الحرية ليست واحدة!

date 2017/05/05 views 2258 comments 21
سليم قلالة

أستاذ جامعي

كلنا نتفق على أن الحرية هي قيمة سامية في المُطلق، مَن مِنَّا لا يتطلع إليها ولا يتوق إليها؟ إلا أننا نختلف بشأن المعنى الذي تحمله عندما ترتبط بالواقع الذي نعيش، هل مفهومنا لحرية السلوك الاجتماعي واحد بالنسبة للمرأة أو الرجل، كما في أمريكا وأوروبا هو في آسيا أو افريقيا؟ هل مفهومنا لحرية العمل السياسي أو الاقتصادي أو الإعلامي واحد؟ ما الذي يجعلنا نختلف في إدراك "الحرية" كقيمة عندما ترتبط بالواقع؟ وهل من الطبيعي أن نختلف حول حدود هذه الحرية أثناء الممارسة ونحن الذين نتفق بشأنها في مطلق الأمر؟

يبدو أن المسألة هي بالفعل محلَّ إشكال، حيث يتناول البعض هذه القيمة وكأنها واحدة بالنسبة للجميع، في كل الحضارات وعبر كل حقب التاريخ، في حين يعتنقها آخرون ضمن الإطار الحضاري الغربي فتبدو وكأنها حرية بمفهوم الثورة الفرنسية أو التقاليد الأمريكية، ويقف آخرون منها موقف الريبة عندما يتعلق الأمر بحرية المعتقد والخروج عن الإطار الديني والأخلاقي الذي يؤمنون به.

كيف علينا أن نتصرف تجاه هذه القيمة السامية التي لا تخلو منها حضارة ولكنها كانت سببا في الصراع بين أكثر الحضارات؟ ألم يتم استعمار العالم باسم نشر الحرية والمدنية الغربية في القرن التاسع عشر؟ ألا يجري اليوم احتلال العراق وأفغانستان وسورية وليبيا والتدخل في أكثر من بقعة في العالم باسم الدفاع عن الحرية ونشر الديمقراطية وإعلاء كلمة المجتمع الحر؟ ألا تتم الهيمنة على اقتصاديات العالم باسم حرية التجارة الدولية؟ ألا يتم فرض قيم غربية إباحية ومنافية للكرامة الانسانية على المجتمعات غير الغربية وبخاصة المسلمة منها باسم حرية الإعلام وحق الوصول إلى الشبكات الالكترونية؟

يبدو بالفعل أننا اليوم أمام إشكال حقيقي يتعلق بهذه القيمة، هل ينبغي أن نستمر في الاعتقاد أننا معها في المطلق؟ أم علينا القَبول بتطبيقاتها المختلفة على الطريقة الغربية؟ أم أنه من واجبنا الدفاع عنها ضمن الإطار الحضاري الذي ننتمي إليه؟

يبدو أنه علينا الوصول إلى قناعة راسخة أن القيم ـ بما في ذلك الحرية ـ لا يُمكن إدراكُها أو ممارستها إلا ضمن إطارها الحضاري، وأنه علينا أن نصوغ مشروعنا لحرية التعبير وللحرية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضمن هذا الإطار الحضاري الذي ننتمي إليه، وإذا لم نفعل فبدون شك سنجد أنفسنا ذات يوم نقضي على كل قيمنا الأخرى باسم هذا العنوان الوافد.

غير صحيح أن لا حدود للحرية أو أنها تحمل ذات المعنى الذي يعطيه لها الإدراك الغربي أو إدراك المسلمين، كل يقصد غير ما يقصد الآخر عندما يوجه كلامه لأحد الأبناء: أنت حر فيما تفعل أو تقول، أو أنت حرة فيما تفعلين أو تقولين...

  • print