلى قمة بها اسمَ "لالة خديجة" تيمُّنا بزوجة الرسول العربي وأم المؤمنين؟ سيسمح بتفسير كيف مَحت اللغةُ العربية اللاتينيةَ من إفريقيا الرومانية، وكيف أن الأمازيغية ليست غريبة عنها... ولم يكن هذا موقفا جديدا منه بل أعلنه قبل ذلك في 05 أفريل 1946 بباريس في خطابه أمام البرلمان الفرنسي عندما طالب بالاعتراف باللغة العربية لغة رسمية إلى جانب الفرنسية.

أما بشأن التفرقة بين الجزائريين، فإنه ميَّز بين التمسك بالجذور الأمازيغية للشعب الجزائري التي تشكل أحد مظاهر أصالته وينبغي عدم التنكُّر لها، وبين استغلال ما يُعرف بـ"البربريزم" آنذاك لأغراض سياسية واعتبار ذلك ليس مسألة ثقافية ولغوية إنما ايديولوجية متخلفة ضد العربية والإسلام والوطنية كما جاء في مقاله (Le Berbérisme doctrine réactionnaire de division impérialiste) الصادر في 6 جوان 1952. وقد أعطى تفسيرا أكثر من إيجابي لعبارة الثقافة  العربيةـ البربرية (arabo-berbère) عندما كتب يقول في مؤلفه "الجهاد الأفضل"، أن هذه الكلمة المُرَكَّبة تُعبِّر عند الكولونياليين عن فكرة التعارض بين لغتين وثقافتين، أما بالنسبة لنا فإنها تمثل أداة الربط بين أمتين شقيقتين، وتُبين الأصول التاريخية التي انبثقت عنها الأمة الجزائرية المعاصرة...

ألا تكفي مثل هذه المواقف لنقرأ "أوزقان" من جديد، ونعرف أنه وأمثاله كانوا يجيبون عن أسئلتنا المستقبلية بصيغة الماضي، وما علينا سوى قراءتها بتمعن وعمق وبعد نظر؟ هل نفعل؟

  • print