الجرائم الأربع في حياة الناس

date 2017/04/12 views 1978 comments 7

في برنامج –لا أتذكر عنوانه- بفضائية الفلوجة التي تبث من تركيا، شد انتباهي كلام مهم جدا لضيف البرنامج وأظنه عراقي، يصلح لأن يكون موضوعنا هذه المرة، لارتباطه بالحالة النفسية العامة التي تمر بها شعوب عالمنا العربي والإسلامي اليوم؛ بل ومنذ قرون خلت.

قال ضيف الحصة: "إن مسلسل تدمير الذات يبنى على الجرائم الأربع وهي: دوام التشاكي، إسكات الصوت الداخلي الإيجابي، تتبع العورات وأخيرا العدوانية".

وهذه الأمور التي أطلق عليها صاحبنا مصطلح "الجرائم"،  لكونها تتسبب في تدمير ذات حاملها، وليست لكونها قيما سلبية منعزلة عن مصير الإنسان، أو هي قاصرة عليه، وإنما لكنوها قيما سلبية متعدية من الفرد إلى الجماعة؛ لأن ما يتأثر به الفرد ويتفاعل معه ينعكس على الجماعة سلبا، على اعتبار أن الإنساني مدني واجتماعي بالطبع.

فتدمير الذات سمة الإنسان المتخلف الذي لا يرى من نفسه إلا ذلك الإنسان الذي يسير في الواقع كالريشة في مهب الريح، لا يقوى على شيء، إلا بما تلبيه الغريزة، ولا يصلح لشيء إلا لتحقيق الملذات العاجلة، ولو كان ذلك على حساب الآخرين، ولا يعنيه شيء إلا ما كان عاجلا..، فلا أفق ولا مستقبل له، إلا تلك اللحظة التي تشبع غريزته من جميع جوانبها، مثل الحيوان تماما.

وبحكم أن الطبيعة البشرية ليست كذلك، وإنما هي خاضعة لقانون الجماعة التي فطر عليها البشر ابتداء من طبيعة الأسرة والنظم الإجتماعية وأعرافها وشرائعها، وانتهاء بالمجتمع بجميع أبعاده المحلية الإقليمية والدولية، ولذلك كان سلوك الإنسان المتخلف تدميرا للذات بكل ما تحمل المفردة من معاني التدمير؛ لأنه يختزل كل العالم وحركته في "أناه" العاجزة القاصرة، كما أن تدمير الذات أسوأ ما يتوصل إليه المرء بتجاوزاته المختلفة؛ لأن تلك التجاوزات لا تبقى قاصرة عليه، وإنما تتجاوزه، بحيث تعم البسيطة، سواء بتدمير الذات أولا، ثم الانتقال إلى باقي المحيط بدوائره الأسرية المجتمعية الإقليمية الدولية، أو بتدمير المحيط ثم الانتقال إلى الذات فيدميرها هي أيضا.

وهناك وجه آخر لتدمير الذات وهو انه لا ير في نفسه القدرة على فعل شيء، أو لذاته محل في هذا الوجود..، رغم ما يتمتع به الإنسان من قدرات وطاقات هائلة، فيذلها وسحقها سحقا، بإخضاعها لهذا الخضوع ةالخنوع. وهذا التدمير لا ينزل هكذا من السماء على الإنسان بلا مقدمات ولا مؤشرات ومبادئ تؤدي إليه، وإنما يكون مسبوقا بأمور تمهد له بمثابة الأركان التي تبنى عليها جميع رذائل الذلة والهوان، ابتداء من الابتعاد عن الاهتمام بالشأن العام، والاقتصار على المحيطات الضيقة بالاهتمام والانشغال، وفروعها وأجزاؤها كثيرة جدا، ولكن يمكن اختزالها في كليات وأمهات، وهي هنا القضايا الأربع التي أطلق عليها صاحبنا "الجرائم الأربع".

 فالجريمة الأولى: جريمة دوام التشاكي؛ فدوام التشاكي لا ينبئ بالمعاناة –ابتداء- بقدر ما ينبئ بعدم الرضى عن الواقع أو قل هو التذمر المطرد، الذي لا يعتبر شدائد الواقع من طبيعة الطريق، أو كما يقول مثلنا الشعبي الجزائري: "الشكوى لغير ربي فضيحة"، إذ لو اعتبر الشدائد طبيعة لما استرسل في التشاكي وإنما لانصرف إلى البحث عن مخارج لهذه الشدائد.

لا شك أن التشاكي في أصله مشروع في حالة الضيق والشعور بالغلبة والعجز، إذا كان مشفوعا بتلمس المساعد والكاشف، ولكنه يصبح مشكلة إذا تجاوز المستوى الظرفي لطبيعة الضعف الإنساني، لأنه سرعان ما يتحول إلى مرض لا يعقبه إلا تجاهلا لطاقات الإنسان الكامنة، والقدرات الإبداعية الرائعة التي تقفز بالإنسان إلى تجاوز محنه مهما قوية وتكاثرت، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ أَوْ رَجُلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ"، وهو الحديث المحفوظ عند الناس بقولهم "لو تعلقت همة المرء بالثريا لنالها"... فالتشاكي إذا طبيعة بشرية ولكن الإكثار منه بداية انحراف. 

