ليبيا البعيدة القريبة

date 2017/05/11 views 1977 comments 0

تقف الأزمة الليبية في حالة مراوحة منذ تم إسقاط نظام العقيد معمر القذافي على يد حلف الناتو والطائرات العسكرية الفرنسية.. ورغم سقوط النظام ومقتل الزعيم الليبي وبعض أبنائه واعتقال قيادات النظام وتفتت الجيش الليبي، إلا أن الأوضاع انفجرت في كل مكان وتحت كل عنوان في ليبيا شرقا وغربا فمرة تتربع النعرة القبلية أو الجهوية أو الأيدلوجية أو المصالح الشخصية وأصبح تحت كل عنوان مليشيات وسلاح وعلاقات مع دول إقليمية ودولية.. فأصبحت ليبيا بعيدة المنال وكان التعامل مع أزمتها جريا وراء السراب كلما اقترب انسحب بعيدا ولكل طرف إقليمي أو دولي مصلحة واتصال بطرف محلي فيرتبك المشهد كلما ظن المخلصون أن الأمر سيصفو عما قريب.

وليبيا القريبة تعني بوضوح أن سلمها هو سلم المنطقة ودول الجوار وأن اضطرابها وانفلات الأمور فيها إنما هو خطر أمني واستراتيجي على المنطقة كلها.. وليبيا القريبة هي جسر التواصل بين المغرب العربي والمشرق العربي.. وليبيا القريبة هي صاحبة التواصل مع المكونات الإفريقية المجاورة حيث كان يطمح الزعيم الليبي إلى إمبراطورية افريقية بعملة واحدة واتحاد سياسي بين دولها تقف على قدم الندية أمام أوروبا.. وليبيا القريبة هي فلكٌ اقتصادي لمعيشة ملايين المصريين والتونسيين وهي بثرواتها الفائقة ضمانة حقيقية لمشاريع مستقبلية في الاستثمار في محيطها العربي.

وليبيا بين بُعدها وقربها تتنازعها الأجندات والرغبات والأماني المخلصة، ومن هنا كأننا إزاء كومة حرير تاه فيها خيط صعب أن نمسك بطرفه.. المهم في كل هذا أن ليبيا أصبحت مصدِّرة للسلاح ومعقلا للمجموعات المسلحة ومكانا محتملا لانتقال الصراع من سورية إلى مدنها وأريافها وصحاريها.. 

من هنا بالضبط يكون الموقف من الجميع على مسافة واحدة هو المفيد لليبيا والمنطقة، وبمقدار اقتناع دول الإقليم بضرورة عدم التورط مع جهة من دون أخرى تصبح ليبيا قريبة من الخروج من المأزق المتشابك.. وكل المحاولات لتغليب طرف على الأطراف الأخرى إنما هو وصفة صراعية لبلد لم يلتئم فيه بعد الشعور الوطني الواحد الجامع..

كل اللقاءات المكوكية التي تتنقل من عاصمة إلى أخرى لا تحمل معها إلا مزيدا من التعقيدات.. ويظل وحده الجهد المبذول من قبل الجزائر هو المتاح في تكريس مبدأ عدم التدخل في الشأن الليبي إلا بما هو مصلحة الكل الليبي بضرورة التفاهم بين المكونات الليبية القبلية والسياسية جميعها والخروج من المأزق الليبي بوحدة البلاد والشعب وبناء مؤسسات دولة معاصرة تقوم بالتزاماتها نحو شعبها ونحو الإقليم.. وهكذا تبدو أهمية هذه المقاربة على اعتبار أنها تواجه كثيرا من المحاولات العبثية من شرق وغرب لإرباك المشهد كلما اقترب من السير نحو الحل.

ليبيا القريبة البعيدة تعاني تفتّت الجغرافيا وتشتّت الشعب وتقع تحت مؤامرات إقليمية ودولية، ولقد طال الأمد على ماساتها ويصبح على الليبيين ضرورة حسم أمرهم بألا يستمعوا إلا لمن يريد وحدتهم ورص صفهم وينأوا بأنفسهم عن الاصطفافات الإقليمية والدولية وإلا فإنهم سيكررون تجربة إخوانهم في فلسطين بعد أن حصل لديهم الانقسام البغيض هاهم يضيعون الأوقات في صيغة الاتفاقيات الواحدة تلو الأخرى بلا فائدة لأن كل المتدخلين بينهم لا يريدون لهم صلحا.. تولانا الله برحمته.

  • print