ماذا ستختار"حمس"؟

date 2017/05/18 views 3044 comments 11
سليم قلالة

أستاذ جامعي

لن تمر نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة دون تأثير على مستقبل الخارطة السياسية في البلاد، ومن شأن أي خطأ في تقدير الموقف القبْلي، أو التعاطي مع الموقف البَعْدي لهذه الانتخابات أن يُربِك الحياة السياسية برمّتها سنوات عديدة، إذا لم يتم تدارك الأخطاء وإيجاد البديل الأنسب القادر على بناء قاعدة صلبة لنظام سياسي متين وقادر على مواجهة تحديات العقود القادمة.

بالعودة قليلا إلى التاريخ، يمكن أن نرصد ثلاث محطات رئيسية كان بإمكانها أن تشكل منعطفا حاسما للخارطة السياسية للبلاد، ولاختيار نمط سياسي ملائم لطبيعتها وتنوعها، قادر على تمكينها من الخروج مما أصبح يبدو حالة سياسية مَرَضية مزمنة في كل مرة تضع كل توازنات الدولة محل سؤال.

المحطة الأولى كانت غداة الاستقلال، عندما اعتبر على الأقل اثنان من مفجري الثورة وممثلون عن الحركة الإصلاحية أن البلاد في حاجة إلى نظام سياسي تعددي، بعيدا عن كل احتكار، من شأنه أن يصون جبهة التحرير التي أكملت إنجاز مهمتها بتحرير الوطن ويحفظ أمجادها ويفتح الآفاق للقوى السياسية المختلفة للتنافس من أجل إعادة بناء الدولة التي حطّمها الاستعمار... قال بذلك الزعيم الثوري حسين آيت أحمد ولم يُستجَب له، فأسَّس "جبهة القوى الاشتراكية"، وقالها مهندس الثورة الجزائرية محمد بوضياف ولم يُستجَب له أيضا فقام بتأسيس "حزب الثورة الاشتراكية"، واعتبرها أبرز رجالات جمعية العلماء المسلمين  بديلا أفضل من بديل الأحادية ولم يُستجب لهم هم الآخرون فأسسوا "جمعية القيم الإسلامية" برئاسة الهاشمي التيجاني التي اعتبرت أول نواة للحركة الإسلامية في الجزائر، إلا أن الكفة لاعتبارات إقليمية ودولية كانت سائدة آنذاك، (المد التحرري، عدم الانحياز، الكتلة الشرقية، القومية العربية)، مالت لمن رأوا أن المستقبل هو في اختيار نمط الدولة الاشتراكية القائمة على أساس الأحادية الحزبية، ونتج عن هذا الخيار أن وجدت الجزائر نفسها ضمن دائرة الاشتراكية المناهِضة للاستعمار والإمبريالية، وصاغت برامجَها الاقتصادية والسياسية وفق أدبيات تلك المرحلة، وإن كان بخصوصيات الشخصية الجزائرية التي كانت تطرح نفسها باستمرار، متميزة بانتمائها الحضاري وعقيدتها الإسلامية التي لا تناقض البتة الاختيار الاشتراكي والأحادية الحزبية، وهكذا تشكل الحزب الذي ارتبط بجبهة التحرير التاريخية (حزب جبهة التحرير الوطني)، وانضمت إليه جميع القوى التي اعتقدت في تلك الفترة أن الأحادية هي الحل والرديف للوحدة الوطنية، وأن الاشتراكية هي النهج الصحيح لبناء اقتصاد وطني عادل، وتم إقصاء كل مَن لم يندرج ضمن هذا المنظور إلى درجة أن تم التشكيك في وطنية البعض أو اعتبروا معادين للشعب الجزائري (القوى الرجعية)، ولعلنا اليوم نكاد نعرف جميعا، أن الكثير ممن التحقوا بهذا الطرح ما كانوا يؤمنون بالاشتراكية ولا بالأحادية ولا  بالتوجُّهات الشعبية التي كان يُجسِّدها الرئيس الرّاحل هواري بومدين، بقدر ما كانوا من المسايرين للتيار الغالب، الذين سرعان ما انقلبوا عليه في أول فرصة أتيحت لهم.

