"الشروق" تكرّم مسيرة الحاج محمد الطاهر فرقاني

فنان قاوم الرداءة ومنع اليهود من خطف المالوف

date 2017/06/06 views 4741 comments 4
author-picture

icon-writer ب.عيسى/ عصام بن منية

ستة أشهر، عن رحيل فنان المالوف الحاج محمد طاهر فرقاني.. قامة فن أخرى تركت الساحة يتيمة، بعد أن صار الفن قرع طناجر، أو دحرجة براميل أو غناء في قنوات الصرف.

مجمّع "الشروق" اختار سهرة رمضانية، وبمساهمة من ديوان الثقافة والإعلام لتكريم مسيرة الفنان الراحل حيث حضرت الأسرة الصغيرة والفنية من عدة ولايات، فقدموا وصلات من المالوف الذي فقد أحد أعمدته، إن لم نقل أهم أعمدته، فكانت ذكرى وتذكّر، تأكد فيها الجميع، بأن الكبار لا يغادرون، مادام ما قدموه سيبقى خالدا، خاصة إذا اجتمع العطاء والموهبة، بالسيرة الحسنة التي ميزت مسيرة فاقت الثمانين سنة من حياة فنان قدمت الشروق العربي حياته في حلقات في سنة 1994، وتابعت الشروق اليومي كل حفلاته وألبوماته، وأكملت قنوات الشروق تغطية خرجاته، إلى أن غادر الدنيا ولم يعد، وعادت الشروق لتكرم مسيرة فنان غادر بجسده وترك كتاب فن لا ينتهي معجونا بكل الطبوع التي أداها بما في ذلك الغربي الخفيف والمشرقي رفقة فريد الأطرش. 

 

حاولوا اغتياله فصلى في مقام أولى القبلتين

هذه قصة الفرقاني مع اليهود .. والقدس الشريف

لم تكن رحلة محمد الطاهر فرقاني من دون حواجز مزيّفة وأخرى مفخخة، فيهود قسنطينة كانوا بصدد التخطيط لخطف الموروث الثقافي للمدينة، فجاء تألق الشاب محمد الطاهر ليُفسد خطتهم، فعرفوا بأن تواجد الشيخ ريمون ليريس اليهودي، المولود في سنة 1912 في قسنطينة في هذا العالم الفني مليء بالمخاطر في وجود شاب تبناه الجزائريون، فكان أكبر من نافسه على القمة، والد الفرقاني الفنان حمو، قبل أن يبزغ نجم محمد الطاهر فرقاني، فيقلب المعادلة رأسا على عقب، وبدأ الصراع الفني والثقافي والتارخي قبل أن ينتقل إلى صراع وجود، ففي 22 جويلية من سنة 1961، في جو من التنافس بين فناني المالوف من عرب ويهود، تلقى رائد المالوف اليهودي ريمون، رصاصات قاتلة في ساحة رحبة الصوف في قسنطينة، فثارت ثائرة يهود المدينة، وحاولوا اغتيال الحاج محمد طاهر فرقاني في خريف 1961 ولكنهم فشلوا، وهذا من خلال توظيف شباب يهود يقومون بترصد حركاته، وبالرغم من أن صهر ريمون الفنان الشهير أنريكو ماسياس، قدّم تعازيه، بعد رحيل محمد الطاهر فرقاني، إلا أن التاريخ يشهد على أن محمد الطاهر فرقاني، تفادى دائما التعامل مع ماسياس عكس الكثير، من الفنانين وحتى الفنانات في الجزائر والعالم العربي، ويعود سبب حساسية الحاج محمد طاهر فرقاني من الإسرائيليين، هو زيارة قام بها إلى القدس الشريف قبل أن يدنّس من طرف الصهاينة، فخلال أول رحلة قادته إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج، في سنة 1963، توقف وفد الحجيج في القدس الشريف فصلى هناك مع جموع المصلين، قبل أن يكمل رحلته إلى الحج، ولكنه عندما عاد مرة ثانية إلى الحج، كانت القدس قد ضاعت، فآلمه أن يصلي في المسجد النبوي والمسجد الحرامـ دون أولى القبلتين، وروى ذلك لأهله وأبناه وللشروق اليومي في حوارات سابقة  كما زار بلاد البخاري في كازاخستان، في رحلة فنية قادته إلى الاتحاد السوفياتي سابقا، واطلع على مآثر الحضارة الإسلامية، وعندما زار الولايات المتحدة الأمريكية رفقة إبنه سليم، التقط صورا في بلدة كادير، المسماة نسبة للأميرعبد القادر.

