الاقتصاد بالمقلوب!

date 2017/07/31 views 2166 comments 3

الأرقام التي تفضلت بها مصالح الجمارك، عبر إحصاءات الواردات والصادرات، تؤكد بأن لا اقتصاد في الجزائر، وكما عجزت البلاد عن إقامة بنوك وبورصة مثل كل بلاد العالم، فإن ما يسيّر التجارة المحلية التي تباع فيها مختلف السلع في الشارع، يسيّر أيضا الاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد من دون التصدير. فقد بلغ عدد المتعاملين الذين يستوردون مختلف المواد أكثر من أربعين ألف مستنزِف لخيرات البلاد، مقابل استيراد الشكولاطة والكيوي والمساحيق، ولم يزد عدد المصدرين عن ألف وستمائة شخص، ثلاثة أرباعهم يصدّرون المحروقات ومشتقاتها، وهم بصدد حجب الشمس المحرقة القادمة من القارات الخمس، بالغربال البالي الذين يمتلكونه في بلد كرّس نفسه كأكبر مستهلك وأكبر سوق، أو أضخم جهاز هضمي في العالم.

وتكاد الأرقام الواردة من مصالح الجمارك تُفقد ما تبقى من عقول الذين يغارون على البلاد، إذا ما نظرنا إلى نوعية المواد المستورَدة لصالح المستهلِك الجزائري، إذ فاق عدد مستوردي البقول الجافة والفواكه ثلاثمائة مستورد، وقارب عدد مستوردي الشاي والقهوة والسكر المائتي مستورد، مما يعني أن "فاه" الجزائر مازال مفتوحا، وشهية الجزائريين مازالت ملتهبة، لكل ما يُزرَع ويطهى هناك، ولا تبدو أيُّ بوادر للاعتماد على النفس، بالرغم من أن الأزمة انتقلت من السر إلى العلن، وصندوق النقد الدولي أشهر منذ مدة "سكاكينه" القاطعة، ولم يعد يفصله عن التنفيذ أكثر من لمح البصر.

نعلم جميعا بأن الأزمة الحقيقية في الجزائر، ليست مادية، وهي لا تتعلق بأسعار النفط التي صعدت حينا ونزلت حينا آخر، وبقي مستوى المعيشة نفسه، ونعلم أيضا بأن ما يخزنه باطن الأرض الجزائرية، أكبر مما قدمه سطحها وباطنها في الخمسين سنة الأخيرة، ولكن التعامل مع الأزمة بهذه الطريقة البائسة، هو أخطر أزمة تمر بها البلاد، فقد وجدنا أعذارا للسلطة عندما كانت غارقة في خيرات النفط، وأغرقت معها الشعب، ولكنها الآن غير مسموح لها أن تواصل العمل بنفس الأساليب، فالأب العاطل عن العمل لا يمكنه أن يعيش بنفس المستوى الذي عاش به في زمن عمله.

لم يعد يفصلنا عن نفاد المائة مليار دولار التي مازالت في خزانة احتياطي الصرف، أكثر من بضعة أشهر، وإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه كما يُقال، فإن اللوم ليس عليه، وإنما على الذين مازالوا يأملون في أن يعطيهم من اللاشيء، وعندما يصبح الاقتصاد الوطني وحركة التجارة عموما، في بلادنا مبنية على 256 مستورد مقابل مصدّر واحد، فإن نفاد خزينة احتياطي الصرف بالعملة الصعبة، ولا نقول نفاد البترول من حقولنا، كفيل بأن ينسف نشاط أربعين ألف مستورد، وحينها لن تتمكن مصالح الجمارك من تقديم أي إحصاءات ولا نستطيع أن نقول بأن في بلادنا اقتصاداً، في غياب المصدرين طبعا.. وحتى المستوردين. 

  • print