شهداؤنا أنقذونا من مصير الهنود الحُمر

date 2017/07/07 views 3007 comments 10
سليم قلالة

أستاذ جامعي

احتفلنا، أول أمس، بالعيد الوطني لاستعادة السيادة الوطنية على أرضنا الطاهرة. تذكَّر أغلبنا بلا شك شهداءنا الأبرار ودعونا لهم بالرحمة والمغفرة وجنة الرضوان، ولكننا جميعا نكون قد نسينا أننا لولا تضحياتهم ما كُنَّا لنُوجد اليوم إلا كأمم الهنود الحمر في أمريكا الشمالية أو شعوب"الأبورجين" في أستراليا، التي قضى عليها الاستعمار الغربي وحوَّل أراضيها إلى ما يُعرف الآن بالولايات المتحدة الأمريكية أو أستراليا الأنجلوسكسونية.

في نفس الفترة التي كان فيها الشعب الجزائري يُباد عن بكرة أبيه في المداشر والقرى والفيافي والجبال والصحراء (النصف الثاني من القرن التاسع عشر) كان الأمريكيون وقبلهم الإنجليز والفرنسيون يفعلون ذات الشيء بقبائل"الأوروكوي" و"التشروكي" و"السيوكس" و"الأباتشي" وغيرها في أمريكا الشمالية، وانفرد الإنجليز بالقضاء على السُّكان الأصليين في أستراليا، في حروبٍ غير متكافئة بين أصحاب الأرض والغزاة المحتلين. وليس غريبا أن كانت ثورات الهنود الأمريكيين متزامنة مع الثورات الشعبية التي عرفتها بلادنا، عانت أممهم من التشريد والتقتيل والنفي تماما مثلما كُنَّا نعاني مع الغزاة الفرنسيين ضمن منهجية واحدة وبالوسائل ذاتها، وكذا الشأن بالنسبة إلى الأبورجين...

 كم بقي من هؤلاء "الأبورجين" اليوم؟ عددٌ قليل من الأفراد وبعض التاريخ... وماذا بقي من الهنود الحمر؟ بعض المحميات، وبعض الحركات هنا وهناك لتفعيل المعاهدات التي ربطتهم مع المستعمر الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي، وإعلان تُصدِره الأمم المتحدة سنة 2007 لحماية الشعوب الأصلية مازالوا يتمسكون به... هذا كل ما في الأمر، ذلك أن آلة الدمار التي استهدفتهم تمكَّنت من القضاء عليهم بعد أن خانهم السند الروحي والعمق الاستراتيجي ولم يستطيعوا الصمود وانتهوا إلى ما هم عليه الآن.

أما نحن، فبالرغم من أن الاستعمار كان واحدا في جوهره في أمريكا وإفريقيا وأستراليا، إبادة تامة للشعوب الأصلية وتعويضها بالأوربيين المحتلين على حد تعبير المؤرخ الفرنسي Olivier Le Cour Grandmaison، إلا أن عمقنا الاستراتيجي وانتماءنا إلى دائرة حضارية سبقت الحضارة الأوروبية بقرون، بل وتفوَّقت عليها، وتضحيات شهدائنا التي استمرت لعقود من الزمن، شكلت جميعها عناصر متكاملة منعتنا من الاندثار، بل أكثر من ذاك زوَّدتنا بزَخَمٍ كبير للنهضة مازال يُحرِّكنا إلى اليوم، وبِمناعة مازالت تُحافظ على كياننا إلى اللحظة، وبعزة وكبرياء وشعور بالفخر وبالرفعة وعُلُو الهمة والمكانة، ستستمرُّ جميعها معنا إلى يوم الدين.

هي ذي وأكثر قيمة تضحيات آبائنا وأجدادنا التي ينبغي أن نتذكَّرها اليوم ونترحَّم على أرواحهم الطاهرة، بغضِّ النظر عن المشكلات التي نعيش أو الصعوبات الظرفية التي نعرف في هذا المجال أو ذاك، وذلك هو الأمل الذي ينبغي أن نتشبَّث به، بل وأن نُبقيه مضرب الأمثال لنا ولكل الشعوب التي مازالت تتطلع إلى استعادة حريتها وكرامتها.

  • print