"إتيان" ديني؟

date 2017/05/11 views 4292 comments 20

كنت مارّا منذ يومين بالقرب من "حي الدّويرات"، وهو أحد أقدم أحياء مدينة البليدة، وقد استوقفني اسم أحد أنهج هذا الحي العريق، إنه "إتيان ديني".

لست أدري إن كان المسؤولون على وضع هذا الإسم يعلمون أن صاحبه قد اختار لنفسه عن اقتناع اسما آخر هو "ناصر الدين ديني"، بعدما شرح الله –عز وجل- صدره، وهدى قلبه، وأنار بصره وبصيرته؟

إن كان هؤلاء المسؤولون يعلمون أن ديني قد أسلم وجهه لله –عز وجل- وتخلّى بإرادته عن اسمه القديم، فلماذا يعترضون على إرادته، ويتمسّكون باسمه القديم؟ وإن كانوا لا يعلمون فلماذا يُبقون من أسماء النصارى إلا على هذا الاسم فقط وأسماء الشهداء لا تُحصى ولا تُعدّ؟

وهل هذا الاسم أطلِق على هذا النهج بعد استرجاع الاستقلال أم قبله؟

الحقيقة هي أن كثيرا من مسؤولينا يفتقدون إلى ثقافة تاريخية، يضاف إليها استنكافُهم عن سؤال أهل الذِّكر، فيقعون في أخطاء فاحشة، ويُوقعون غيرهم فيها. أما الأخطاء اللغوية فحدِّث عنها ولا حرج..

ومن هذه الأخطاء أن شارعا ببلدية الأبيار في مدينة الجزائر كُتب عليه "شارع دي أومياد"، ولولا كتابة الإسم باللغة الفرنسية لما اهتديت إلى الإسم الحقيقي الذي لم يكن إلا "شارع الأمويّين"، فهلاّ سألوا إذ لم يعرفوا؟

ومن ذلك أيضا أن الشارع الذي يصل بين ساحة محمد الصديق ابن يحي، أمام رئاسة الجمهورية ووزارة الشؤون الخارجية القديمة، وبين شارع الاستقلال في حي المرادية (نسبة إلى الشهيد مراد ديدوش)، هذا الشارع كان يُسمَّى قبل استرجاع الاستقلال "الزعاطشة"، وهي واحة قريبة من مدينة بسكرة، وقد أطلق الفرنسيون هذا الاسم على هذا الشارع تذكيرا بجنودهم وضباطهم الذين قُتلوا عند احتلالهم هذه الواحة.. فلما طُرد الفرنسيون، وطُهّرت الجزائر من رجسهم جاء مسؤولونا فمحوا اسم "الزعاطشة"، وسموا الشارع المذكور "علي حداد". والسؤال هو: هل كان أولئك المسؤولون يعلمون قصَّة الزعاطشة؟ إن كانوا يعلمون وتعمَّدوا محو اسمها فتلك جريمة في حق شهداء الزعاطشة، تضاف إلى جريمة فرنسا التي ماتزال تحتفظ إلى اليوم بـ"متحف الإنسان" بباريس برؤوس قادة معركة الزعاطشة منذ سنة 1849، وهو الشيخ بوزيان وابنه، والشيخ موسى الدرقاوي، وإن كانوا لا يعلمون فهلا سألوا إذ لم يعلموا؟ 

إنني أدعو كلا من مسؤولي بلديات البليدة والأبيار والمرادية إلى المسارعة إلى تصحيح هذه الأسماء، ولا يستنكفون ويصرّون على إبقاء هذه الأخطاء التي تجعل هؤلاء المسؤولين أضحوكة.. 

أما ناصر الدين ديني فهو رسام فرنسي، وُلد في 1861، درس الرسم، ومهر فيه، وزار الجزائر فسحره جمالُها، وأعجبه شعبُها بأخلاقه الطيبة، فآثرها على وطنه فرنسا، واستقر مدة من الزمن في مدينة بوسعادة التي وصّى أن يُدفن فيها، وبلغ إعجابه بها إلى أن يقول، كما نُسب إليه: "إن كانت الجنة في السماء فهي فوق بوسعادة، وإن كانت تحت الأرض فهي تحت بوسعادة". (ناصر لمجد: ناصر الدين ديني... ص 144). 

قرأ عن الإسلام، واحتكّ بالمسلمين في الجزائر، وقارن بينه وبين النصرانية التي ولده أبواه عليها، فلم يقبلها عقلُه السليم، ورفضتها نفسُه السويَّة، وعلم الله – عز وجل – في قلبه خيرا فأتاه خيرا، فدخل في دين الله، الذي وصفه بأنه "دين الفطرة الإنسانية" (ص 126). وحيي عن بيّنة، عكس الذين وُلدوا على الفطرة، وكان آباؤهم مسلمين، ولكنهم استحبوا العمى على الهدى وعاشوا كالأنعام، بل هم أضل كما جاء في القرآن الكريم، "وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". 

"وكان ديني صديقا لمجموعة من الجزائريين كالأمير خالد، والشيخ الديسي، والحفناوي، وأحمد توفيق المدني، وغيرهم.. ودافع عن الجزائريين الذين عانوا ما يُشيب الغراب تحت أنذل وأخسّ استعمار.. وقد دفع ثمن موقفه ذاك فضيق عليه، ولكنه كان أمضى عزما من أعدائه، فصبر وصابر حتى لقي ربه رضيّ القلب، مطمئن النفس."

وكان ديني صديقا لمجموعة من الجزائريين كالأمير خالد، والشيخ الديسي، والحفناوي، وأحمد توفيق المدني، وغيرهم.. ودافع عن الجزائريين الذين عانوا ما يُشيب الغراب تحت أنذل وأخسّ استعمار.. وقد دفع ثمن موقفه ذاك فضيق عليه، ولكنه كان أمضى عزما من أعدائه، فصبر وصابر حتى لقي ربه رضيّ القلب، مطمئن النفس في آخر سنة 1920، بعدما ترك خلفه مجموعة كبيرة من اللوحات الجميلة.. كما ترك مجموعة من الكتب أهمها "حياة محمد" صلى الله عليه وسلم، و"الحج إلى بيت الله الحرام"، وبعض هذه الكتب وضع عليها مع اسمه اسم أصدق وأصدقائه، الذي هو سليمان ابن براهيم الذي لم يكن ذا مستوى علمي، ولكن ديني آثر أن يضع اسمه لما له من أفضال، أهمّها إنقاذه من شرذمة من اليهود أرادوا أن يبطشوا به..

وأحب أن أختم هذه الكلمة بقطعة من الشعر للدكتور عبد الحفيظ بورديم من ديوانه المخطوط المسمى "رجال من أمتي"، وهي عن ناصر الدين ديني: 

"لمن قبر بياضه كالبقيع

شميمه من ندى الشجر البديع

تمتع من شميم عرار قبر 

إذا رسم الهوى لون الربوع 

شيوخا كالنخيل تضوّع مسكا 

وتعلي رملة الوادي المريع 

كتابا كالحمام يذيع سرا 

ويسقي روضة القلب الخشوع".

فرحم الله أخانا في الله ناصر الدين ديني، وشكر عمل الأخ ناصر لمجد، الذي ألف كتابا عن ناصر الدين ديني.

  • print