على مشارف التسعين، رحل عميد أغنية المالوف الحاج محمد الطاهر فرقاني، الحياة الفنية، كآخر عمالقة الأغنية الجماهيرية والكلاسيكية، وقد سبقه إلى ترك عالم الفن الحاج محمد العنقة والهاشمي قروابي وأحمد وهبي، حيث أسلم روحه في مستشفى جورج بومبيدو بباريس التي أدى فيها العشرات من الحفلات، وكما كان إلى جانبه إبنه الفنان سليم الفرقاني عازف العود ووريث المالوف في آخر رحلة علاج له، فإنه أخذ على عاتقه بأن يؤدي أغانيه ويحقق كل أمنيات محمد الطاهر فرقاني، وأهمها نقل المالوف إلى الجيل الصاعد حتى لا يموت هذا الفن الأصيل. 

حقق الحاج فرقاني حلم حياته في احتضان مدينته تظاهرة عاصمة الثقافة العربية، فكانت عبرها آخر إطلالة له من منصة قاعة أحمد بأي الكبرى أو زينيت قسنطينة، خلال احتفالية تكريمية للراحلة وردة الجزائرية، وفيها أيضا اجتمعت أسرة الشروق بعد ستة أشهر من رحيله لتحتفي بمسيرته الفنية التي وصل فيها لقمة الفن بعد صراع مرير مع سارقي الموروث الثقافي الجزائري ودعاة الرداء، فجاء تكريمه عرفانا بما قدمه.

 

سليم الإبن الأكبر للحاج فرقاني

كيف أنسى نصف قرن من الأبوة الشخصية والفنية؟

للأسف نقضي هذه السنة، أول رمضان بدون الحاج، رحيله ترك فراغا كبيرا ليس وسط الأسرة والعائلة فقط، بل حتى وسط كل محبي فن المالوف في قسنطينة وفي مختلف ربوع الوطن. الوالد كان في رمضان رجلا كريما وسخيا على الفقراء والمساكين واليتامى الذين كانوا يقصدونه، والكل يعرف بأن الحاج رحمه الله كان طيب القلب وحنون إلى أقصى درجة، يتعاطف مع المحتاجين في مختلف المناسبات، ويتفقد أحوال العائلة ويسأل عنهم فردا فردا. وعن ذكريات سليم الفرقاني مع الراحل يقول: بصفتي الإبن الأكبر للحاج فقد كنت مرافقا له منذ نعومة أظافري، وكان يأخذني معه إلى مختلف الحفلات والمهرجانات التي يحييها داخل وخارج الوطن، وكانت أول خرجة لي معه سنة 1971 في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، إلى بلغاريا، أين شاركنا في إحياء الاحتفالات المخلدّة لذكرى ثورة التحرير الكبرى، في حفل كبير، وحظينا بتكريم خاص من الرئيس الراحل بعدها. ويردف سليم بالقول: لقد رافقت والدي مدة نصف قرن كامل، من الزمن، وتعلمت منه الكثير من المبادئ والقيم، حيث كان دائما ينصحني بالصدق مع الناس، ومعزّة النفس، وتقدير الفن، والحمد لله أن ذلك جعلني أفتخر اليوم بوالدي، وأؤكد لكم أنه ولحد اليوم فإن محبيه لازالوا في تواصل دائم معي ويهاتفوني للإطمئنان على أحوالنا، لأنهم يعرفون جيدا أنني كنت الأقرب إليه، ولازلت أسير  على الدرب الذي رسمه لي في حياتي الفنية. سليم الذي بدت على وجهه علامات التأثر وهو يروي شيئا عن مسيرة والده لم يفوت الفرصة ليتوجه بالشكر الجزيل للشروق اليومي، التي قال أن تكريمها للعائلة في هذه السهرة الرمضانية، دليل  على احترامها وتقديرها للفن والفنانين، مضيفا أن أقرب أغنية لقلبه أداها والده هي قصيدة "ياعاشقين" التي تؤدى في تلمسان وفي مناطق أخرى أجزاء منها فقط، إلاّ أن الحاج كان يؤديها كاملة.

