المجلس الإسلامي الأعلى لحماية الإسلام، أم لحماية السلطة؟

date 2017/05/13 views 2549 comments 10

في العدد 25 رقم للجريدة الرسمية الصادر بتاريخ 19/04/2017، صدر مرسوم رئاسي يحمل رقم 17-141 يحدد تنظيم المجلس الإسلامي الأعلى وسيره. والمجلس الإسلامي الأعلى مؤسسة رسمية تابعة للدولة، تقلبت به الأمور وفق التحولات التي مرت بها مؤسسات الدولة وطبيعة النظام السياسي.

ففي عهد الحزب الواحد كان المجلس تابعا لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف التي تعرضت تسميتها إلى تعديلات كثيرة أيضا [وزارة الأوقاف، وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، وزارة الشؤون الدينية، وأخيرا وزارة الشؤون الدينية وبعد والأوقاف] وآخر من رئس المجلس الشيخ أحمد حماني رحمه الله.

وابتداء من سنة 1989 ودخول البلاد التعددية السياسية تحول المجلس إلى مؤسسة استشارية تابعة للرئاسة حيث جاء في المادة 161 من دستور 1989 "يؤسس لدى رئيس الـجمهورية مجلس إسلامي أعلى .يتكون الـمجلس الإسلامي الأعلى من أحد عشر عضوا يعينهم رئيس الـجمهورية من بين الشخصيات الدينية .وينتـخب الـمجلس الإسلامي الأعلى رئيسه من بين أعضائه"،  أما في دستور 1996 فقد طرأ عليه بعض التعديل الطفيف فجاء في مادتيه 171/172 ما يلي: المادة 171 يؤسس لدى رئيس الجمهورية مجلس إسلامي أعلى، يتولّى على الخصوص ما يأتي :

         - الحثّ على الاجتهاد وترقيته،

         - إبداء الحكم الشرعي فيما يعرض عليه

         - رفع تقرير دوري عن نشاطه إلى رئيس الجمهورية.

المادة 172 : يتكوّن المجلس الإسلامي الأعلى من خمسة عشر (15) عضوا منهم الرّئيس، يعيّنهم رئيس الجمهورية من بين الكفاءات الوطنية العليا في مختلف العلوم"، وبقي مضمون ذلك في دستور 2016 في مادتيه 195/196. 

ففي عهد الحزب الواحد لم يكن هناك مشكل؛ لأن طبيعة النظام في التسيير لشؤون الدولة والمجتمع كان نظاما أحاديا يسير البلاد تسييرا إداريا، فليس هناك فصل بين السلطات ولا بين الهيئات والمؤسسات، ومن ثم فلم تكن هناك مشكلة في علاقة المجلس الإسلامي الأعلى بسائر المؤسسات. أما اليوم وهناك دستور يفصل بين المؤسسات وبين السلطات، ويعتبر أن للمؤسسات الدستورية  في ظل الواقع التعددي دور وظيفي في المجتمع، ومن المؤسسات التي لها دور مهم في ذلك بلا شك: المجلس الإسلامي الأعلى. وقد صدر في تحديد مهامه مرسوما رئاسيا 33-98 بتاريخ 24 جانفي 1998، ينص على التكفل "بكل المسائل المتصلة بالإسلام التي تسمح بتصحيح الإدراكات الخاطئة وإبراز أسسه الحقيقية، وفهمه الصحيح والوفي، والتوجيه الديني، ونشر الثقافة الإسلامية من أجل إشعاعها داخل البلاد وخارجه"، ولكن بحكم أن المجلس هيئة استشارية..، يساهم ويشارك ويطلب رأيه في القضايا الدينية تحديدا، وُضع له قيد في نفس المرسوم بحيث "لا يمكن بأي حال، أن تحل آراء المجلس الإسلامي الأعلى محل صلاحيات الهيئات التشريعية المتمثلة في المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، أو تمسها، أو تحل محل صلاحيات المجلس الدستوري والمجالس القضائية أو تمسها"!! 

وهذه الإشكالية، في كون المجلس مجلسا استشاريا أم له مهام مستقلة عن المؤسسات أو مهام تنفيذية.

وغم أن القيد اختفى في المرسوم الجديد، فلم يرد أن رأي المجلس لا يلغي آراء المؤسسات التشريعية، وذلك عند الاختلاف بطبيعة الحال، فغلب على المجلس طبيعة الهيئة التنفيذية أو الهيئة المستقلة بمسؤوليتها، بما أسند إليه من مهام، تجاوزت مجرد المساهمة والمشاركة إلى التكفل والقيام  بالكثير من الأمور، وهو الأجدر بمجلس مهمته حراسة الثوابت الوطنية وعلى رأسها الإسلام الذي هو دين الدولة، بحيث أصبح المجلس وكأنه المكلف رسميا بالقضايا الدينية بجميع أبعادها كمؤسسة دستورية...، فهو ينظم الملتقيات ويصدر الدوريات ويُكوّن ويُدرّب الأئمة ومديري الشؤون الدينية ويصدر الفتاوى؛ بل ومكلف بمراجعة التعليم الدين بجعله يتوافق ويتناغم مع المنظومة التربوية وبتطوير كل عمل من شأنه أن يشجع ويرقي مجهود التفكير والاجتهاد مع جعل الإسلام في مأمن من كل توظيف سياسي، فرغم كل ذلك تبقى مشكلة التنصيص على أنه هيئة استشارية.

