أين ثقافتنا السياسية؟

date 2017/05/11 views 1285 comments 10
سليم قلالة

أستاذ جامعي

الفكر السياسي هو الجسد الحقيقي للثقافة السياسية، والأحزاب هي الأداة والوسيلة للتعبير عن هذا الفكر وهذه الثقافة.. عندما تَفقد الأحزاب هذه المهمة، وتُصبح غير قادرة على إنتاج فكر سياسي يؤسس لثقافة سياسية في المجتمع، تتحول إلى مجرد أجهزة بيروقراطية وأدوات لتحقيق مصالح مُحدَّدة أو الدفاع عنها أو الاستمرار في الحفاظ عليها... مشكلتنا أننا لا نكاد اليوم نرى فكرا سياسيا متميزا ولا ثقافة سياسية نابعة منه.. كل الخطاب ليس سوى هزال لفظي لا يمكن الربط بين عناصره للزعم بأنه يحمل فكرا أو ثقافة لها علاقة بطبيعة المجتمع وتطلعاته المختلفة نحو المستقبل.

عندما نحاول الخروج بعصارة فكر أو ثقافة سياسية من الخطاب السياسي السائد اليوم (نموذج خطاب الحملات الانتخابية)، لا نكاد نعثر إلا على مقتطفات من آراء مشتّتة تنزل أحيانا إلى مستوى تصبح فيه بلا معنى. غابت المرجعيات الفكرية وغاب التأصيل النظري للبرامج، ولم تعد هناك أي خلفيات يمكن أن نعتبرها فكرا تقود الفعل أو تحدد الإطار العام للحركة السياسية... مجرد ردود فعل على مواقف شخصية وكثير من التنابز والوعود المتعلقة بعالم الشغل والسكن والحقوق المستهلَكة، أو التي تم إفراغها من محتواها حتى كادت تكون واحدة عند الجميع.. لا وجود لقاعدة حقيقية ينطلق منها الناس في خطاباتهم الموجهة إلى الجمهور، وإن وُجدت فهي تكاد تكون مُغيَّبة تماما اليوم، أحيانا لعدم القدرة على تكييفها مع المتطلبات الجديدة للمجتمع وأخرى بمبرر أن الناس لا يستهلكون أفكارا إنما يرغبون في الحصول على مزايا ومشاريع ويتطلعون إلى تحقيق مصالح. خارج هذا الإطار يكاد الخطاب السياسي اليوم يُجمع على أنه لا أحد يهتم بالقاعدة الفكرية أو التأصيل النظري أو التقعيد الديني، الكل في نظر الكل وصلوا اليوم إلى قناعة أنه لا حاجة عند الناس إلى الفلسفة (السياسية) أو غيرها بقدر حاجتهم إلى المأكل والملبس والمسكن وما إلى ذلك من متطلبات الحياة... مع جزم تام بأن هذا هو الزمن، وهذا هو المطلوب في الساحة وعلى الجميع أن يتكيف معه أو يندثر.

هل هذا صحيح؟ هل أصبحنا فعلا كالأنعام لا نتطلع إلا إلى المأكل والمشرب والمسكن، وغير ذلك لا يهمنا؟ هل انتهت الفكرة الوطنية عند الوطنيين والفكرة الإسلامية عند الإسلاميين والفكرة الأممية عند اليساريين؟ هل انتهى عصر الإيديولوجيا والأفكار والمذاهب بحق ولم يعد المجتمع سوى "حيوان" يتطلع إلى المأكل والمشرب والملبس والمأوى؟ هل انتصرت المادة على الفكر في مجتمعنا كما يبدو أنها انتصرت في كل العالم؟ أم إننا نمرّ فقط بمرحلة انتقالية ستستقيم بعدها الأمور ونعود مرة أخرى إلى الأطروحات القائمة على أسس فكرية وثقافية تدفع بالضرورة بالأحزاب والمدارس الفكرية إلى الاختيار بين إعادة التشكل وفقها أو الزوال؟ 

يبدو أن هذا الإشكال ليس مطروحا فقط على مستوانا المحلي، ولا يخص حضارة دون أخرى أو إطارا سياسيا دون آخر، وإن كان مستواه مختلفا من بيئة إلى أخرى، فحيث كانت ثقافة المجتمع عالية والنخب تؤدي دورها كما في البلدان المتقدمة اقتصاديا، مازالت خلفية الخطابات السياسية والبرامج المختلفة تخضع لقاعدة فكرية ولتنظير من قبل أقطاب في الاقتصاد والفكر وعلم الاجتماع، كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية مع ألفيبنتوفلر، ونعوم تشومسكي، وفرانسيس فوكوياما وصموئيل هينتينغتون، حتى لا نذكر سوى هؤلاء فضلا عن مئات مراكز الفكر والجامعات التي تصنع الاستراتيجية الأمريكية في مختلف المجالات... أو في فرنسا مع "جاك أتالي" و"إدغار موارن" و"برنار هنري ليفي" و"أندري غلوكسمان" ، وجيلي كيبل... إلخ، حتى لا نذكر سوى هؤلاء إضافة إلى كل المؤسسات التي يتبعونها أو يشرفون عليها... وفي أكثر البلدان شرقا وغربا كُنّا ومازلنا نجد باستمرار العناوين الفكرية والثقافية التي كانت تؤطر النقاش السياسي الدائر وتمنع عنه السقوط على الأقل في المتوقع من الانزلاقات.