هذا ما تأكد بالفعل في المحطة الثانية، عندما تغير العالم، وسقط الاتحاد السوفياتي، وانتهى الحزب الشيوعي، وانهارت الديمقراطيات الشعبية في أوربا الشرقية على إثر الموجة الديمقراطية التي عصفت بالعالم منذ أواخر الثمانينات وانتهت بما يُعرف ببروز الوضع الدولي الجديد، ما بعد الحرب الباردة.

 في هذه المحطة الثانية التي بدأت عندنا بدستور سنة 1989، انقلب الكل على الكل، وأصبحت الاشتراكية خيارا يجب التراجع عنه، والأحادية ليست نمطا مقبولا للتسيير، والليبرالية ليست مرادفة للإمبريالية وليست عدوا ينبغي أن نواجهه، والتعددية ليست مضرة بالوحدة الوطنية، وفُتح الباب على مصراعيه لهذه التعددية السياسية، وكأننا عُدنا إلى مرحلة ما بعد الاستقلال... وكان سوء التقدير الثاني للحاكمين في تلك الفترة. اعتبروا أن التيارات المعارضة لحُكم الحزب الواحد لن تتمكن من هزيمته ديمقراطيا، ظن هؤلاء أن الإسلاميين الذين استمروا أكثر من عقدين من الزمن تحت الأرض، بعد حل "جمعية القيم" ومطاردة الإخوان المسلمين وسجنهم، لن يتمكنوا من العودة إلى الساحة، أما الوطنيون الذين تم عزلهم مدة طويلة عن المجتمع فلن يستعيدوا القوة التي كانوا عليها غداة الاستقلال وإن حاولوا "آيت أحمد، محمد بوضياف، أحمد بن بلة، بن يوسف بن خدة..."، أما الإسلاميون الذين حملوا السلاح فقد انتهى أمرُهم بعد القضاء على زعيمهم (بويعلى) وتفكيك خلاياهم.. وجرت أول انتخابات تعددية في البلاد، وكانت النتيجة غير المنتظرة من قبل الحاكمين: معاقبة الشعب للحزب الواحد ولو كان اسم ذلك الحزب مرتبطا بجبهة التحرير، والانتصار للحركة الإسلامية وإن كان اسمها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولو لم يكن يعرفها أحد من قبل، والقبول بعودة المعارضة الوطنية وإن غابت عن الوطن طيلة العقود السابقة!

وبدل التعاطي بعقلانية مع الوضع والقبول به كحقيقة فرضها الواقع، تم الانقلاب عليه، ووجد الممثلون الشرعيون للشعب في انتخابات 26 ديسمبر 1991 أنفسهم في غيابات السجون، وأبناء الشعب الذين مكّنهم من الفوز في معتقلات الصحراء، والآلاف منهم مطاردون في المدن والجبال وخارج الأوطان خوفا من القمع الذي لم يرحم أحدا في تلك الفترة، وكانت النتيجة أن مُنعت الجزائر من تشكيل خارطتها السياسية بالطريقة التي تريد، ودخلت البلاد في دوامة من الدماء والدموع كان ثمنها عشرات الآلاف من القتلى والمشردين والمفقودين...

