وزير السياحة الأسبق الدكتور إسماعيل ميمون في حوار مع "الشروق":

الإدارة لا تصلح لتسيير الشواطئ.. و"عقود التسيير" هي الحلّ

date 2017/07/17 views 4067 comments 8
  • تشييد الفنادق لا يصنع وحده السياحة... وهذه خارطة الطريق
  • ليس عيبا أن "يحجّ" السياح الجزائريون إلى تونس!
  • العشرية الحمراء والمقاربة الاجتماعية وراء تخلف القطاع في بلادنا
  • حان الوقت لتنظيم "كراء الشقق" الصيفية وفرض آليات الرقابة
  • الجزائريون معروفون بحسن الضيافة والثقافة السياحية تُكتسب
author-picture

icon-writer حاوره: عبد الحميد عثماني

نائب رئيس تحرير بجريدة الشروق

شدّد وزير السياحة الأسبق، الدكتور إسماعيل ميمون، على ضرورة الانتقال من تسيير مواسم الاصطياف عن طريق الإدارة إلى تسيير احترافي من طرف ذوي الاختصاص، في إطار قوانين الجمهورية.

وحتّى لا يفهم كلام "الوزير" على أنه دعوة إلى الخوصصة، أوضح ميمون أنّ المقصود بهذه الفكرة، هو التسيير من طرف المحترفين، سواء كانوا من القطاع الخاص أم القطاع العام، عبر عقود مستلهمة من التجارب الدولية الناجحة، مؤكدا على "مطابقتها مع خصوصية المجتمع والسوق الجزائرية".

ومع وجوده في المعارضة اليوم، فقد أقرّ قيادي حمس في حوار مع "الشروق"، بأن القطاع الذي أشرف عليه قبل 5 سنوات، عرف نقلة نوعية، لكنه اعترف في المقابل بأنّ معركة توفير شروط تلبية رغبات السياح الجزائريين واقتحام الأسواق الخارجية، لم تُحسم بعد، لكون إنجاز الفنادق ضروريا، غير أنه ليس كافيًا للارتقاء إلى مصاف الوجهات الجذابة، لذا يدعو الوزير السابق إلى فتح، وبجدية، كلّ ملفات القطاع الأخرى. 

وبخصوص التدفق غير المسبوق للجزائريين على تونس في السنوات الأخيرة، ردّ إسماعيل ميمون بأنّ اختيار السياحة الخارجية ليس عيبا في حد ذاته، لأن للمواطن الحق في التعرف على تجارب أخرى مفيدة اجتماعيا، قبل أن يفنّد ما يشاع حول الذهنية الجزائرية بشأن الثقافة السياحية، قائلاً إنّ هذه الأخيرة منتشرة في أرجاء واسعة من ربوع الجزائر، لا سيما بالجنوب الكبير، وأنها ليست غريزة عند الشعوب، بل هي ظاهرة تكتسب وتنمو مع تطوّر السياحة نفسها، على حدّ تعبيره. 

 

مع حلول فصل الاصطياف، يعود ملفّ السياحة في الجزائر إلى الواجهة، بسبب تراكم النقائص التي يعرفها على مدار عقود، ما هو تشخيصكم العامّ أوّلا لوضعية القطاع؟

من الخطإ حسب اعتقادي الاهتمام بملف واقع وآفاق تطوير السياحة ببلادنا إلا في المواسم السياحية، بل ينبغي أن تكون هذه المسألة محل انشغال متواصل من طرف الجميع. 

أما فيما يتعلق بالتشخيص، أقول وبكل موضوعية، إن القطاع عرف نقلة نوعية خصوصا في مجال دعم الحظيرة الاستقبالية، فنجد مثلا أن عدد الأسِّرة اليوم فاق 100 ألف سرير، كما نسجل حسب المعطيات المتوفرة لدينا، ما لا يقل عن 1500 مشروع جديد في طور الإنجاز، بسعة تقدر بنحو 60 ألف سرير جديد. 

من جهة أخرى، نسجل نوعًا من الاحترافية من طرف المستثمرين والمتعاملين، لكن ينبغي أن نعترف بأن معركة بناء المقصد السياحي القادر على تلبية رغبات السياح الجزائريين، القابل لاقتحام الأسواق الخارجية، لم تحسم بعد.