وفي الجزائر، لم نكن استثناء، فقد كانت كتابات مالك بن نبي وتوفيق المدني وأحمد محساس وأحمد طالب الإبراهيمي ومصطفى الأشرف، وأبو القاسم سعد الله، ومحمد أركون، ومحمد الميلي... إلخ، حتى لا نذكر سوى هؤلاء، تشكّلُ في ذات الوقت أرضية وخلفية للنقاش الثقافي والسياسي والتاريخي، وكانت ترسم في حدود معينة الإطار العام للحركة الثقافية والسياسية إلى جانب بعض الدَّوْر للجامعات والمنابر الإعلامية، إلا أنه وبمرور الوقت وبوفاة كبار المثقفين الجزائريين في الخمسين سنة الماضية، وفي ظل سياسات مُمَنهَجة لترسيم هذا التغييب المقصود للثقافة والفكر والعلم، لم نتمكن من البقاء ضمن دائرة الحركة المحكومة بالإطار الفكري، وانتقلنا تدريجا إلى إطار الحركة التي تتحكم فيها أهدافٌ آنية تنزل أحيانا إلى ما دون المراتب الدنيا كطلب الوظيفة أو الأجر أو الامتياز المادي المباشر على الرغم من قلته.

"نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار لعلمائنا ومفكرينا المغمورين اليوم وما أكثرهم، وإلى المعلم والمدرسة والجامعة، من خلال سياسة عامة مُدرِكة لرهانات الدور الفكري والثقافي في المجتمع بعيدا عن كل فولكلور أو محاولة تيئيس الناس بأن دور المثقف والمفكر والمتعلم اليوم انتهى، وأن كل غايات المجتمع اليوم هي تلبية حاجاته اليومية."

وهذه الحالة ليست نتيجة فعل معزول أو هي مرحلة طبيعية تصل إليها بعض المجتمعات دون الأخرى، إنما هي نتيجة الخضوع لسياسات مدروسة كان ومازال هدفها تحقيق النصر على جبهة الصراع الفكري باعتبارها آخر الجبهات التي يمكن لمجتمع من المجتمعات أن يتحصَّن بها، وهو ما حدث بالفعل وما أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم.

إن المتتبع للتطورات التي عرفتها بلادُنا على صعيد التعليم بجميع أطواره، والثقافة بجميع مكوِّناتها، والإعلام على مختلف الأصعدة يتبين لديه أننا وصلنا إلى هذه الحالة بعد جملةٍ من الترتيبات التي يمكن الجزم بأنها كانت مدروسة ومهيأة مسبقا:

ـ هل تهميش المعلم والمدرسة والتقليل من شأن التحصيل المدرسي وتشويهه لغة ومحتوى لا يصبّ في هذا الاتجاه؟

ـ هل إضعاف الجامعة في جانب التكوين العلمي وتمييع التكوين في مجال العلوم الإنسانية لم يكن في خدمة هذه الغاية؟

ـ هل التشكيك في رموز الحركة الوطنية والثقافة والتاريخ الوطنيين لا يصبّ في هذه الغاية؟

ـ هل تفتيت المدارس الفكرية الإسلامية وإقحامها ضمن صراعات هامشية أدَّت بها إلى التطرُّف أحيانا والانشطار أخرى لا يدخل ضمن هذا الاتجاه؟

ـ هل قتل الثقافة اليسارية وتشويه رموزها لا يخدم هذه الغاية؟

يبدو أن ذلك حدث بالأمس القريب ويحدث اليوم بكيفية لا يرقى إليها أدنى شك، مما يُبرز الاختراق الكبير الذي حصل لنا على مستوى هذه الجبهة في محاولة لإيصالنا إلى التحول الذي يمكن أن نطلق عليه: مجتمع بلا معالم ولا قاعدة ثقافية أو فكرية تحميه، بالإمكان زعزعته والتأثير فيه وتوجيهه الوجهة التي يريدها له الأقوياء، المتحكمون في العالم، وفي الوقت الذي يرونه مناسبا، وهذا الذي علينا الانتباه إليه وتفاديه.

بمعنى آخر، إن الذي يحصل لدينا، من ظاهرة افتقار العمل السياسي للقاعدة الفكرية والثقافية، وتحوّله إلى صراع حول المناصب والمصالح يشترك في ذلك من يرفع شعار الوطنية أو الإسلام أو اليسار أو غيرها من الشعارات، ينبغي أن يُنبِّهنا إلى ما خلف ذلك من خطر داهم على المجتمع، وإلى ما ينبغي تصحيحه قبل فوات الأوان.

ولعل أول ما ينبغي تصحيحه هو إعادة التأسيس للتنافس السياسي على أسس فكرية وثقافية، وفتح النقاش واسعا في هذا المجال وعدم الخوف منه، ونشر ثقافة اختلاف التنوع القائمة على التباين في وجهات النظر وفي المنطلقات الفكرية، وليست القائمة على التضارب في المصالح... وقبل هذا وذاك، نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار لعلمائنا ومفكرينا المغمورين اليوم وما أكثرهم، وإلى المعلم والمدرسة والجامعة، من خلال سياسة عامة مُدرِكة لرهانات الدور الفكري والثقافي في المجتمع بعيدا عن كل فولكلور أو محاولة تيئيس الناس بأن دور المثقف والمفكر والمتعلم اليوم انتهى، وأن كل غايات المجتمع اليوم هي تلبية حاجاته اليومية...

صحيح، إن متطلبات الحياة اليومية ضرورة للحياة، ولكن الأصح، أنه من دون وعي هذه المتطلبات وبناء الإنسان على أسس روحية وثقافية وفكرية وعلمية متينة ليحققها، سنبقى لعبة في يد الآخر، وذلك ما عمل من أجله وسيعمل أكثر حتى نتحول إلى أدوات طيِّعة في يده بلا علم ولا فكر ولا ثقافة يستعبدنا كما يريد، وهي الوجهة التي سيتأكد أننا سنضطر إلى اتباعها اضطرارا، إذا لم ننتبه لذلك قبل فوات الأوان.

  • print