الإسمنت المسلح يزيل اللون الأخضر لمتيجة وينذر بتجويع الجزائريين

"بوينان"... جريمة في حق الطبيعة!

date 2017/04/20 views 19832 comments 36
  • أشجار البرتقال والتفاح تقتلع وتحرق وحقول الخضروات تجرف بدم بارد
  • سكان المنطقة: لا نرفض المشروع لكنه استنزف أخصب المروج
author-picture

icon-writer راضية مرباح

على مرمى من سهول متيجة وعلى مشارف ولاية البليدة، تطل مدينة بوينان، تلك البلدية الصغيرة التي ظل اسمها إذا ذُكر، يُجهل موقعها لدى الكثيرين إلا أن انصب الاختيار عليها لتكون ضمن المناطق المعنية بمشاريع المدن الجديدة، لتحول هدوء المنطقة وسكونها إلى ضجيج وصراخ لم يأت بأي نتيجة رغم الاحتجاجات المتواصلة لأبناء المنطقة رفضا للمشروع الذي لم يتم استشارتهم في المخطط الجديد لها لا من قريب ولا من بعيد، حتى إن أراضيهم الفلاحية سُلبت منهم بطريقة وُصفت بالاغتصاب الجنوني والهمجي.. فلم تشفع شكاويهم ولا تدخلات المسؤولين المحليين لوقف المجازر المتتالية على مساحاتها الفلاحية التي زحف إليها الإسمنت بشكل مخيف.

آهات السكان المتواصلة دفعت "الشروق" إلى زيارة المنطقة من أجل الوقوف على الكارثة التي حلت بالطبيعة وسط سهول عروس المتيجة.. فبوينان أو بوعينان كما يسميها البعض والتي يعود تأسيسها إلى الحقبة الاستعمارية بعدما اختار موقعها الكولون لجعلها أهم منطقة بالوطن لتصدير الخضر والفواكه نحو الخارج، كيف لا وهي تنام على مساحة إجمالية تقدر بأكثر من 7400 هكتار، نحو 60 بالمائة منها تشكل أراضي جبلية وشبه جبلية بمرتفعات بسيطة يمكن أن تستغلّ فوقها لبناء سكنات أو حتى تجمعات سكانية وأحياء لمدينة جديدة تضاهي تلك المتواجدة بالدول المتطورة من دون المساس بسهلها وأراضيها الخصبة التي تتربع على 40 بالمائة من المساحة الإجمالية، فرضت على سكانها امتهان الفلاحة بالدرجة الأولى بعدما توارثوها أبا عن جد، وقد سميت كذلك نسبة لشخصية مشهورة من وجهاء وأعيان المنطقة والذي كان ذا عينين جاحظتين ما جعل الأهالي يلقبونه بـ"بوعينان"، أما كلمة "بوينان" فتقول روايات أخرى، أنها تعود للإسبان الذين استقروا بالمنطقة خلال الدخول الأول للمستعمر الفرنسي، فانبهروا بها وبطبيعتها، حيث كانت كلمة "بوينو" لا تفارق لسانهم كلما مروا على وجهة أعجبتهم وهي الكلمة التي تعني "جميل".

جبال وسفوح ومروج واخضرار

جولتنا إلى المنطقة كانت في حدود الواحدة بعد الزوال، أخذنا مسلك مدينة بوقرة عبر سيدي موسى باعتبار أن الطريق مختصر للوصول إلى بوينان التي لا تبعد عن عاصمة البلاد بسوى 40 كلم.. المحور ولو أنه كان ضيقا ومملوءا بالممهلات، إلا أن متعة المناظر تنسي الزائر كل العراقيل حتى إن الروائح الكريهة المنتشرة عبر عدة نقاط نتيجة تراكم مخلفات الذبح العشوائي للدجاج تهون بغلق النوافذ في سبيل التمتع باخضرار قلما نشاهده في خضم الحياة السريعة داخل المدن..
اخضرار طول الطريق، بساتين وأشجار مثمرة وأخرى مساحات مخصصة للخضر والقمح، في حين تقابلك سلسلة من الجبال ظلت تحوي العديد من السكان في تجمُّعات مختلفة قبل أن يهجروها خلال العشرية السوداء هروبا من بطش الإرهاب الذي اختارها معقلا له.. فالعيش في مثل هذه المرتفعات اليوم يُعدُّ مكسبا حقيقيا في حال التفكير في إيجاد مخطط لتسطيح المرتفعات وجعلها مواقع قابلة للتعمير حتى تمتص مشروع المدينة الجديدة من دون المساس بالأراضي الفلاحية الخصبة.

