رمز ابن باديس في الشعر الجزائري الحديث

date 2017/04/20 views 3841 comments 13

لا يكاد يمرّ وقتٌ قصير حتى تتدعم "المكتبة الباديسية" في الجزائر وفي الخارج في الشرق وفي الغرب، برسالة جامعية، أو ببحث أكاديمي، أو بوثائق تُكتَشف عن الإمام المرتضى، عبد الحميد ابن باديس، الذي أنعم به الله – عز وجل – على الجزائر في أحلك أيامها، وامتن به على الجزائريين في أيامهم النحسات تحت سيطرة أسوإ المخلوقات من الفرنسيين وأذنابهم طيلة قرن واثنتين وثلاثين سنة، ولا ينكر فضلَ الإمام ابن باديس، ولا يجحد عمله، ولا يبخسه أشياءه إلا أراذلنا من بادي الرأي، بعدما استحوذ عليهم الشيطان، واقتدوا بجنود إبليس، فحسبوا أنفسهم، وحسبهم الغوغاء أنهم على شيء، في حين أن أمثلهم طريقة هو من يوحي إلى الشيطان.. إذ ما قيمة العلم الذي لا يهدي عقل صاحبه إلى طريق الحق؟ وما قيمة العلم الذي لا يُخشِع قلب صاحبه لآيات الله الباهرة في الآفاق وفي الأنفس؟ ونسأل الله – عز وجل – أن يُبعدنا بُعد السماء السابعة عن الأرض السابعة عن الأبعدين عنه تعالى، ولا يُجري أسماءهم على ألسنتنا حتى لا نتلوّث..

لقد سعدت في بداية هذا الأسبوع بمجموعة من الكتب عدت بها من مدينة قسنطينة بعدما تشرّفت بالمشاركة في فعاليات الاحتفال بيوم العلم، المخلد لذكرى الإمام عبد الحميد ابن باديس، الذي "كان فنّا في الرجولة". كما يقول الإمام الإبراهيمي (البصائر 2 – 5 – 1949. ص 2).
إن تلك الكتب القيِّمة أكثرها حول الإمام عبد الحميد ابن باديس، وهي مما أخرجته مؤسسة الإمام عبد الحميد ابن باديس، التي نفخ فيها الأخ الدكتور عبد العزيز فيلالي من روحه، وأهمّ ما حققه لها أخيرا حصوله على مقر محترم لها في قلب قسنطينة، غير بعيد عن معهد الإمام ابن باديس وغير بعيد عن مطبعة ابن باديس، وغير بعيد عن شارع ابن باديس، الذي سمَّاه مالك ابن نبي "شارع الفكر". فهنيئا للأخ فيلالي، ولمساعديه، وشكرا لمن كان السبب في حصول المؤسسة على هذا المقر.. بعدما كان في "جحر ضبٍّ خرب".
ومما عدت به أيضا كتاب عنوانه: "رمز ابن باديس في الشعر الجزائري الحديث" للأستاذ لميس حمادي، وقد أهداه لي – مشكورا – والدُها الصديق الدكتور عبد الله حمادي..

المبطلون لم يغفروا لابن باديس الذي حرَّر الجزائريين من "الفكر الميت، والفكر القاتل" كما يقول ابن نبي، وأحياهم بالفكر الحي المُحيي، ولكن "البوادس" سيعيدون سيرة ابن باديس، ولن يمكث في الجزائر إلا ما ينفع الجزائريين من دينٍ صحيح سليم، ووطنية صادقة، مهما تطل أيام هؤلاء وأولئك.. من الناشرين للبدع والخرافات، ومن المشيعين للفواحش والمنكرات.

ظننتُ الكتاب عاديا، فإذا هو غير عادي من ناحيتين:
أولاهما أنه من تأليف أستاذة، وكأنها بهذا العمل تشكر الإمام ابن باديس الذي أحيا واجب تعليم البنت، بعدما وأدها "وأدا حضاريا" أولئك الذين حرموها من هذه النعمة الكبرى باسم "دينهم" لا الدين الذي أنزله الله – عز وجل -  على رسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم. والأمر الثاني لفت نظري هو العنوان الذي أطلقته على مضمون الكتاب، وهو "الباديسيات" أي هذه "المدونة الشعرية" التي قيلت في الإمام عبد الحميد ابن باديس، سواء في حياته أو بعدما وُسِّد في الترب". وقد ذكرني هذا المصطلح "الباديسيات" بمصطلح آخر لأحد الإخوة في مدينة عين صالح هو محمد عبد القادر سلمات، حيث أطلق اسم "البوادس" (1) على  المؤمنين بمبادئ الإمام ابن باديس، المجادلين المجاهدين عنها، الداعين باللسان والقلم إليها، وندعو الله – عز وجل – أن يثبِّتنا عليها.
والمفاجأة التي ننتظرها من الأستاذة الفاضلة هي أن تعمل جهدها لإخراج ما أشارت إليه من أنها عثرت في مكتبة والدها على مخطوط للأستاذ الطيب عيلان، الذي هو أحد تلاميذ الإمام ابن باديس، وعنوان هذا المخطوط هو "تاريخ الإمام عبد الحميد ابن باديس"، الذي يذكِّرنا بكتاب الشيخ محمد رشيد رضا عن أستاذه الإمام محمد عبده. رحم الله الجميع.
لقد قسَّمت الباحثة عملها إلى ثلاثة فصول، تناولت في أوَّلها حياة الإمام ابن باديس، واهتمت في الفصل الثاني بالجوانب الفنية لهذه "الباديسيات"، من تشكيل موسيقي، ولغة وصورة شعريتين، والبنية الشعرية العامة.. وأما ختام الدراسة فكان لنماذج من هذه "الباديسيات"، مع بعض التعاريف لبعض الشعراء.
وقد لاحظتُ أن الأستاذة الفاضلة أدرجت في "الباديسيات" قصيدة لمحمد العيد آل خليفة عنوانها "يا سامر الأنس"، وهي قصيدة لا علاقة لها بالإمام ابن باديس (140– 141). لاحظت إغفال الأستاذة لبعض "الباديسيات"، لشعراء آخرين مثل صالح خرفي، وعمر البرناوي، وبلقاسم خمار، وصالح باجو، ومبارك جلواح، وأبي الحسن علي بن صالح، وعبد الكريم العقون، وحسن حموتن وغيرهم.. ونرجو تدارك ذلك، كما نرجو تصحيح ما شان هذا العملَ من أخطاء..
جاء في قصيدة لشاعر من شنقيط، قوله:
ذنب ابن باديس ذنبٌ غير مغتفر    يدعو لتحطيم أنصاب وأوثان
وفعلا، فإن المبطلين لم يغفروا لابن باديس الذي حرَّر الجزائريين من "الفكر الميت، والفكر القاتل" كما يقول الأستاذ مالك ابن نبي، وأحياهم بالفكر الحي المُحيي، ولكن "البوادس" سيعيدون سيرة الإمام ابن باديس، ولن يمكث في الجزائر إلا ما ينفع الجزائريين من دينٍ صحيح سليم، ووطنية صادقة، مهما تطل أيام هؤلاء وأولئك.. من الناشرين للبدع والخرافات، ومن المشيعين للفواحش والمنكرات.
1) محمد عبد القادر سلمات: ديوان دغدغة المشاعر ص 82.

  • print