 

الملاحظ، أن النقاش حول تطوير قطاع السياحة في بلادنا يكاد ينحصر في تدشين وتسجيل مشاريع الفنادق الجديدة، ما تعليقكم على ذلك؟

يكمن أحد أهم نقاط ضعف السياحة في العجز كمَّا ونوعًا في هياكل الاستقبال، ومن ثم، فإن إنجاز المشاريع الجديدة من الأهمية بمكان، ولكن يجب التنويه حسب ما تؤكده تجارب المقاصد المتألقة سياحيا، أن إنجاز المشاريع شرط ضروري ولكنه غير كاف لوحده للارتقاء إلى مصاف الوجهات الجذابة.

إلى جانب ذلك وفي آن واحد، يجب فتح وبجدية، ملفات الجودة ثم التكوين وملف الاتصال وفق المناهج العصرية وملف تعبئة المحيط لمرافقة الفعل السياحي وملف التسهيلات بمفهومها الواسع، وملف تشجيع الاحترافية في الوسط السياحي، وكل ذلك في ظل استراتيجية تركز على وضوح الرؤية والعمل المتواصل، بعيدا عن كل نوع من التسرع، لأن تحويل المؤهلات السياحية من مادة خام إلى عروض سياحية بمواصفات عالمية يحتاج إلى المثابرة وطول النفس. 

 

بناء على التشخيص سالف الذكر، ما هي الأسباب الجوهرية (أي العميقة) لضعف قطاع السياحة في الجزائر؟ 

حتى وإن كان هذا العامل موضوعيا، لأنه عطل إلى حد كبير مسار النهوض بالسياحة ببلادنا، إلا أنني لا أريد الاختباء وراء ما يسمى بالعشرية السوداء، لكن وحسب رأيي، فإن التأخر الذي يعرفه القطاع، يعود إلى كون السياحة ولفترة طويلة كان يُنظر إليها من الزاوية الاجتماعية فحسب، في حين إن هذا النشاط أصبح صناعة حقيقية تقوم على وضوح الرؤية والتخطيط الصارم حسب ما هو معمول به دوليا.  

 

رغم تدخل مصالح وزارة الداخلية، الشواطئ الجزائرية تعرف حالة من الفوضى على أكثر من مستوى، ما هو تقييمكم لمبادرات السلطات العمومية في تنظيم مواسم الاصطياف؟

لا ينكر أحد أن السلطات العمومية تبذل مجهودات كبيرة وتسخّر وسائل واسعة لإنجاح موسم الاصطياف، لكن نلاحظ هنا وهناك بعض النقائص، اعتبارا للضغط الكبير الذي تعرفه شواطئنا. 

لكني على قناعة، بأنه يجب الانتقال من تسيير المواسم السياحية بصفة إدارية إلى تسيير احترافي يشرف عليه ذوو الاختصاص، وذلك في ظل قوانين الجمهورية بطبيعة الحال. 

 

ما المقصود بهذه الفكرة؟ هل تدعون إلى تسيير من طرف الخواص عن طريق العقود مثلا؟

المقصود بهذه الفكرة هو التسيير من طرف المحترفين وذوي الاختصاص، بغض النظر عما إذا كانوا تابعيين إلى القطاع الخاص أم القطاع العام، وذلك في إطار عقود مستلهمة من التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال، ومطابقتها مع خصوصية المجتمع والسوق الجزائرية. 

 

بكلّ صراحة، هل يرتاح الوزراء وإطارات الدولة لقضاء إجازاتهم السنوية مثل بقية المواطنين على الشواطئ الجزائرية؟

إن الوزير أو الإطار هو قبل كل شيء مواطن وسائح ومصطاف وقد ينزعج من النقائص التي يلاحظها ويندد بها، لكن التنديد وحده غير كاف، لأن السياحة قضية الجميع وعلى كل فرد في المجتمع أن يلعب دوره. 

 

مليونا سائح جزائري يدخلون تونس سنويّا، كيف تعلقون على هذا الرقم، وما هي برأيكم الدوافع وراءه؟

إن السائح الجزائري مثله كمثل باقي السياح في العالم، فهو اليوم أكثر تفتحا على العالم وأكثر اطلاعا على العروض السياحية، وبالتالي فهو يبحث عن تلك العروض التي تغريه، من جانب توفّر منتجات سياحية تمتاز بالجودة وانخفاض في الأسعار، ولهذا نلاحظ أعدادا واسعة من المواطنين تذهب إلى الخارج، بحثا عن هذه العوامل التي هي غير متوفرة اليوم كمًّا ونوعًا على مستوى سياحتنا. 

لذا، فإن هدف تطوير السياحة الوطنية ليس مجرد استقطاب السياح من الخارج فحسب، بل المقصود كذلك تثبيت أكبر عدد من السياح الجزائريين ليقضوا عطلهم داخل الوطن. 