جودة التربة تصنف الثالثة عالميا

العديد من المواقف والتصريحات التي وقفت عليها "الشروق"، تجمع على أن بوينان تعتبر من أهم المناطق الفلاحية بالدرجة الأولى بسهل متيجة، حيث تصنف تربتها من ضمن الأجود عالميا بعدما احتلت الترتيب الثالث دوليا، تكون بذلك أكثر المناطق التي يمكن أن تعزز مكانة الجزائر في الجانب الفلاحي من أجل النهوض بالقطاع الذي يمكن أن يكون بديلا للمحروقات خاصة مع الأزمة التي تعصف بأسعار الذهب الأسود الذي ظل منذ الاستقلال المورد الأساسي الذي تسترزق منه الجزائر في ظل الركود الذي يميز كلا من قطاع السياحة، والفلاحة والصناعة.. حتى وإن كانت بوينان خلال الفترة الاستعمارية أهم منطقة تُستغلّ لتزويد الدول الأوروبية بالحمضيات والخضر من خلال التصدير كما أن سوق الجملة المجاور لـ"رافيقو" يمكن تموينه سوى من غلة بوينان، إلا أن ذلك لم يشفع لها أن تتحول اليوم أراضيها الخصبة إلى اسمنت مسلح بعدما تم اقتلاع الآلاف من الأشجار المثمرة التي تعتبر مصدر رزق وقوت أبناء المنطقة. 
  
مشروع المدينة الجديدة.. إلى أين؟  

مشروع المدينة الجديدة لبوينان يندرج ضمن مخططات تهيئة المدن الجديدة الذي تم المصادقة عليه من خلال مراسيم تنفيذية تشمل كلا من تجمعات بوينان وعمروسة وملاحة والحساسنة وسيدي سرحان... وتم تصميم المدينة لاستقبال 52.000 مسكن وخمسة أقطاب للاستثمار مخصَّصة للتجارة وقطاع الصحة والترفيه والصناعة والخدمات ومقسَّمة إلى قطاعين وسبعة أحياء تضم كل متطلبات الحياة في المدينة، كما يضم مخطط التهيئة البنايات الموجودة في المدينة الجديدة وذلك بعد ترميمها وجعلها مطابقة للمخطط هي المراحل التي تشمل المشروع بعد عرضه للدراسة.
غير أن المخطط قابله رفضٌ قاطع من السكان الذين أكدوا أنهم لم يستشاروا لا من قريب ولا من بعيد في مشروع استحدث ببلديتهم الفلاحية وهو المشروع الذي سيغيِّر ملامح المنطقة، بعدما التهم مساحة كبيرة من الأراضي الفلاحية، في حين كان من الأجدر بالقائمين عليه التقرب من السكان قبل إجراء تعديل بإعطائهم نظرة عامة عن المنطقة وأبنائها والنمط المعيشي المعتمد، كما لم تؤخذ آراؤهم في عملية تعويض الأراضي لفائدة المنفعة العامة ما دفع بهم إلى الانتفاضة لأيام وشهور قصد لفت انتباه السلطات للتعبير عن رفضهم لما وصفوه بـ"الاغتصاب الهمجي" الذي تتعرض له مساحاتٌ فلاحية كبيرة لمستثمرات ظلت متنفسا لأبناء المنطقة كما وفرت لقمة العيش للمئات منهم ولأقرانهم، لكن لا حياة لمن تنادي بعدما أتت الجرارات على مختلف المساحات الخصبة المتواجدة بسهل بوينان.

