"الشروق" تزور ورشات إنجاز الطريق السيار شمال جنوب:

"مشروع القرن".. أنفاق وجسور معلقة تعانق الشّلالات

date 2017/07/14 views 33195 comments 21
  • عمال صينيون يتحدون لهيب الحرائق.. والتسليم مؤجل إلى إشعار لاحق
  • مدينة جديدة كل 100 كم و5 ملايين جزائري يقطنون الجنوب خلال 5 سنوات
  • عشرات الكيلومترات من الجسور والأنفاق

icon-writer روبورتاج: إيمان كيموش

صحافية في القسم الإقتصادي بجريدة االشروق

على مسافة 52 كيلومترا، وبالقرب من الغابات والشلالات الساحرة، تمتد الورشات المفتوحة لـ"مشروع القرن" وتتواصل الأشغال منذ الساعات الباكرة للصباح، عشرات العمال والمهندسين موزعون عبر الطرقات والهضاب وحتى المرتفعات، لإنجاز الطريق شمال جنوب، هذا المشروع المتوقف حاليا عبر المقطع الرابط بين الشفة بالبليدة والبرواقية بالمدية، الذي ينتظره 20 ألف جزائري يتنقلون بين الولايتين يوميا.

مجموعة لا متناهية من الجسور والأنفاق المتوغلة في أوساط الطبيعة والجبال، لتكون جزءا مهما من الطريق شمال جنوب، المنطلق من البليدة جنوب العاصمة، المرتبط بالطريق السيار شرق غرب، وقد يربط بين الجزائر والقارة الإفريقية، فهو جزء لا يتجزأ من طريق الوحدة الإفريقية، حيث سيصل هذا الأخير إلى ولاية تمنراست وأقصى نقطة بعين صالح.

 

الطريق المختصر.. ساعة واحدة للتنقل بين العاصمة والمدية

خلال ساعة واحدة، سيكون التنقل بين العاصمة وبوابة الصحراء الجلفة، وربما في وقت مختصر إلى النصف أو الربع، ستكون الرحلة بين الشمال والجنوب، هذه المسافة التي تستغرق أكثر من يوم، ولطالما كانت محل تذمر لسكان الصحراء والجنوب الكبير، تارة يحتجون من غلاء أسعار تذاكر النقل الجوي، وأخرى يتساءلون عن غياب طريق عصري ومتمدّن يربط شمال الجزائر بجنوبها، على طول يعادل 1800 كم، مثلما اختصر الطريق السيار شرق غرب مسافة الـ1200 كيلومتر وأصبح يمتد من الحدود التونسية إلى الحدود المغربية، أما الطريق شمال جنوب، وحسب وزارة النقل والأشغال العمومية، فسيتضمن مخطط إنجاز شبكة 2300 كيلومتر من الطرقات.

 

الورشات مفتوحة رغم الحرائق. .والعمالة الصينية تتحدى

رغم حرارة الشمس التي تجاوزت الـ43 درجة، ولهيب الغابات المحترقة في الضاحية المقابلة وانتشار الضباب والدخان اللذين يمنعان الرؤية، ووسط مناخ صعب هذه الأيام تتواصل الأشغال التي شهدت تأخرا ملحوظا بمقطع الطريق الرابط بين الشفة والبرواقية بالمدية، فهذا الأخير كان يرتقب تسلميه قبل نهاية سنة 2016، إلا أن أشغال الحفر والتهيئة لا تزال مستمرة إلى حد الساعة، حيث ينتشر عمال الشركة الصينية المكلفة بالإنجاز منذ 4 سنوات لاستكمال هذه التحفة المعمارية. وغير بعيد عن ذلك، يُنتظر أن تربط الجسور المعلقة البليدة بالمدية وتمتد لتقترب من بوابة الصحراء، وتصل البرواقية ثم المدينة الجديدة بوغزول فالجلفة، مرورا بالطبيعة الساحرة التي ترسمها الغابات والجبال والشلالات والأشجار الباسقة والأنهار، وحظائر طبيعية تؤوي قردة وطيورا نادرة وحيوانات برية في استقبال السياح والوافدين للتمتع بجمالية الطبيعة، وسلسلة مطاعم، في انتظار المشروع الذي سيسهل الحركية ويخلص الجزائريين من جحيم الازدحام، خاصة مستعملي الطريق الوطني رقم 1، فالطبيعة ستكون في احتضان المتجهين إلى الجنوب.

