نحن الوطنيون حقا...

date 2017/07/04 views 3376 comments 10
سليم قلالة

أستاذ جامعي

لا أعتقد أن هناك مِن بين الجزائريين مَن يتنكر لوطنيته ولحُبِّه لبلده، حتى أولئك الذين يغالون في الحب إلى درجة التعلق بمنطقة أو بجهة، هم في تقديري جميعهم وطنيون بل أكثر من وطنيين، يحبون الأرض التي عاشوا فيها واستنشقوا هواءها ويتعلقون بها وبكل تفاصيلها الثقافية والروحية والطبيعية، ويستمرون في ذلك الحب حتى وإن تنكر لهم بعض أقوامهم أو منعوهم من حقوقهم أو تجاوزوا في حقهم...

مَن مِنَّا لا يوافق على فحوى البيت الشعري القائل: بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة.. وقومي وإن ضنوا عليَّ كرام. ومن مِنَّا لا يتذكر بيت الشاعر أبي تمَّام القائل: كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى.. وحنينه أبدا لأول منزل. لا أتصور أن أحدا مِنَّا يفتقد هذا الإحساس، خاصة أولئك الذين اضطرهم قومهم إلى الهجرة أو ظلمتهم بلادهم بطريقة أو بأخرى، وهم الآن يعيشون في ديار الغربة يتأسفون لذلك القرار الجائر الذي أراد أن يُخيَّرهم بين جنسية البلد الذي احتضنهم وجنسيتهم الأصلية التي لا يريدون التفريط فيها في خلط واضح بين حاملي الجنسية المزدوجة من كبار المسؤولين الذين لا يحق لهم ذلك قطعا، ومَن حملها بالمولِد في ديارٍ غير دياره أو لضرورة اقتضتها شروط الإقامة والحاجة إلى العمل...

الوحيدون الذين يمكن أن نعتبرهم اليوم قد تنكروا لوطنيتهم وباعوها بثمن بخس هم أولئك الذين جعلوا منها شعارا يتخفون من خلاله للاستمرار في مواقع مسؤولية سطوا عليها، أو لمواصلة نهبِ مختلف "خيرات" بلدهم وتحويل ريعها إلى الخارج... وهم معروفون بالاسم والعنوان من قبل أبسط المواطنين ولا حاجة إلى التذكير بأسمائهم...

هؤلاء، هم أكبر خطر على مستقبل الوطنية.. وينبغي أن نتضامن جميعا لمنعهم من مواصلة تحطيمها كرمز وكمحتوى، ذلك أن كل شعوب المعمورة اليوم، وإن بدوا في الظاهر "عالميين" وإن رفعوا شعار عولمة الأوطان والقيم والسلع والخدمات إنما هم في الواقع أكثر من متعلقين بوطنياتهم.. الإنجليز رفضوا حتى أن يكونوا أوروبيين، والألمان والفرنسيون هم اليوم في الطريق، دون الحديث عن الأمريكيين الذين لا يكتفون بالاعتزاز بأمريكيتهم بل يريدون أن يُصبح كل العالم أمريكيا.. فكيف لا نُحيي اليوم ذكرى استعادة سيادتنا الوطنية بكل فخر واعتزاز، وأن نتميز بحبنا لهذا البلد الذي دفع آباؤنا وأجدادنا الثمن غاليا لأجل أن نعيش فيه أحرارا؟ أليس في ذلك أحسن رد على من أرادوا احتكار الوطنية والاستحواذ عليها والمتاجرة بها؟ أَليس من واجبنا اليوم أن نقول لهم: نحن جميعا وطنيون قبلكم وبعدكم ولن نسمح لكم بالانفراد بهذا العنوان؟ أليست هجرتنا للاحتفاء بوطنيتنا ورموزها وأيامها هي التي أعطتهم هذا التفوق الصوري والمؤقت؟ متى نُصحح هذا الخلل ونقول: نحن، الوطنيون حقا؟ 

  • print