استباق ركبان سباق 2019

date 2017/07/12 views 5393 comments 4

كل من له إلمامٌ بأحوال العالم يعلم أن العالم مقبل على أزمات مركبة ومعقدة غير مسبوقة، مع تعديل في موازين القوة، وإعادة تشكيل أحلاف بديلة لتلك التي أنتجتها الحرب العالمية الثانية، مع بداية تراجع هيمنة الغرب وبداية القرن الآسيوي، لن تتم حتما من دون مواجهات ساخنة نراها تُنفَّذ ـ في أغلبهاـ على أرض العرب وبدماء المسلمين، ولا نعلم متى يُتخذ القرار لنقل معارك الشرق ـ بعد استنفاد وقودهاـ نحو الغرب الإسلامي وتحديدا شمال إفريقيا.

ولأن الجزائر على موعد في بحر 22 شهرا مع استحقاق رئاسي غير محسوم سلفا، فإن النخبة السياسية في السلطة كما في المعارضة مطالبة باستباق ركبانه منذ الآن، ليس بأساليب المغالبة الحمقاء التي عهدناها منذ بداية هذه التعددية العرجاء، بل بالبحث عن توافقات حول الخيارات الكبرى للبلد تكون ملزِمة لمن ستؤول إليه قيادة البلد بأمان وسط عالم مضطرب متقلب.

من جهة السلطة، يبدو أن الأمور قد حُسمت على الأقل من جهة البرنامج الرئاسي المقبل، الذي يكون قد توافق عليه أركان النظام، وبدأت حكومة سلال والحكومة الحالية تنفيذ الجزء التحضيري منه، بإعداد البلد لما يتطلبه تراجع موارد المحروقات وعدم استقرارها من واجب تنويع مصادر تمويل البرامج الحكومية، على أن تنفذ بقية مراحله في الفترة الممتدة من 2019 إلى نهاية العقد الثالث.

ومن جهة المعارضة لم نسجل حتى الآن أنها قد أعدَّت العدة لهذا الاستحقاق وقد ظهرت مفككة في الاستحقاق التشريعي الأخير، وفقدت الزخم الذي نشأ لفترة وجيزة بعد لقاء مزفران، وتكشف قصورها في صناعة توافق لم يصمد عند الاختبار في استحقاق محدود الأفق مثل التشريعيات، وكانت الاستحقاقات الرئاسية السابقة قد أكدت استحالة بناء تحالفات وازنة حول مرشح مشترك للمعارضة.

وفي المقابل، ليس من مصلحة النظام أن يستغل هذا الضعف الوراثي في المعارضة، لأن تمكين الرئيس القادم من مواجهة أزمات البلاد لا يحتاج فقط إلى إجماع والتفاف أركان النظام حوله، بقدر ما يحتاج إلى إشراك فعلي لجانب من المعارضة في بعض الخيارات الصعبة التي سوف يضطر إليها سواء من جهة الإصلاحات الصعبة التي تحتاج إليها الجزائر أو من جهة إدارة الوضع الأمني في الداخل وفي الإقليم، مع احتمال توسُّع رقعة الفوضى الليبية، وتدفق أزمات الساحل نحو الشمال، والأخطر منها فرضية إعادة تسعير بؤرة الصحراء الغربية، وجميعها تحتاج إلى بناء جبهة داخلية متضامنة وإلى توافر سلم اجتماعي لم نعد نملك له المسكِّنات المالية التي كانت متوفرة زمن اليسر المالي.

هذا التوافق المعرف في ثقافتنا الإسلامية بـ"عام الجماعة" وله أمثلة كثيرة نجحت فيها شعوبٌ ودول في تجاوز أزمات أشد وأعقد من أزماتنا، لا تمليه علينا تلك الأزمات والفتن المستشرَفة في السنوات القليلة القادمة، بل يمليه علينا واجب إحصاء وحشد المقدرات البشرية والمادية الهائلة التي تزخر بها الجزائر للجلوس بجدارة مع من سيجلس حول أكثر من طاولة: مغاربية، متوسطية، عربية، وإفريقية لتقسيم الأدوار والمصالح، وليس من حق بلد بحجم الجزائر أن يقف موقف المتفرج على من يتولى إعادة ترتيب الأوراق في إقليم المغرب العربي، أو في الحوض الغربي من المتوسط، أو في الصيغ التي ستخلف جامعة الدول العربية، أو على محاولة إعادة توزيع مقاعد الريادة في الاتحاد الإفريقي.

  • print