 

فنان المالوف حمدي بناني 

الفرقاني غنى  في حفل زفافي وأعراس أبنائي

علاقتي بالمرحوم، تتجاوز حدود الصداقة، كنا بمثابة عائلة واحدة، لقد عرفت المرحوم محمد الطاهر فرقاني سنة 56 في عنابة، التي كان يأتي إليها لإحياء بعض الحفلات والسهرات، وكنت وقتها صغيرا في السنّ، ومعجبا به، كما أني كنت في ذلك الوقت قد بدأت الغناء في طابع المالوف وباقترابي منه، شيئا فشيئا أصبحنا قريبين جدا وصديقين، نسافر مع بعضنا لإحياء الحفلات في مختلف جهات الوطن، كانت أغلب حفلاتنا في السنوات الأولى في عنابة أو قسنطينة أو الجزائر العاصمة، حتى جهة الغرب الجزائري، كما أحيينا العديد من الحفلات خارج الوطن وفي كبرى القاعات العالمية والعواصم الأوروبية كباريس، وحتى  الإفريقية، وأتذكر أنه سنة 1984، كنا بصدد السفر إلى العاصمة السنغالية داكار للمشاركة في الأسبوع الثقافي الجزائري بالسنغال، وقد حدثت في رحلتنا تفاصيل مثيرة لحادثة لازالت عالقة في ذهني إلى اليوم، وهي عندما أقلعت طائرتنا في شتاء سنة 84 من مطار هواري بومدين، كان الثلج يغطي، جبال  الشريعة، وكان برفقتنا عبد القادر شاعو، وعندما كنا في  الأجواء نتبادل أطراف الحديث على متن طائرة  البووينغ، حتى وقعت أعيننا على مشهد لمناظر الصحراء الجزائرية، وما هي إلاّ دقائق قليلة حتى عادت الطائرة أدراجها، باتجاه مطار هواري بومدين وعاد مشهد الثلوج التي تغطي جبال الشريعة من جديد، فتفاجأنا بذلك وفزعنا، لحظتها  أطلت مضيفّة الطائرة لتخبرنا بوقوع عطب ميكانيكي في محرك الطائرة، وأخبرتنا بأننا عائدون إلى أرضية مطار هواري بومدين، فتملكنا الخوف جميعا وقتها، وبدأنا نتساءل عن مصيرنا، وازددنا رعبا عندما شاهدنا من نافذة  الطائرة سيارات الإسعاف وسيارات الحماية المدنية بقوة على أرضية المطار قبل أن تحط الطائرة على أرضية المطار، وفي أجواء الرعب والخوف تلك تملكني أيضا خوف كبير لكنني انفجرت بالضحك حتى سالت الدموع من عيناي، ولم أتمكن من التوقف عن الضحك، حينها  ثارت ثائرة الحاج محمد الطاهر فرقاني رحمه الله، الذي انفجر غضبا في وجهي بالقول "احنا رايحين انموتو وانت تضحك" وهي حادثة لن أنساها في حياتي. أما عن علاقتي الوطيدة مع الحاج محمد الطاهر فرقاني فهو من أحيا لي ليلة حفل زفافي، وأطرب الحاضرين بباقة من أغانيه المشهورة والمعروفة، كما أنه أحيا لي أسبوع زفاف ابنتي كريمة وحفل أسبوع عن زفاف إبني كمال، وأصبحت كلما أتذكر الحاج  رحمه الله في أية حفلة اشارك فيها، أغني أغنية كنت قد أديتها معه في حفل إبني كمال ومسجلة عندي أنا فقط ،  وهي أغنية "طال العذاب بيا"، التي عندما أغنيها يقشعر بدني. 