وجاءت المحطة الثالثة مع بداية نهاية العشرية السوداء، سنة 1997 عندما طُرحت فكرة إنشاء حزب وطني ثان يكون بديلا لجبهة التحرير (التجمع الوطني الديمقراطي)، وإن كان من صلب النظام القائم، وتمكين مَن تم تصنيفهم بالإسلاميين المعتدلين من المساهمة الفعلية في رسم الخارطة السياسية للبلاد، والدخول في مصالحة مع من اعتبروا امتدادا للجبهة الاسلامية للإنقاذ ولو كانوا مِمَّن حملوا السلاح، وبدا وكأن هذا مقبولا، كخيار مرحلي، وتشكلت خارطة سياسية أولية بعد انتخابات 1997 ظن الكثير من المحللين أنها، رغم ما شابها من تزوير، ستكون بداية مرحلة جديدة، وأن الرئيس المنتخَب بعدها، سيُعيد الأمور إلى نصابها ويُعطي لكل ذي حق حقه، ويبني ديمقراطية حقيقة على أساس دستور سابقه الرئيس ليامين زروال، خلال عهدتين من الحكم وفقط عهدتين بحكم الدستور، وأن الانطلاقة الحقيقية للبلاد ستكون بعد سنة 2009... فإذا بالأمور تنقلب رأسا على عقب، ونعود بالبلاد إلى نقطة الصفر، إلى أحاديةٍ في شكل جديد، وإلى حكم لا يؤمن بالتداول أكثر مما كان في عهد الحزب الواحد.

وتم تعطيل تشكيل الخارطة السياسية على أسس صحيحة مرة أخرى، وتأجَّل الإصلاح الحقيقي عشر سنوات أخرى، وكان من المنطقي أن نصل إلى انتخابات 2017، بعد عشرين سنة من انتخابات 1997، وكأننا لم نستفد من تجربة المرحلة التي عرفتها البلاد بعد سنة 1962، وبات واضحا لجزء كبير من السياسيين أن انتخابات 2017 ستكون نسخة لسابقتها فقاطعوها، وقَبلهم قاطعها عامة الناس والشباب خاصة، إلا أن آخرين راهنوا على أنها ستكون بداية مرحلة جديدة بوجود دستور جديد فشاركوا فيها، وإذا بها تكشف عن حقيقة مُرَّة أخرى: أننا لم نصحح الخطأ بعد، لم نفهم بعد أن الخارطة السياسية في البلاد ينبغي أن تتغير وعلى أسُس صحيحة.

"علينا أن نقول إن تصحيح الخطأ أفضل من الاستمرار فيه.. وأن الرهان على مستقبل مفتوح أفضل من البقاء أسرى ماضٍ تكرَّر ارتكابُ الخطأ فيه، وأنه أفضل لـ"حمس" هذه المرة أن تقول: لا. "

واكتشف المشاركون فيها هذه الحقيقة بعد فوات الأوان... وطَرح الحُكم القائم على بعضهم غضَّ الطرف عمَّا حدث ودخول الحكومة، ووقع العبء الأكبر على حركة "حمس" بذات العبء الذي وقع عليها في بداية تسعينيات القرن الماضي، وهي الآن أمام خيارين: إما أن تَقبل بالقيام بما هو مطلوبٌ منها وتُساهم في تمديد عمر انسداد سياسي استمرّ عقوداً من الزمن، لأسباب لها علاقة بمصالح دوائر ضيِّقة معروفة، أو تَعتبر أن البلاد بحاجة إلى انتقال ديمقراطي حقيقي، تعود الكلمة فيه للشعب يختار بكل حرية، بلا تزييف ولا تزوير، يختار مَن يحكمه، ونمط الحكم الذي يريده، والرجال والنساء الذين يسيِّرون بلده، سواء أكانوا من "حمس" أو من غيرها... وهي  بلا شك مسؤولية كبيرة، إما أن يكون الرجال والنساء في مستواها أو لا يكونوا، وفي كل الحالات علينا أن نقول إن تصحيح الخطأ أفضل من الاستمرار فيه.. وأن الرهان على مستقبل مفتوح أفضل من البقاء أسرى ماضٍ تكرَّر ارتكابُ الخطأ فيه، وأنه أفضل لـ"حمس" هذه المرة أن تقول: لا.

  • print