من حيث المبدأ، فإن اختيار السياحة الخارجية ليس عيبا في حد ذاته، لأن للمواطن الحق في التعرف على تجارب قد تكون مفيدة اجتماعيا، فمثلا نجد أن فرنسا باعتبارها أكبر مقصد سياحي عالمي، يفضّل أكثر من 20 مليون فرنسي قضاء عطلهم خارج فرنسا، لكن علينا توفير عروض سياحية للمواطن بنفس المواصفات المعروضة عليه من الخارج، ثم بعد ذلك الاختيار يعود إليه. 

هذا الموضوع يجرّني إلى القول بأن ملف السياحة الداخلية يحتاج إلى رعاية خاصة.

 

لكن في المقابل، وفي إطار ما سميتموه الحق في التعرف على التجارب المفيدة اجتماعيا، لا تستقبل الجزائر من السياح الأجانب إلاّ القليل، رغم استقرار الأوضاع الأمنية، ما هي الأسباب برأيكم؟

قلة السياح الأجانب سببها محوري، وهو عدم تنافسيتها وعجزها حاليا عن إرضاء رغباتهم، في ظل المنافسة الشرسة التي يعرفها أكبر فضاء مستقبل للسياح في العالم، ألا وهو البحر الأبيض المتوسط الذي تنتمي إليه الجزائر.

 

ظهرت في السنوات الأخيرة، وفي ظل نقص المرافق الجماعية، ظاهرة كراء الشقق والمساكن الخاصة إلى المصطافين، هل تعتبرون ذلك إضافة في خدمة القطاع أم إنها ضارّة به؟

إن كراء الشقق وفضاءات الإيواء عند الخواص ليست ظاهرة مقتصرة على الجزائر فحسب، بل العديد من الوجهات السياحية تلجأ إلى هذا النوع من الإيواء، لدعم أو تنويع طاقاتها الإيوائية وتعزيز جاذبيتها السياحية.

في الجزائر يمكن اللجوء إلى ما يعرف بمصطلح (الإيواء عند المقيم: l'hébergement chez l'habitant)، وهذا له دور لا يستهان به، للتخفيف من حدة نقص مرافق الإيواء، لكن يجب أن تتم هذه العملية في إطار قانوني صارم، ومراقبة متواصلة خصوصا على صعيد النظافة والنوعية. 

 

بالضبط، سؤالي هو حول تقييمكم لها بصورتها الحالية "الفوضوية" والفرديّة، بعيدا عن تدخل الدولة من حيث التنظيم والتأطير؟

قمنا سنة 2011 بمعية وزير الداخلية آنذاك، بوضع اللبنة الأولى لتنظيم وتأطير هذا النشاط، الذي انطلاقا من ذلك، عرف نوعا من الازدهار والحركية، لكن اليوم وعلى ضوء الممارسة الميدانية لعدة سنوات، يجب الانتقال إلى مرحلة أخرى لملاءمة هذا التنظيم مع تطور هذا النشاط، والعمل بالتوازي على إيجاد الآليات الرقابية الضرورية. 

 

هناك تقدّم على صعيد المرافق، لكن ماذا عن "الثقافة والذهنية الاجتماعية" وعلاقتها بتشجيع السياحة أو كسرها؟

إن مجتمعنا معروف بثقافة حسن الاستقبال والضيافة، خصوصا مع الأجانب، وهذا ما يعد حقيقة أرضا خصبة لتطوير السياحة ببلادنا، أما عن موضوع الثقافة السياحية، فأنا أفنّد ما يقال من أنه لا يمكن تطوير السياحة لسببين اثنين:

أن الثقافة السياحية منتشرة في أرجاء واسعة من الوطن خصوصا بالجنوب. 

أن الثقافة السياحية ليست غريزة عند الشعوب، بل هي ظاهرة تكتسب وتتماشى مع مسار نمو السياحة نفسها. 

لذا، فإننا بقدر ما عجلنا بتطوير السياحة الوطنية، بقدر ما نكون قد أسهمنا في نشر الثقافة السياحية. 

أعتقد أن الثقافة السياحية لا ترسّم، بل تُبنى بالموازاة مع مسار تطوير السياحة، باعتبارها مصدرا يخلق الثروة ويؤدي دورا إيجابيا في تغيير الذهنيات. 