والإبقاء على التنصيص على أنه هيئة استشارية يعيقه ويبقي مهامه مرهونة بمدى حاجة السلطة لما ينتج من أفكار وقضايا وفتاوى، في حين أن المهام التي كلف بها في مجملها قضايا مستقلة عن المؤسسات وبعضها تنفيذي.. فلما هذه التعمية والإبقاء على هذا التناقض يا ترى؟ أليس من الأجدر أن يكون مجلسا مستقلا مهمته حراسة الدين، مثلما هو المجلس الدستوري مؤسسة مستقلة مهمتها حراسة المنظومة القانونية.

إن من يقرأ هذه الجدلية لا يسعه إلا أن يتساءل، هل هذا المجلس أنشئ لحماية الإسلام من السلطة أم لحماية السلطة من الإسلام؟ لأن ما يبرز من إشكالات هو ما يتوصل إليه المجلس من آراء وقد يكون مخالفا لجميع مؤسسات السلطة التي تهمش "فكرة الحكم الشرعي أساسا"، كيف يكون الموقف، هل بالإصرار على المعصية أم بالخضوع للحكم الشرعي وإلغاء ما لا يتوافق مع الدين الإسلامي.

ولفهم ذلك في تقديري نحتاج إلى قراءة في جملة من الإحتمالات:

الاحتمال الأول: أن هذه التعديلات وغلبة الوظيفة التنفيذية والحاجة إلى الاستقلالية للمجلس على حساب مهمته الاستشارية، هي استجابة لطبيعة الدستور الجديد الذي يؤسس لنظام رئاسي، فتعتبر بذلك جميع المؤسسات التابعة للرئاسة تأخذ طابع المهمة التنفيذية تستمد قوتها من الرئاسة، وهذا معقول ولكنه يبقى رهم إشارة الرئيس ما دام ليس مستقلا، ومن ثم ستبقى مهمته رغم أنها ذات طبيعة شرعية دينية، والمسؤولية فيها أمام الله أولا، مرهونة بالموقف السياسي، فيصبح المجلس المكلف بحماية الدين من التلاعب السياسي، خاضع للتلاعب السياسي من جهة أخرى، فيحميه من استغلال المعارض مثلا، ويخضعه للتلاعب من قبل السلطة.

الاحتمال الثاني: أن توسيع مهام المجلس الإسلامي الأعلى سوف يكون على حساب الهيئة التنفيذية التي هي وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وذلك لتجريد السياسيين من التوظيف السياسي الحزبي للدين، وهذا مؤشر لأن تكون وزارة الشؤون الدينية للحزبيين وغالب الظن أنها تكون للإسلاميين.؛ لأن ممثل الدولة، فتتحول الوزارة إلى مجرد إدارة للشؤون الدينية، من غير تمثيل لوجه الدولة؛ لأن الممثل لوجه الدولة الإسلامي سوف يقوم به من هنا فصاعدا ، هو المجلس الإسلامي الأعلى.

احتمال ثالث: وهو الحرص على النأي بالإسلام عن الصراعات السياسية والحزبية منها على وجه الخصوص، وذلك بإسناد كل ما هو إسلامي إلى المجلس الإسلامي الأعلى ولكن هذا يقتضي أن يكون المجلس الإسلامي الأعلى هيئة مستقلة تكلف بالسهر على احترام الإسلام، مثل المجلس الدستوري المكلف بالسهر على احترام الدستور، كما أسلفنا.

وتجريد المؤسسات الخاضعة للتنافس السياسي، الأحزاب والحكومة، والوزارات، وإبعاد الإسلام عنها، وحرمانها من تبنيه في خطابها، يحكمه توجهان سياسيان، توجه يعتبر الإسلام شعارا لبرنامج سياسي لا ينبغي أن يتفرد به تيارا واحد دون سائر التيارات، ولو كان من العاملين به والداعين إليه، وتيار آخر يعتبر أن النضال السياسي مدني لا يجوز فيه استعمال الدين بأي شكل من الأشكال، ولكن ما دام الإسلام هو دين الدولة الجزائرية ودين الشعب الجزائري لا بد من أن توضع له مؤسسة لرعايته وحمايته من كل ما من شأنه إفساده وإفساد راسلته السامية، ولكن السلطة بكل أسف لم تسع لحماية الدين إلا من غيرها، ولذلك رغم أهمية هذه المؤسسة، تصر على أن تبقى استشارية.

 

  • print