"كي تكُونوا لِمَن خلفَكم آيةً"؟!

date 2017/06/18 views 1775 comments 3
محمد حمادي

مظاهر البكاء والصراخ والنواح، التي كان أبطالها تلاميذ مُنعوا من اجتياز البكالوريا بسبب التأخر ببضع دقائق عن الالتحاق بمراكز إجراء الامتحانات، بقدر ما فجَّرت سيلا من مشاعر التعاطف معهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أبانت حجم الإفلاس الذي أصاب منظومة القيم في مجتمعنا، فأضحى يُعالج النتائج فقط ولا يقف عند الأسباب.

لكن لماذا تغيب في كل مرّة الجدّية عن القضايا المصيرية؟ لماذا فقدنا روح المسؤولية؟ أين التحضير النفسي للممتحنين؟ وأين الأولياء من مرافقة أبنائهم  طيلة السنة الدراسية وحثهم على الانضباط؟ أين دروس الوعظ والإرشاد في المساجد لتوعية التلاميذ بخصوص قداسة الوقت؟.

ما أوردته تقارير إعلامية محلية، بخصوص إقصاء 2400  مرشح في أولى امتحانات البكالوريا، بسبب التأخر عن الالتحاق بمراكز الإجراء، وبغضِّ النظر عن الإقصاء الذي اعتبره كثيرٌ من المتابعين للشأن التربوي مجحفا وظالما في كثير من المحطات، فإنه أبان حجم الاستهتار واللامبالاة اللذين أصبحا يطبعان الحياة اليومية للجزائريين، ليس فقط في الامتحانات المصيرية، وإنمّا في سائر مناحي الحياة الأخرى.

وأمام هذا اللغط الذي جعل البعض متعاطفا مع هؤلاء المرشحين، واضعا إياهم في خانة الضحية، من حقنا أن نتساءل ونقارن: ماذا لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء؟ ماذا لو عدنا إلى الجيل الذهبي والزمن الجميل لمّا كان المقبلون على اجتياز شهادة العمر، يُحضِّرون لهذا الموعد المصيري على ضوء الشموع لانعدام الكهرباء، وهناك من يتسمَّر ساعات تحت مصباح الإنارة العمومية في الحي الذي يقطنه ليراجع دروسه؟ ألم يكن كثيرٌ من التلاميذ ممن يقطنون في الأرياف يتجشمون عناء التنقل مشيا على الأقدام ويقطعون مسافات طويلة ليصلوا مراكز إجراء الامتحانات؟ وهناك من كان يمتطي ظهر دابَّة ليصل، وبالفعل وصلوا في الوقت المحدّد وأجابوا عن الأسئلة باقتدار، ولم يشتكوا من صعوبتها، ولم ينتظروا أن تُمنح لهم الإجابات جاهزة، أو تُسرَّب لهم الأسئلة، لينالوا شهادة العمر مع مرتبة الشرف، حتى الذين فشلوا كان فشلهم مشرفا.

 لكن الآن، وبرغم توفر كل وسائل النقل والراحة التي تمكِّن من التحضير الجيد للشهادة المصيرية، إلا أن الجيل الحالي بات يبحث عن الطرق السهلة، ويلهث وراء أحدث التكنولوجيات كي يوظفها في الغش، ولا يتوانى عن تمضية ليالٍ بيضاء يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي لعلّ أحدهم يجود عليه بأسئلة مسربّة.

إقصاء مرشح لأنه تأخر بدقيقة أو دقيقتين عن موعد الامتحانات غير مقبول ومُجحف في حق من تعب وسهر الليالي ليحضِّر لشهادة العمر، وكان بالإمكان أن يجنح مسؤولو مراكز الامتحانات إلى اللين في مثل هذه الحالات، لكن التمادي في غضّ الطرف عن هفوات الآخرين واتخاذ التساهل سبيلا للتعامل مع الممتحنين، مرفوضٌ كذلك، لأنّه سيؤدي إلى مزيد من الانحدار في المستوى التعليمي، وسينقل عدوى التسيّب إلى الدفعات اللاحقة، لذلك أصبحت الصرامة مع التحلي بالعدل في تطبيقها على الجميع إحدى السبل التي بإمكانها أن تعيد قطار البكالوريا إلى سكَّته الصحيحة، وتحفظ لهذه الشهادة هيبتها المفقودة؛ وهي إجراءات ردعية ستكون رسالة للمقصين "كي يكونوا لمن خلفهم آية"!.

  • print