 

8500 مليار صُرفت على المشروع بسبب صعوبة التضاريس

هذا المشروع الذي يكلف 8500 مليار سنتيم، نظرا إلى صعوبة التضاريس والجيولوجيا، وسيسلكه 22 ألف جزائري سيقضي على فكرة أن السفر في الطرقات الجديدة في الجزائر، يجعلك تختصر الوقت، إلا أنك ستضحي بجمالية الطبيعة، مثلما كان عليه الوضع سابقا في السفريات التي تقود الجزائريين نحو الولايات الشرقية أو الغربية، وهي الفكرة التي كرسها مشروع الطريق السيار شرق غرب، الذي يحرمك من جمال الطبيعة ويجعلك لا ترى إلا الزفت والإسفلت، في رحلات تبدو طويلة رغم اختصار المسافة، ربما لأنها تفتقد عنصر المتعة والتشويق.

هذا الطريق سيتضمن نفقين عملاقين وطويلين، كما سيتميز بـ20 جسرا معلقا، فارتفاع أكبرها سيصل أكثر من 1100 متر بقليل، ما سيجعل المسافر عبر هذا المسلك، يعيش مغامرة مشوقة قبل الوصول إلى المنطقة أو الولاية التي يقصدها، خاصة أن هذه الجسور ستتقاطع مع عدد من الحظائر والمطاعم، هذه الهندسة الجميلة ستخلق فرصا سياحية وتجارية بارزة وستمكن حتى من فتح مناصب شغل وآفاق اقتصادية من شأنها ضخ العملة الصعبة، عبر جلب السياح، لزيارة المناطق الجبلية والحموية والحظائر الطبيعية.

 

الخبير سراي: نجاح المشروع سيرفع عدد سكان الجنوب إلى 5 ملايين نسمة

"من المعروف أن أهم سلاح لتنمية اقتصاد أي دولة يكمن في تطوير قطاع النقل"، وفقا لما يؤكده الخبير الاقتصادي الدولي عبد المالك مبارك سراي، وهو ما يثبت أهمية مشروع الطريق شمال جنوب، خاصة المقطع الرابط بين الشفة بالبليدة والبرواقية، فالمشروع ـحسبه ـ سيحيي المدن والقرى والهضاب العليا والجنوب ويفتح شهية المستثمرين العازفين عن الصحراء الجزائرية، عبر تسهيلات النقل، بل وأبعد من ذلك هذا المشروع، سيشجع 5 ملايين جزائري على الخروج من المدن الكبرى كالعاصمة وقسنطينة وعنابة ووهران، والتوجه نحو المدن الداخلية والجنوب، الذي قد يصل تعداد سكانه 5 ملايين نسمة، في حال تجسد المشاريع التي تتحدث عنها الدولة.

وأبعد من ذلك أكد الخبير نفسه في حديث إلى "الشروق"، ويعد أحد المساهمين في "لقاء عشرية النقل الإفريقي"، أن هذا الطريق سيعيد فكرة المدن الجديدة إلى الواجهة، خاصة أنه يمر عبر مدينة بوغزول، التي كانت تخطط الحكومة فيما مضى لتحويلها إلى عاصمة إدارية، لفك الخناق عن ولاية الجزائر، وإخراج كافة المؤسسات الرسمية بداية من الوزارات وكافة الهيئات الرسمية من العاصمة الحالية.

وذهب أبعد من ذلك قائلا: "في حال استكمال هذا الطريق الذي يعد مشروع القرن، سنجد مدينة جديدة كل 100 كم، وستنتعش الفلاحة الجنوبية وستنبعث ديناميكية واسعة بالمنطقة، كما سيخلص العاصمة من الضغط الديموغرافي في غضون 5 سنوات، خاصة أن عدد سكان الجزائر اليوم يناهز 41 مليون جزائري ويرتقب أن يصل 50 مليونا في غضون بضع سنوات".

  • print