 

حفيدتا الفرقاني 

رمضان بلا جدّي .. صعب

لقد كان جدنا رحمه الله، أطيب خلق الله، حنون علينا وعلى كل أفراد العائلة، خاصة منهم الأطفال، الذين لم يكن يتركهم يحتاجون لأي شئ، لقد كان عاطفيا إلى أبعد الحدود، وكان يتفقدنا، ويطمئن علينا وعلى أحوالنا واحدا بواحد، والله غيابه عن البيت في هذا الشهر الكريم صعب وترك فراغا كبيرا ولا أتصور أن يحل علينا عيد الفطر وهو غير موجود، فالحاج محمد الطاهر فرقاني نفتخر به جدا عظيما لنا، فكل الناس تتحدث عنه بخير، حتى عندما كان مريضا كان يقلل من آلامه بابتسامته وخفة روحه، يداعبنا حتى في أشد ألمه، حتى لا نشعر بذلك، كان مرحا جدا في حياته ويصعب عليا الحديث عنه لأنه رجل قوي ولا يوصف في بضع كلمات، أرجو من الله تعالى أن يتغمده برحمته الواسعة، وأشكركم أنتم جريدة الشروق اليومي على مبادرة تكريمه، في هذا الشهر المبارك. 

 

العازف عبد الرشيد إبن الفرقاني

"عندما رفض أبي اصطحاب الكامنجا عرفت بأنه لن يعود"

لا يمكنني أن أصف شعوري، وأنا أقف أمامكم اليوم لأتحدث عن والدي المرحوم الحاج محمد الطاهر فرقاني، فقد كان الأخ والصديق والأب، وأقرب إنسان إلى قلبي، لقد تعلمت منه أشياء كثيرة في الحياة، ومنذ رحيله وأنا أحس بالوحدة، لقد تعلمت منه مبادئ الحياة، النيف والرجلة، والصدق في المعاملة مع الناس، تعلمت منه كيفية مداعبة العود والحفاظ على إسمي وإسم العائلة، لقد سافرت معه عشرات المرّات، وفي كب سفرية كنت أتعلم شيئا جديدا، يقولون أن الفراق صعيب لكن فراق والدي عنا أصعب ما في الوجود، أحسّ وكأنني مكسور الجناح بغيابه، فهو من رسم طريق الحياة بنصائحه وتشجيعاته، وأنا لا أفتقده كأب فقط بل وحتى كصديق لي كنت أستشيره في كل شيء، وأتلقى منه النصائح حتى في أموري الخاصة والشخصية، كنت أجلس معه لساعات طويلة، وألفت مرحه وضحكه واعتدت أيضا على شدته وصرامته في التعامل مع القضايا الحساسة. الحاج رحمه الله كان عملة نادرة بالنسبة لي، أفتقده كثيرا في شهر رمضان الذي أتذكر في كل يوم فيه تصرفات الحاج وخروجه صباحا لاقتناء مستلزمات الفطور، وابتسامته ومرحه مع جميع الناس، واحترامه لهم، والله شئ صعب ما أعانيه هذه الأيام من فرق وفراغ يقهر قلبي، ولا يسعني اليوم سوى أن أشكر جديدة الشروق المحترمة وأبدا لن أنسى في آخر سفرية لوالدي عندما طلبت منه اصطحاب الكامنجا، قال لي: ربما هي الخاتمة؟. 

 

عبد السلام بن حسين موزع أسطوانات وأشرطة

الحاج هو آخر عمالقة الفن

صهر الحاج فرقاني السيد عبد السلام بن حسين، تحدث عن قرابة 40 سنة عاشها مع والد زوجته، فقال للشروق اليومي: لم أحس يوما بأنه والد زوجتي، بالنسبة لي كان آخر العمالقة ليس بفنه فقط وإنما بحضوره القوي، وما قاله عنه الشيخ التومي يبقى دليل على قوته، عندما قال بأن الحاج لو كان حافظا للسولفاج لكان أحسن موسيقار في العالم، بفضل صوته الرائع وذاكرته وعزفه المدهش على مختلف الآلات، لقد كان بالنسبة لي صديق وأخ أكبر، طيبته ودموعه التي تنهمر أمام كل حادث مؤلم دليل على انه فنان حساس، وذكر كيف كانا مرة في "لابيشري" بالجزائر العاصمة يتبادلان الحديث، عندما وصل عدد من المتسولين، وراحوا يتحدثون إليه وعن حبهم لغنائه، فأخرج كل ما في جيبه وأعطاهم إياه وأجهش بالبكاء لحالتهم، وظل برغم شهرته وفيّ للمطاعم الشعبية، بما فيها التي تبيع الحمص القسنطيني ويرى في الحياة البساطة التي جعلته يبلغ قمة الفن.

  • print