 

هل يعيش ميدان السياحة على غرار قطاعات أخرى "ظاهرة الفساد" بكل ألوانها، التي تؤدي إلى ضعف المردودية والجدوى في المخططات الحكومية؟

فيما يخص إقرار الفساد، هذا يُعَدّ من مهام مؤسسات الدولة الرقابية، إذ هي التي تقوم بدورها الرقابي ضمن ما ينص عليه القانون.

أنتم كنتم مسؤولا أولا عن القطاع، وعضوا في الحكومة طيلة 10 سنوات دون انقطاع، هل مسّ الفساد (المالي والإداري) مجال السياحة، وما مدى تأثير ذلك على النهوض بهذا الميدان، لأنّ المستثمرين يشتكون في عديد المجالات من العراقيل؟

إن أهم العراقيل التي كانت وما زالت حسب رأينا تواجه السياحة بالجزائر تكمن في إشكالية الحصول على العقار السياحي وتمويل المشاريع، للعلم، فإن الدول المرموقة سياحيا اليوم، بدأت مسار تنمية سياحتها بإيجاد آليات مرنة وتوفير كل التسهيلات في هذا المجال على وجه الخصوص، ودليل آخر على ذلك، فإن حاملي المشاريع يشتكون بصفة خاصة من الصعوبات من هذا النوع. 

 

على ضوء خبرتكم ومعرفتكم بالمشاريع الحكومية في القطاع، ما هي آفاق السياحة الجزائرية على المديين القريب والمتوسط؟

إن النهوض بالسياحة الوطنية لم يعد اختيارا، بل أصبح ضرورة، نظرا إلى الرهانات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه بلادنا.

على ضوء المؤهلات المعتبرة التي تتمتع بها الجزائر، لا يمكن تصور بقاء بلدنا على هامش تطور السياحة العالمية وما تدره من الثروة. 

اليوم والحمد لله، هناك تفطن ووعي سياسي واجتماعي للدور الذي يمكن أن تلعبه السياحة، في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز نجاح مسار تطوير الصادرات خارج المحروقات.

 

هل هناك أفق زمني محدّد، يمكن أن نتفاءل فيه بازدهار السياحة الجزائرية، بالنظر إلى عمليات التأهيل الجارية؟

إن عملية عصرنة المرافق السياحية التي بادرت بها الحكومة في طور الإنجاز وسوف يتجاوز استكمالها سنتين على أقصى تقدير. 

بطبيعة الحال، فإن هذه العملية سوف تعطي نفسا جديدا للوجهة السياحية الجزائرية، من خلال دعم تنافسيتها وجاذبيتها، شريطة أن يتم بذل نفس المجهود على كل السلسلة السياحية، مثل ربح معركة الجودة واستعمال تقنيات الاتصال الحديثة (TIC) والتكريس الميداني لمفهوم المنافسة النزيهة بين المتعاملين، التي ترمي إلى تحسين النوعية وتخفيض الأسعار. 

 

ما شروط هذا الإقلاع السياحي المأمول؟

أراها تتمثّل في إدراج نمو السياحة في إطار رؤية شاملة " une vision globale "، وتسهيل إجراءات الاستثمار، خصوصا داخل مناطق التوسع السياحي، مع دعم التكوين، وجعله حجر الزاوية في مخطط التنمية السياحية، وكذا إشراك أوسع للأقاليم في مسار التنمية السياحية، إضافة إلى إدخال الاحترافية على الفعل الترقوي والاتصالي، فضلاً عن جعل ملف السياحة الداخلية ملفا جوهريا يحتاج إلى إجراءات خاصة به. 

في ظل هذه الشروط التقنية، فإن الأهم متوفر، ويمكن للإرادة السياسية أن تجعل من السياحة أحد أهم الروافد لإنعاش الاقتصاد الوطني. 

وفي اعتقادي، فإن النهوض بالسياحة مرهون بتنشيط المجلس الوطني للسياحة المؤسس بموجب المرسوم التنفيذي رقم 479-02، باعتبار أن قطاع السياحة ذو بُعد أفقي (horizontal ) بامتياز، الأمر الذي يستدعي التنسيق الوثيق والوطيد بين مختلف القطاعات، بغرض تذليل الصعوبات التي تعترض تجسيد هذه البرامج، حتى يتبوأ مكانته الاقتصادية في البلاد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تفعيل التنسيق بين الفاعلين في مجال السياحة، على غرار الديوان الوطني للسياحة (ONT)، الدواوين المحلية للسياحة (OLT)، فدرالية المؤسسات الفندقية التي تأسست بوهران شهر مارس 2012، وكذا نقابات وكالات السياحة والأسفار.

  • print