في رحاب رمضان

وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور

date 2017/06/07 views 1375 comments 0
author-picture

icon-writer سلطان بركاني

يتداول بعض الأفاضل من رواد شبكة التواصل الاجتماعيّ فايسبوك، مقطعا مصوّرا يعرض جلسة عشاء دسمة في بعض بلدان الخليج حول طاولة وسطُها يدور آليا بين المنعّمين الملتفّين حولها، وعليه من شتى صنوف الأطعمة والحلويات، التي تكاد ألوانها تخطف الأبصار، فيما سماه بعض المعلّقين "استخدام التكنولوجيا المتطوّرة لحشو البطون"..

ينتهي المقطع سريعا ليتحوّل المشهد إلى ضفّة أخرى من العالم، حيث الجوع الذي أصبح شبحا يطارد ملايين الأطفال والرّجال والنّساء في أفريقيا، ويعرض المقطع أطفالا يجلسون في مجموعات تضمّ كلّ واحدة منها العشرات من الجوعى، ينتظرون على أحرّ من الجمر صحون الطّعام المتواضعة التي توزّعها إحدى الجمعيات الخيريّة، وما أن يوضع الصّحن بين الأطفال، حتى يتدافعوا عليه بصورة تدلّ على أنّ الجوع قد أخذ منهم مأخذه، وما هي إلا ثوان معدودات حتى يصبح الطّعام أثرا بعد عين.

صورة أخرى تداولها بعض النّاشطين لوجبة إفطار جماعيّ في أفغانستان، تتكوّن من كؤوس شاي تستساغ بها كسر يابسة منثورة على الأرض.. وهي صورة أخرى بين مئات الصور التي تحكي واقعا مريرا يعيشه كثير من المسلمين مع شبح الجوع في بورما المنسية وفي الصومال والنيجر، وبلدان أخرى كثيرة في هذا العالم.. وغير بعيد عنّا، نعاين كلّ يوم في بلادنا هذه أوضاعا صعبة يعيشها إخواننا السوريون والأفارقة اللاجئون بين ظهرانينا، وربّما تتكرّر أمام أنظارنا وبشكل يوميّ مشاهد أسر سورية أو أفريقية يجتمع أفرادها على قارعات الطّرق لتناول وجبات متواضعة، ولا تتحرّك قلوبنا لمعاناتهم، وربّما تصرفنا أنفسنا عن الشّفقة لحالهم عندما نظنّ أنّهم يجمعون أموالا طائلة من التسوّل! وننسى أنّهم يكابدون الحرّ والقرّ ويعانون التّشريد والقهر، ومهما جمعوا من أموال فإنّهم لن يبلغوا حدّ الكفاف، ولن يكون في إمكانهم توفير ضروريات العيش، فضلا عن التطلّع إلى بعض الكماليات التي لا تغيب عن بيوت كثير منّا. 

صور المعاناة التي يكابدها المسلمون في أفريقيا وأفغانستان والصّومال وسوريا والعراق، في أيام وليالي الشّهر الفضيل، ومشاهد المعاناة التي يكابدها اللاجئون في كلّ مكان، يُفترض أن تكون عبرة لكلّ صائم يملأ مائدة الإفطار بشتّى صنوف الأطعمة وألوانها، ثمّ لا يذوق منها إلا قليلا، ليكون مصيرها في النّهاية إلى حاويات القمامة، وعبرة لكلّ صائم يخاصم ويلاحي زوجته لأجل طبق لم يعجبه، وعبرة لكلّ من يقارن نفسه بالمنعّمين ويتبرّم من قلّة ألوان الطّعام على مائدته.. يجد الخبز الطريّ والإدام الدّافئ والماء البارد، لكنّه ينظر إلى من يزيّن طاولة إفطاره بألوان اللّحوم والفواكه والحلويات، وينسى من يفطر على الخبز اليابس والماء. 

لقد طال عهدنا بنعم الله، وما عدنا نحسّ بقيمتها، إلا من رحم الله منّا، وصرنا نطلب المزيد ونرنو إلى المفقود قبل أن نشكر الله على الموجود، بل ربّما نتجشّأ ونربت على بطوننا بعد كلّ وجبة وننسى شكر المنعم سبحانه، ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور)).

النّفس البشرية جُبلت على حبّ التزوّد من متع الدّنيا وملذّاتها، ومتى ما أهملها صاحبها وأتْبعها هواها، تمادت في اللّهف واللّهث حتى يصبح النّهم خلقا وطبعا لصيقا بها، فلا ترتوي ولا تكتفي ولا يشبعها قليل ولا كثير، كما قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: "لو كان لابن آدم واديانِ من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب" (متفق عليه).

إنّنا مدعوون ونحن نعيش أيام وليالي شهر الرّحمة، لنعيد النّظر في كثير من عاداتنا وسلوكياتنا، ونقلّب أبصارنا بين إخواننا اللاجئين المشرّدين وإخواننا الفقراء المعدمين، بدل الإصرار على تقليبها بين صنوف الأطعمة والملاذ التي تتزيّن بها الأسواق.. إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، لكنّ ذلك لا يكون بمبالغة العبد في الخضوع لشهوات نفسه والتّماهي مع أهوائها، إلى الحدّ الذي ينسى معه أقاربه وجيرانه وإخوانه المسلمين المبتلين.

  • print