هنا أحسن المواقع لتجسيد المشروع
ونحن نزور المنطقة أخذنا مسارا لطريق منحدر رفقة أحد أبناء بوينان لتفقد مرتفعات سيدي سرحان التي تبعد عن مقر البلدية بنحو 5 كيلومترات، الطريق الذي سلكناه بين الحقول والأشجار والمزارع كان يبدو مهجورا لولا ضجيج بعض الآلات والرافعات..
اقتربنا من بعض المنحدرات، فبدأت معالم بعض المشاريع ترتسم للعيان بعدما تم تسييجها، صادفنا على قارعة الطريق أكواما من الردوم مرمية بالاتجاهين.. شركاتٌ تركية وأخرى صينية انطلقت في تجسيد بعض المشاريع السكنية، منها من باشرت عمليات الحفر وأخرى ارتسمت معالم العمارات من خلال إتمام الطابق الأرضي بعدما بلغت نسبة الأشغال الإجمالية 10 بالمائة..
ومن خلال حديثنا مع أبناء المنطقة قيل لنا إن المدينة التي تعدُّ الأحسن لاستقطاب المشاريع السكنية تمنح جوا نقيا، كما أن كل من يعاني من مرض الربو أو الحساسية يمكن أن يتعافى بالمنطقة التي ستضم مستقبلا 7 آلاف وحدة سكنية ضمن برنامج "عدل"..
وإن كانت أغلب المواقف رافضة لإنجاز المدينة الجديدة لبوينان على مساحاتها وأراضيها الخصبة، فإن الزائر لسيدي سرحان يجده أكثر الأماكن التي يمكن أن تمتص أكبر عدد من السكنات وأحياء المدينة عن طريق التفكير في أساليب أخرى تمكِّن من تهديم أجزاء من المرتفعات حتى تُسطَّح وتكون ملائمة للبناء وتجنب بذلك كل الأراضي الفلاحية الأخرى على أن تكون الإمدادات للنقل والشبكات الأخرى باتجاه الموقع وهو ما كان يفترض أن يُؤخذ بعين الاعتبار ضمن الدراسة التي تسبق الانطلاق في تجسيد الأشغال.
 
أراض تحتضر وأشجار تُقتلع وتُحرق

عمروسة، المعصومة، زهايرية.. تعدّ من أكثر المناطق التي تنام على أجود الأراضي الخصبة الموجهة للفلاحة.. توجهنا إلى بعضها لمعاينة المواقع والوقوف على الشكاوى التي وصلتنا، فكانت الطامة بعدما وقفنا عند أغلب المستثمرات التي تم تسييجها بألواح حديدية في حين تمكنا من التسلل لأخذ صور عن المجزرة التي أتت على المئات من الأشجار المثمرة بعدما تم اقتلاع أكبر عددٍ منها وحرقها في الهواء الطلق على مرمى المستثمرات حتى إن دخان الحرق كان منتشرا ونحن نقوم بالمعاينة..
انتقلنا إلى مستثمرة أخرى فكانت المشاهد نفسها تتكرر بزيادة بعض أشغال الحفر.. استفسرنا عن الأمر فقيل لنا إن ما شاهدناه ما هو إلا عيِّنة بسيطة بعدما شهدت المنطقة في محاور وأحياء متفرقة المجزرة نفسها، غير أن ذلك لا يظهر إلى العيان بعدما تحولت إلى أحياء سكنية يشارف بعضها على الانتهاء مثل ما وقفنا عنده  بعمروسة التي بلغت الأشغال بها نسبة متقدمة، حيث وصلت بعض أشغال العمارات إلى الطلاء الخارجي. ومعلوم أن المدينة الجديدة ككل تضم 21 ألف سكن "عدل" من دون احتساب 7 آلاف سكن "عدل" أخرى بسيدي سرحان فضلا عن 784 مسكن "ال بي بي".
 
التنمية إلى إشعار آخر
تسبب قرار تجميد رخص البناء لبوينان في تراجع المستوى المعيشي للمواطنين بشكل كبير، حيث وجد السكان أنفسهم محاصرين بقرارات زادت من ركودهم وحالت دون تطوُّر منطقتهم، بل جعلت بلديتهم تكابد المظهر الهزيل لمنطقة تجاوزها الزمن بآلاف السنين لاسيما بعد توقف المشاريع التنمويّة المندرجة ضمن المخطّط العمراني للبلدية فلا مشاريع تنموية ولا حتى هياكل جديدة تعطي متنفسا للمنطقة..
استوقفنا الحال بمشروع سوق بلدية ونحن في طريقنا نحو عمروسة الذي بقي عبارة عن هيكل من دون روح بعدما لجأت السلطات المحلية إلى إحاطة مساحته بأسوار، غير أنه بقي مهملا إلى غاية الساعة.
 يحدث هذا بعدما غضت الجهات الرسمية الطرف عن إعطاء إشارة انطلاق برامج التهيئة ومخطّطات التنمية التي يبقى السكان بحاجة ماسة إليها، شأنها شأن قرار تجميد رخص البناء التي تبقى البلدية تستقبل المئات من الطلبات من دون أن تتمكن من تحرير الإجراءات الإدارية إلا بقرار سيادي.

  • print