خُذوا العبرة من فنلندا؟!

date 2017/05/14 views 4016 comments 35
محمد حمادي

صحفي ومدير مكتب الشروق بوهران

في غمرة التحضير للامتحانات النهائية في مختلف الأطوار التعليمية، ينسى أو يتناسى القائمون على المنظومة التربوية في بلادنا، مسائل جوهرية، تتعلّق بتلك الجيوش التي ستكون بعد أيام على موعد مع الاختبارات، على وقع شعار: "يوم الامتحان يُكرم المرء أو يهان"، لتبرز وسط هذا التيه أسئلة في صميم العملية البيداغوجية: هل حضّر أعضاء هيئة التدريس هؤلاء التلاميذ نفسيا؟ وهل وفروا لهم أجواء التحصيل العلمي؟ هل أفهموهم أن الامتحان مجرّد تقييم واختبار لمستواهم للارتقاء إلى محطة علمية أخرى؟.

الامتحانات في مختلف المراحل التعليمية في بلادنا، تحوّلت للأسف إلى كابوس يُطارد التلاميذ، على وقع حالةٍ من الترقب والخوف تشتِّتُ أذهانهم، ووسط موجة من الضغط النفسي، الذي يكون الأولياء في المقام الأول أحد صانعيه، حتى أصبح النجاح مسألة حياة أو موت لدى كثير من التمدرسين، ولعل أبرز دليل على ذلك حوادث الانتحار المأساوية التي تحدث  في كل مرّة عقب الإفراج عن نتائج الامتحانات، فضلا عن مغامرات الهروب والتواري عن الأنظار، خوفا من عقاب الأهل، التي يكون أبطالها في الغالب أطفالا في عمر الزهور. 

مثل هذه المشاهد المؤسفة، آخذة في الاستفحال، وستنتج في المستقبل مواطنين معقدين نفسيا من كل شيء اسمه "امتحان". لكن لماذا لا نستلهم من الآخرين نماذج النجاح؟ لماذا لا تكون لدينا رؤية استشرافية على المدى المنظور على الأقل؟ لماذا لا نحدث قطيعة مع التجارب الفاشلة؟.

فنلندا التي تنزل فيها الحرارة إلى أكثر من 20 درجة تحت الصفر شتاءً، لم تتجمّد فيها عقول القائمين على شؤون التعليم، حيث استطاعوا أن ينتشلوا بلدهم من قاع الترتيب ويرتقوا به إلى أعلى الهرم، وها هو النموذج الفنلندي في التعليم يُضرب به المثل عبر العالم. فنلندا أحدثت القطيعة مع رداءة التعليم عبر وسائل وطرائق بسيطة تحمل مقوِّمات الذكاء والحكمة والدراية بتركيبة المجتمع وخصوصية المنظومة التربوية، فركز مسؤولو القطاع عندهم على الراحة النفسية للتلميذ لمّا يكون في المدرسة، حيث حولوها إلى منزل يرى فيه المتمدرس المعلمة في مقام أمه والمعلم بمثابة والده.

في التسع السنوات الأولى من  الدراسة ليست هناك اختباراتٌ مرعبة وصادمة مثل ما هو موجود عندنا، وإنما يتولى المدرسون تقييم مستوى تلامذتهم؛ فيكون الاهتمام أكثر بضعيفي التحصيل، حتى يلتحقوا بباقي نظرائهم، ولا يصابوا بأي عقدة نقص، قد تنعكس سلبا على نفسيتهم.

النظام التربوي الفنلندي يساعد التلميذ الذكي لكي ينفجر إبداعا، وينتشل من هو متأخر في الاستيعاب والفهم ليصعد به إلى مستوى النابغة، عبر مقاربة بيداغوجية، تقرِّب مستويات التحصيل بين التلاميذ، خاصة في المواد العلمية.

إذا الكل في فنلندا منخرطٌ في رفع التحصيل العلمي وتحسين جودة التعليم، وليس مهتما بالامتحانات الشكلية وما تفرزه من نتائج مفبركة، تمكن تلاميذ مستواهم في الحضيض من الارتقاء إلى درجات علمية أرقى، ليحصلوا لاحقا على شهادات ورقية من دون وجه حق، مثلما هو الحال مع منظومتنا التربوية، التي هي بحاجة إلى دراسة التجربة الفنلندية، وأخذ العبرة منها.

  • print