أما الجريمة الثانية التي هي إسكات الصوت الداخلي الإيجابي، فإن للإنسان صوتان بداخله، صوت سلبي ينبهه إلى مواطن الضعف فيه، فينتج عنه التردد والتجاهل والخوف والتحلل من الالتزامات الإجتماعية والأخلاقية والسياسية، وصوت آخر إيجابي يثير فيه ما به من قوة وإقدام وتركيز والتزام وشعور بالمسؤولية بجميع أبعادها الإجتماعية والأخلاقية والسياسية أيضا. وإسكات هذا الصوت الثاني، يؤدي حتما إلى السلبية والقعود، وهو الوجه الثاني لتدمير الذات.

لا شك أيضا أن القضايا الإنسانية نسبية، والفروق بين الإيجابيات والسلبيات منها لا تكاد ترى، كما أشرنا إلى ذلك في موضوع "قصة الخوف"، وذلك في عرضنا لخفاء الفروق التي بين الحكمة والجبن، الاقتصاد والشح، الشجاعة والتهور، الكرم والتبذير...إلخ، ولكن الرجل السلبي والرجل الإيجابي، يعرف أمرهما بما غلب على كل منهما، فالإيجابي ما كان غالب شأنه إيجابي أما السلبي فما كان غالب شأنه سلبي، وهذا الأخير هو من اعتاد وغلب عليه إسكات صوته الداخلي الإيجابي...، كالذي تمر به أحداث كلها تشهد على أنها مرحلة تاريخية هامة تعبر عن انعطاف في حياة المجتمع توجب على المهتم بالشأن العام استثمارها، ولكنه لا ينتبه إلى ذلك لأنه رهينة لصوته الداخلي السلبي، الذي يقول له إن هذه مؤامرة على الأمة..، أو هذه فتنة..، أو هذا تهور وتنطع.. وما إلى هنالك من المصطلحات المهزومة بلا معارك.

وللتغلب على هذه "الجريمة" نحتاج إلى ثقافة عالية في حركة المجتمعات وزاد معرفي لنخب المجتمع، لإدراك الثوابت والمتغيرات في المجتمعات، وقوانين الصعود والنزال في حركة التاريخ....، وإذا كان المهزومون ينظرون إلى القوى الطاغية الغالبة، فإن الإيجابيين المغلوبين على أمرهم، في نمو مستمر ومرشحون لقلب الطاولة على الطغاة والمفسدين.  

أما تتبع العورات والذي يمثل الجريمة الثالثة، فهو سلوك تجاه الآخر وليس مسألة أخلاقية متعلقة بالذات فحسب، وبحكم أن العلاقات الإنسانية مبناها على الإجتماع والتعاون والتلاحم والتلاقي والتعاون وتبادل المصالح...إلخ، فإن تتبع العورات مرض اجتماعي، يصدر عن عين ساخطة، وكما قال الشاعر العربي: 

عين الرضى عن كل غيب كليلة

وعين السخط تبدي المساويا

ومن ثم فهي تبحث عن كل ما يسمم العلاقات بين الذات والآخرين؛ لأن الإنسان من جهة أخرى يحب أن تذكر محاسنه لا أن تعد معايبه ومثالبه.

على أن الأصل في المعرفة بالإنسان تقتضي معرفته بما فيه وذكره بذلك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، بينما الناس يريدون أن يذكروا بمحاسنهم وليس بعيوبهم ومثالبهم ولو كانت حقا، ويبالغ بعضهم فيشتهون مدحهم بما لم يفعلوا، ويرفضون ذكر عيوبهم أو تذكيرهم بها. ودوام العلاقة واستمرارها بين الناس، لا يمكن أن تكون إلا بالتركيز على ما يحبون، لا على ما يكرهون، وهو أمر طبيعي.

أما معالجة العيوب فيمكن التغلب عليها بوسائل أخرى وليس بمجرد ذكرها لأصحابها فتكون بمثابة الفضح الذي يأباه الإنسان بطبعه، كما انه لا يليق بقيم الإنسان الرفيعة ولذلك كانت المخالقة والمجاملات وغيرها من محاسن الأخلاق، بعيدا عن المبالغات المفضية إلى الكذب وزور القول والنفاق.

وأخيرا الجريمة الرابعة وهي العدوانية، وهذه الصفة من أذم صفات الإنسان في علاقاته مع أخيه الإنسان؛ لأن العدوانية مضادة لقيم الإنسان التي مبناها الأساس على التكريم والإحترام والتقدير، وعليه فإن العدوانية لا تتناغم مع تلك القيم الإنسانية السامية؛ بل هي أقرب للحيوانات والوحوش المفترسة أكثر منها صفة للإنسان وأسلوب تعامل بين بني البشر؛ بل لا يوجد مبرر للعدوانية على أحد إلا ما كان من رد على الشيطان الذي هو عدو للإنسان.

  • print