الصوفي السلفي

date 2017/05/18 views 4623 comments 21

سيستغرب كثيرٌ من الناس هذا العنوان الذي يجمع بين التصوّف والسلفية ويعتبرونه أمرا خاطئا، وأن قائله قد ارتكب شيئا إدّا؛ فلا السلفية في رأيهم تقبل التصوف، ولا هذا يقبل تلك، فهما كالماء والزيت لا يمتزجان ولو رُجّا رَجّا عنيفا..

لقد ذكَّرني هذا العنوان بما نسبه الدكتور يوسف القرضاوي إلى الدكتور محمد المبارك - الجزائري الأصل، السوري المولد - من دعوة إلى ما سماه رحمه الله "تسليف الصوفية وتصويف السلفية". 

إن يستغرب أحدٌ من الناس هذا الوصف "الصوفي السلفي"، فقد استغربت ذلك، ولولا أن الناس تعرف الواصف والموصوف لقالوا إنها كلمة يُراد بها أمرٌ غير جدي.. وأن قائلها يريد أن يمزح. 

وسيستغرب الناس أكثر عندما يعرفون هذا الواصفَ وهذا الموصوف... فأما الواصفُ فهو أحد المتصوِّفين الحقيقيين، ولا نزكي على الله أحدا، وفي الوقت نفسه عاش ما عاش في هذه الدنيا مدافعا عن الإصلاح السلفي ممثلا في أبرز قادته.. إن هذا الواصف هو الذي أطلِق عليه لقبُ "حسّان الحركة الإصلاحية"، إنه الشاعر الكبير محمد العيد آل خليفة، غير المتهم لا في عقيدته الصحيحة ولا في تصوفه النقي من البدع والخرافات، ولا في أخلاقه الرضيَّة.. وهو ممن أجمع على طيبته الناس، وشخصيا لم أسمع ممن عرفت من المتصوفين أو أقرأ لهم ما يسوء محمد العيد، كما لم أسمع ممن عرفت من الإصلاحيين أو أقرأ لهم ما يسوء محمد العيد.. وأما الموصوف فهو الإمام السلفي محمد البشير الإبراهيمي، لا سلفية المظهر، ولكن سلفية المخبر والجوهر، وإذا كنتُ قد سمعت وقرأت وصفه بالسلفي، فإنني لم أسمع ولم أقرأ أن أحدا وصفه بـ "الصوفي" إلا ما قرأته عند محمد العيد.. 

إن محمد العيد من الورع والتقوى ما يحجزه عن وصف أحد مدحا أو قدحا بما ليس فيه، حتى لا يصبح اسمه مضغة في أفواه الأراذل الذين يهرفون بما لا يعرفون.. 

وإن للإمام الإبراهيمي من العلم والإيمان ما يمنعه من قبول ما يقال فيه وعنه إذا لم يكن حقيقة، أو فيه نصيب من الحقيقة.. خاصة أن هذا الوصف لم يقله محمد العيد في جلسة خاصة، أو كتبه في رسالة شخصية، ولكنه قاله في ملإ كبير من الناس، وألقاه على مئات حضروا أعمالا ودروسا للإمام الإبراهيمي في باتنة، في شتاء عام 1947، ثم نشره – الكلام – في العدد الثالث من جريدة البصائر، الصادر في 8-8-1947، وذلك "في قصيدة عبقرية" عنوانها "رعد البشائر". 

"لقد تعمَّدتُ نشر هذه الكلمة في الذكرى الثانية والخمسين لوفاة الإمام الإبراهيمي (20-5-1965) لأشير إلى أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقادتها لم يكونوا ضد التصوف السني، المضبوط بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله الكريم  عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ولكنهم كانوا حربا على الذين كانوا يراءون بالتصوُّف."

والإمام الإبراهيمي والشاعر محمد العيد ليسا غريبين عن بعضهما، فقد كانت العلاقة بينهما وطيدة إلى درجة أن الإمام خاطب – في رسالة مفتوحة – الشاعر بقوله: "إلى ولدي الروحي، الأستاذ محمد العيد"، وإلى درجة أن محمد العيد أجاب الإمام بقصيدة خاطبه فيها بـ"أبي"، حيث قال: 

أبي البشير سلام    زاك، وشوق كبير 

وقد اعتبر محمد العيد أثر تلك الرسالة الإبراهيمية كأثر قميص يوسف على يعقوب - عليهما السلام- لما حملته من مشاعر حانية، ومعان سامية أنعشت روح محمد العيد، وطردت ما ألمّ بنفسه من حزن وكآبة بسبب ما كان يعانيه الوطن الحبيب، فقال: 

قميص "يوسف" ألقى   به عليّ "البشير"

إن بيت قصيدنا في هذه الكلمة فهو قول الشاعر محمد العيد، الذي لم يكن في كل واد هائما، وأنه لم يكن من الذين يقولون ما لا يفعلون: 

لقد عنّ لي من درسه أن عقله    بفلسفةٍ دينية قد تشبّعا 

أراه بها يرقى المراقي فكرة      وينزع فيها للغزالي منزعا 

ويكشف عن صوفية سلفية       إلى وردها الصافي القشيري ألمعا 

وقد عنّ لي من لطفه أنّ قلبه    كمسك تزكّى طيبة وتضوّعا 

لقد تعمَّدتُ نشر هذه الكلمة في الذكرى الثانية والخمسين لوفاة الإمام الإبراهيمي (20-5-1965) لأشير إلى أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقادتها لم يكونوا ضد التصوف السني، المضبوط بكتاب الله – عز وجل – وسنة رسوله الكريم – عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم – ولكنهم كانوا حربا على الذين كانوا يراءون بالتصوف، فكدّروا ورده العذب الصافي، وشوّهوا صورته المشرقة، بما كانوا يقومون به من أعمال، واتخذوه مطبة لملء الجيوب التي اشتكت منهم إلى علام الغيوب.

كتبتُ يوم الخميس الماضي أن شارع الزعاطشة يربط بين ساحة بن يحيى وشارع الاستقلال، والصحيح هو شارع الشهداء.

  • print