إعادة تدوير السلطة بوجاهة الديمقراطية

date 2017/05/10 views 2548 comments 2

لم تعد لعبة "السطو على السلطة" بالمسارات المسيَّرة عن بُعد تغري على المتابعة والرصد والتحليل، وقد تكشفت فيها معظم أدوات التضليل والتزوير والعبث بالعقول، فصار أقلّ الناس خبرة بالسياسة قادرا على التنبؤ بنتائج الصناديق حتى قبل أن تُنصّب خيام النصب على الناخبين بصناديق "يا نصيب".

قبل أن يستشرف السيد أويحيى نصيب حزبه من التشريعيات ويصدّقه المجلس الدستوري، كان العالم من أقصاه إلى أقصاه يعلم من سيكون الرئيس القادم لفرنسا شهورا قبل قيام الاستحقاق، وقد عُلم به منذ اللحظة التي صرح فيها جاك أتالي، أحد كبار كرادلة كنيسة الديمقراطية المسيَّرة بالرموت كونترول، قائلاً: "إن ماكرون يصلح أن يكون رئيسا جيدا لفرنسا".

وحدها المعارضة هنا وهنالك ما زالت بين احدى المنزلتين: إما أنها على قدر مخيف من السذاجة التي تقصيها حتما من طلب الإمارة، أو انها ممثل كومبارس مطلوب منه تسويد الصفوف في الزفة، ولا بأس بعدئذ أن يغرد ساعة من الزمن خارج السرب بلسان الذي يلحد بالتزوير، أو له ما للبعير الهائج تهدر شقشقته ساعة ثم تبرد.

الرئيس الفرنسي الجديد أُخرِج للناس في بحر سنة من تحت جناح رئيس فاشل، كانت شعبيته منهارة لا تسمح له بطلب تجديد العهدة، فتداعى لصناعته كل ما تملكه الصفوة المهيمنة خلف الستار من أدوات فعَّالة في قولبة الرأي العام وتسييره كما يُسيِّر فن التسويق رأي ربة البيت داخل كبريات مساحات التسوق، فاحتاجت إلى قرابة 17000 مقال وظهور تلفزيوني لتصنع من العدم رئيسا بديلا للفرنسيين يفوز من غير حاجة إلى دعم الآلات الحزبية، بل جيء له برؤوس الأحزاب وهي صاغرة من اليمين واليسار والوسط، وقد كفر الجميع بإنجيل كنيسته قبل أن يصيح الديك، ليدخل في دين وعهد الرجل الذي اختارته الأوليغارشية المالية.

ولأن المعارضة في دول "عريقة" في الديمقراطية مثل هذه تعلم أصول اللعبة، فقد دخلت في الصف في بحر ساعة، ولم تتهم المسار بالتزوير، لأنها تدين له بالبقاء وبفرص قادمة بعد خضوعها لإعادة التدوير، مع أن أوضاع الأحزاب الفرنسية التقليدية مثل: الحزب الشيوعي، والخضر، وأقصى اليمين، وأقصى اليسار، ليست أفضل من أوضاع أحزاب المعارِضة عندنا وهي "المتعوِّدة" منذ خريف 1991 على المشاركة في مسارات تتهمها بالتزوير قبل كل استحقاق وأثناءه وبعده، لكنها لا ترفض ما يُلقى لها من فتات تحت الطاولة.

بقي سؤالٌ يطرحه المواطن على المعارضة منذ ربع قرن: كيف أمكن لجبهة الإنقاذ المُحلّة أن تمنع التزوير في زمن لم تكن الصناديق فيه محمية كما هي اليوم بما وفره القانون من وسائل للرقابة أهمها حضور المراقبين عن الأحزاب واستلامهم محاضرَ الفرز؟! 

الجواب يعلمه المواطن جيدا وتتنكر له الأحزاب المتهمة عنده في الحد الأدنى بالعجز والتقصير، وقد فشلت في تغطية أكثر من تسعين في المائة من الحصص المخصَّصة للمراقبين، وهي اليوم مطالبة بواحدة من ثلاث: إما أن تثبت بالدليل القاطع حدوث تزوير، أو تقلع عن هذا التعريض الذي حبَّب للناس العزوف عن المشاركة، أو تبرِّئ ذمتها برفض المشاركة في ريع برلمان تقول إنه أسِّس على جرف هار انهار بها، فذلك أشرف لها وأقوم.

  • print