صناعة "السماطة"!

date 2017/06/18 views 2171 comments 4

هل فعلا فقد رمضان "بنـّته" ونكهته التي تربّينا وتعوّدنا عليها، أم إننا نحن من تغيّر وفقد القدرة على التذوّق والتفريق بين الأشياء؟.. وإجابة عن هذا السؤال الملغم، قال أحد الكهول: كبرنا فلم نعد نشعر ببنة رمضان والعيد، والأطفال وحدهم من يشعر بها، لكن كهل آخر يردّ عليه: اسأل الصغار سيبلغونك بأنهم لا يشعرون بلذة زمان، ومن المفروض أن الكبار لا يفقدون الشهية، بل هم من يتذوقون أكثر من الصغار!

أعتقد وأتمنى أن أكون مخطئا: الفرد والجماعة والعائلة والمجتمع، هم الذين تغيّروا قلبا وقالبا، والدليل على هذا التشخيص، الكثير من العلامات والمؤشرات التي لا يختلف حولها اثنان ولا تتناطح بسببها عنزتان!

البنة قتلتها أعمال السرقة في الأسواق والمتاجر من طرف التجار عديمي الذمة، ومنهم من يلجأ حتى إلى التطفيف في الميزان وإشعال النار في الأسعار، وهي الممارسات التي اقترنت بشهر التوبة والغفران!

النكهة قتلها وأد عادات وتقاليد جميلة وهادفة، كانت ضاربة في أعماق المجتمع الجزائري، ربطت الأفراد والعائلات والأسر بحبال التعاون والتضامن والنوايا الحسنة و"التويزة" التي كانت أبلغ من "قفة رمضان" التي لم تسلم هي الأخرى من النهب والسلب والبزنسة!

الحمد لله أن "ناس الخير" لا يُمكن لأيّ كان ولأي فعل أو قول أو عمل، أن يدفعهم دفعا نحو حافة الانقراض، وحتى إن تضاءل عددهم، وتزايد عدد الخيّرين الذين يبحثون عن الترويج، فإن فاعلي الخير مازالوا حاضرين بقوة والحمد لله، وأغلبهم من يشتغل في صمت وبعيدا عن الضوضاء والبهرجة والأضواء!

تفشـّي الجريمة بين الأصول والفروع والفصول، خلال شهر القرآن الذي تـُصفّد فيه الشياطين، أفسد صيام البعض، وروّع الأغلبية الآمنة في البيوت والشوارع، وضرب نكهة الشهر الفضيل وجعل الناس يخافون ظلهم، وفي هذا تغيّر مثير وخطير داخل المجتمع الذي لم يعد مجتمعا محافظا بنفس الطريقة والنسبة التي كان عليها في سالف العصر والأوان!

نحن من فقدنا القدرة على تذوّق الأشياء الجميلة، وربما السبب متعدّد ومختلف، وقد تكون المبررات مقنعة أحيانا، واستعراضية أحيانا أخرى، ولو راجع كلّ فرد منـّا حاله وأحواله، تعامله وألفاظه، عاداته وتقاليده، أسلوبه في الحياة، لربما وقفنا عند مكمن الخلل وهذا "الهبل" الذي يضربنا في عمق أعماقنا، ويحرّك فينا كلّ جميل نحو وضعيات جعلتنا نشعر بأن كلّ شيء "سامط"، وهذه دون شك مجرّد تخيلات مرضية ينبغي علاجها ولو بالكيّ!

  • print